إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

عندما يصبح التلاميذ هم القضاة

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • عندما يصبح التلاميذ هم القضاة

    [align=center]باسم الله الرحمان الرحيم

    عندما يصبح التلاميذ هم القضاة




    في اللقاء الأول لتربويين عرب وألمان، وبعد تبادل المجاملات والعصائر والفطائر، لم يتمكن وكيل المدرسة العربي من الصبر أكثر من ذلك، فتوجه إلى السيدة التي كانت ترأس الوفد الألماني، وقال لها: إن أكثر ما يشغله في التعليم الألماني شيء واحد، ألا وهو: كيف يعاقب التربويون الألمان تلاميذهم؟ فأبدت السيدة اندهاشها، وردت على السؤال بسؤال: ألا يوجد عندكم محاكم تلاميذ؟، فظهر عليه نفاد الصبر، وقال: المحاكم تكون للأحداث لا للتلاميذ!

    واقعة سرقة قلم رصاص
    قام طلاب الصف الثاني الثانوي الفني بزيارة إلى مصنع سيارات، تمنى الكثيرون منهم أن يلتحقوا بالعمل فيه أثناء العطلة الصيفية لكسب بعض المال واكتساب الخبرة لعملهم المستقبلي، وكانوا في منتهى السعادة والذهول، وهم يشاهدون الإنسان الآلي والعمال يقومون بعمل مشترك، لإنتاج كل سيارة حسب رغبة المشتري.
    وفجأة يأتي حارسا أمن ليطلبا من الطلاب مغادرة المصنع فورًا، وقبل باب الخروج، والطلاب في دهشة وحسرة، يشيران إلى أحد الطلاب، ويطلبان منه إخراج القلم الرصاص المحفور عليه اسم المصنع، والذي كان أحد العمال قد وضعه على طاولته، فغافله الطالب ووضعه في جيبه، فشاهده الأمن من كاميرات المراقبة المثبتة في كل ركن من المصنع. وأوضح المهندس المرافق للطلاب أنه لا معنى أن يتقدم أحد منهم بطلب العمل في المصنع في العطلة الصيفية، لأن الأمانة هي المعيار الأول لقبول أو رفض الطلبات.
    رأى بعض الطلاب أن رد فعل إدارة المصنع كان مبالغًا فيه، لأن القلم الرصاص «لا قيمة له»، ولكن البعض الآخر أصر على أن هذا التصرف مشين، ولابد من محاسبة المتسبب فيه، خاصة أن العبرة ليست بالفعل بل برد الفعل الذي كان سلبيًا عليهم كلهم.
    بدون قفص اتهام
    أوضح المعلم أنه لا يرى أن لفت النظر أو استدعاء ولي الأمر أو معاقبة الطالب بحرمانه من المشاركة في الرحلات المدرسية التالية، سيؤدي إلى إصلاح الطالب، بل ربما يؤدي إلى شعوره بالحنق على زملائه وانفصاله عنهم نفسيًا، وكراهيته للمدرسة، مع عدم التوقف عن «خفة اليد»، لو أيقن أنه لا أحد يراه من زملائه أو من المعلمين.
    واقترح المعلم إحالة الأمر إلى (المحكمة الطلابية)، لأن الطالب وكل زملائه لابد أن يوقنوا بأن أي تجاوز للقانون، مهما كان ضئيلًا، لابد أن يكون له عواقب، وأن يأتي رد الفعل عليه سريعًا، وبذلك فإن استدعاء المحكمة الطلابية ينبغي أن يتم خلال أيام قلائل.
    ولكن يشترط أن يكون القائمون على هذه المحكمة مدركين تمامًا أنهم ليسوا بصدد الانتقام من شخص، ولا يسعون لأن يشعر الآخرون بأن أعضاء مجلس المحكمة لهم سطوة عليهم، بل لابد أن يكونوا من الأشخاص الذين يتمتعون بالقدرة على انتهاج استراتيجية لحل النزاعات، وعلى مهارات اجتماعية وبلاغية، وأنهم يعلمون أنهم ينقلون مبدأ وجود السلطة بيد الدولة، إلى «القضاء المدرسي»، وبالتالي فليسوا هم المشرّعين، بل هم من يقوم بقياس الأمور على معايير واضحة فحسب، وأنهم لا ينازعون السلطة الشرعية (إدارة المدرسة) على الحكم، بل هم أبعد ما يكون عن (شريعة الغاب)، التي تقوم على أن يثأر كل شخص لنفسه، دون الرجوع إلى جهة الاختصاص.
    وأشار المعلم إلى أن هناك تجارب إيجابية عديدة لهذه (المحاكم الطلابية)، لأن الطلاب المتنازعين أمامها، يشعرون دومًا بأن هناك من يحسن الاستماع إليهم، دون انشغال بأمور جانبية إدارية كثيرة، وبالتالي فهي فرصة جيدة للتوصل إلى قرارات عادلة، دون أن يشعر المشتكي بأنه «كثير الشكوى وناقل كلام للمعلم»، فلا يفقد احترام زملائه له.
    ولكن المعلم اشترط أن يتم الاتفاق أولًا على القواعد الواجب اتباعها خلال هذه «المحاكمة»، ونوعية الأحكام والعقوبات التي يمكن النطق بها، بحيث لا تكون تعسفية أو غير تربوية، وأن تكون متوازنة مع الخطأ الذي وقع فيه الطالب المتهم، مع الانتباه إلى أن هناك درجات متعددة لتحمل المسؤولية عن الخطأ.
    أعضاء مجلس المحكمة
    لابد أن يكون المشاركون في مجلس المحاكمة أشخاصًا محايدين، لا تربطهم علاقة بأي من طرفي النزاع، ويفضل أن يكون أفراد هذا المجلس في نفس فئتهم العمرية، وأن يتفق الطرفان على قبولهم، ولابد أن يكون كل واحد من أفراد المجلس قد اجتاز دورة إعداد المشاركين في المحاكم المدرسية، حيث يتم تنمية قدراتهم على العمل في إطار فريق، وعلى التقمص العاطفي، أي الشعور بنفس مشاعر كل من طرفي النزاع، والتيقن من أن النزاعات يكون لها أسباب متعددة، وأن هناك الكثير من الحلول لها، وهي حلول يصعب أو يستحيل أن يتوصل إليها طرفا النزاع أثناء الانفعال والثورة المصاحبين للموقف.
    وعلى الطالب المشارك في هذه الدورة أن يتبين بوضوح أن هناك دومًا رؤية خاصة به، ورؤية أخرى مغايرة تمامًا لشخص آخر، وعليه ألا يخلط بينهما، وألا يكون الحكم انطلاقًا منه هو وحده، دون التنبه إلى الزاوية التي يرى منها طرف النزاع سبب الخلاف.
    وقد اتضح أيضًا أن عمل دورة لطلاب صف بأكمله عن كيفية فصل النزاعات، يؤدي إلى إكسابهم القدرة على استشفاف أجزاء من شخصية الآخرين، تمكّنهم من التقارب بعضهم من بعض، بناء على زيادة التفاهم، والتفهم للرأي الآخر.
    التربية بين القهر والتسيب
    ينبغي أن نتفق على أن الهدف الأساسي من التحاق الطفل بالمدرسة هو أن يصبح قادرًا على تنمية شخصيته في إطار بيئة طيبة، يتعلم منها وتستفيد منه، وأن يقوم بالمهام المكلف بها في إطار نموه كإنسان قوي الشخصية وله كرامته الجديرة بالاحترام، وأن يبدي الاستعداد للقيام بعمل مثمر، يمكن أن يشارك به مستقبلًا بعد نضوجه في بناء مجتمعه.
    ويرى العالم الألماني يوهان جرايسلر في كتابه (الصف – قاعدة العمل التربوي) الصادر في العام الماضي، أن «لن تكون المدرسة فعالة وناجحة إلا إذا أصبح المعلمون والطلاب، شركاء متساوين في المكانة، يقفون على نفس المستوى، وهو الأمر الذي تساهم فيه المجالس الديمقراطية المدرسية مثل مجلس الصف، ومحكمة الصف، وإدارة فض المنازعات، ولن يتعلم الطلاب الديمقراطية بصورة أفضل من العمل في إطار هذه الهياكل الطلابية التي يشاركون فيها منذ نعومة أظفارهم.
    إذا كان الهدف من التربية هو التوجيه بمعنى الهيمنة وفرض رؤية معينة على الطفل، دون السماح له بأن يشعر أثناء نموه بتنامي قدرته على المشاركة في تحديد هذه الرؤية، فإن ذلك النمط من التربية يتحول إلى ديكتاتورية، تؤدي بالطفل إلى أن يبقى غير ناضج مهما مرت السنون، أما إذا كانت التربية بمعنى ترك الطفل ينمو مستقلًا دون تدخل، فإنها تجعله فوضويًا، فاقدًا للمعايير التي تحدد له الصواب والخطأ، ولذا تكمن التربية الصحيحة في الجمع بين هذين النقيضين، أي ترك الطفل ينمو مع مساعدته على الوصول إلى الطريق السليم، من خلال التوجيه الجيد. فإن الطفل لا يصبح إنسانًا ناضجًا صالحًا، دون مؤثرات خارجية إيجابية من البيئة المحيطة.
    محكمة الأطفال
    غالبًا ما يقتصر رد فعل المعلم المثقل بالحصص اليومية، على تجاوزات الطلاب، على إحدى الاحتمالات التالية:«الشتم، التهديد، العقاب»، ويكون الطلاب دومًا في حالة ترقب، لمعرفة كيف يتصرف المعلم في هذا الموقف أو ذاك مع الطالب المخالف، وفي حالة وجود خلاف بين طالبين، يسعى كل منهما إلى كسب المعلم في صفه، وكثيرًا ما يتمكن الطالب اللبق في الحديث من التأثير على المعلم، حتى ولو كان مخطئًا.
    إلا أنه تبين أن الأطفال كثيرًا ما يكونوا أقدر على فهم عالمهم وبواطنه، من الكبار، الذين لا يرون خفايا العلاقات داخل عالم الصغار، بل إنهم كثيرًا ما يكونون أقدر على معرفة العقوبة المناسبة من الكبار.
    ومن فوائد محكمة الأطفال أن يعيد بعض الطلاب تقييم الأمر، عندما يدرك أن الوصول إلى محكمة الصف يستدعي كتابة طلب بذلك، وانتظار الموعد المناسب لإجراء هذه المحاكمة، وسماع المرافعات، ولذلك يطلب بعض الطلاب سحب الشكوى أو الدعوى، عندما يكون عليهم إعادة النظر في جدوى الأمر وحجمه الحقيقي.
    ومن المميزات الكبرى أيضًا أن يتعلم الطالب أن عليه الانتظار، لأن الحلول الفورية أقرب للخطأ، وكذلك أن عليه أن يدافع عن مصالحه دون الحاجة للطرق الخلفية مثل محاولة التأثير على المعلم.
    وتفيد هذه المحاكم الطلابية المعلم الذي يرى نفسه صاحب الصلاحيات الأوحد في الحكم على الآخرين، بحيث يرى في نفسه متعلمًا إلى جانب كونه معلمًا، ويجب أن ينتقل المعلم من محور الدرس، ليصبح الطلاب هم «نجوم» الحصة، ويجب أن يتخلى المعلم عن «القبضة الحديدية القادرة على أن تجعل الطلاب كالصلصال بين أصابعه».
    وبدلًا من أن ينظر المعلم لطلابه باعتبارهم مستقبلين سلبيين لرسائل تربوية ينقلها إليهم، مع أن الصواب أنهم يشكلون مع معلمهم بيئة اجتماعية مشتركة، تتبادل المعلومات والأفكار، وتشترك في اتخاذ القرارات، وتحديد الأولوليات، ويكون المعلم فيها شريكًا اجتماعيًا ضمن شركاء آخرين، وبالتالي ينزل المعلم من برجه العاجي، ليكون أكثر تلاحمًا مع الطلاب، وأكثر تفاعلًا معهم، فهذا التفاعل هو الروح التي تجعل الصف ينبض بالحياة، وبدونه يصبح الصف جثة هامدة، مملًا ومتقطع الأواصر.
    علمًا بأنه عندما يفقد المعلم صفة الديكتاتور المنفصل عن الجماعة، يصبح المايسترو الذي يوجه العازفين في إطار سيمفونية عذبة، متناسقة النغمات، ويصبح المرشد لصف يفيض حياة ونشاطًا.
    ولا يعني ذلك أن يفقد المعلم القيادة، بل أن يكون مقنعًا وقادرًا على تقديم تصور ذكي وحاذق يكسب قبول الطلاب، ورغبتهم في الاستفادة منه. ومن أفضل هذه التصورات فكرة (المحكمة الصفية).
    مشاهد من قاعة محكمة الأطفال
    كان معلم التربية الرياضية يظن أن التلاميذ ينتظرون حصته بفارغ الصبر، ويتحمسون للمشاركة فيها، لذلك فقد أصابته صدمة حين اكتشف أن تلميذين بقيا في الصف، أحدهما اختبأ خلف الباب، حتى انصرف الطلاب ثم خرج من وراء الباب، وجلس في مقعده، والآخر تسلق من النافذة، وبقي أيضًا هناك.
    أحال المعلم المشكلة إلى (محكمة الصف)، وقد هداه تفكيره إلى اقتراح أن تكون عقوبة الأول فتح الباب وإغلاقه 60 مرة، وعقوبة الثاني عدم دخول الصف أو مغادرته إلا من الشباك، واستغرب من رد فعل التلميذين، حيث ظهرت في أعينهما سخرية، وقالا إنهما مستعدان لعمل تلك العقوبة أكثر مما اقترح المعلم.
    رفض أعضاء مجلس المحكمة الاقتراح، وانطلاقًا من خبرتهم بما يضايقهم هم أنفسهم، اقترحوا أن تكون العقوبة هو إلزام المذنبين بكتابة الواجبات المدرسية لكل زملائهم، ولكن المعلم رفض ذلك لأنه أمر غير تربوي، وطلب في جلسة التشاور معهم، أن يقترحوا عقوبة أخرى، فاقترحوا أن يقوم الطالبان المذنبان بتنظيف الساحة التي يلعب فيها التلاميذ في الاستراحة، بشرط ألا يبقى فيها أي وسخ، فقبل التلميذان العقوبة، وجمعا ستة أكياس قمامة ممتلئة عن آخرها.
    ويتضح من هذه التجربة عدم الحاجة إلى عقوبات محددة سلفًا، يختار من بينها مجلس المحكمة، بل يتم التوصل إلى العقوبة المناسبة من جديد، تبعًا لكل حالة على حدة.
    مصدر العنف
    في أثناء الفرصة المدرسية قام طالب بجذب قميص زميلته، فتمزقت الياقة الأنيقة، وأخذت التلميذة تبكي، وتشكلت محكمة الصف في اليوم نفسه، وصدر الحكم بأن يدفع التلميذ المخطئ 5 يورو لزميلته، وقبل التلميذ العقوبة.
    وفي صباح اليوم التالي فوجئ معلم الصف بشخص مفتول العضلات، قاسي الملامح، يقتحم عليه الحصة، ويجر ابنه خلفه، وهو التلميذ المخطئ، ويقول إنه لا يقبل بحكم محكمة من الأطفال، وأن العقاب المالي أمر مرفوض تمامًا لديه.
    ورأي المعلم أن العنف الذي صدر من الطفل إنما هو امتداد لأسلوب التربية الفظ الذي يبدو من تصرفات الأب، فأشفق على الطفل من أن يتعرض للمزيد من العنف، فقال للوالد إنه يمكن أن يراجع محكمة الصف لاستئناف الحكم، ويطلب حلًا غير ذلك.
    وفي المحاكمة الثانية جرى الاكتفاء بأن يقوم التلميذ بكتابة خطاب اعتذار لزميلته، وقبل التلميذ الحكم الجديد، ورجع إلى البيت، وجاء في اليوم التالي وقد كتب خطابًا رقيقًا طويلًا لزميلته يعتذر فيه بشدة عن تصرفاته، ويحاول شرح ما صدر منه، دون أن يسعى لتبريره.
    ختامًا:
    لعله من المفيد أن يجري البدء بمشاركة الطفل في المؤسسات الديمقراطية أو «الشورية » منذ الصغر، مثل برلمان الأطفال، ومجلس الصف، ومحكمة الأطفال، بحيث ترسخ داخله هذه القيم الهامة، والتي يحتاج إليها في الكبر، ولكن تبقى الحاجة إلى الكبار في رسم الخطوط العريضة، ووضع الحدود التي لا ينبغي تجاوزها، والقواعد التي يجب احترامها، في عمل محكمة الأطفال، التي أصبحت واقعًا في كثير من المدارس في الغرب، فهل تصلح لبلادنا، خاصة أن الأصل في الأمور هو الإباحة، أليس كذلك؟

    أسامة أمين ــ ألمانيا[/align]









  • #2
    جزاك الله خير اخيتي ...

    ويعطيك العافيه ...

    اسيرة الصمت

    تعليق


    • #3
      شكرا اختي على المعلومات لكن التساؤل الذي يتبادر الى ذهني هل ما نسميه نحن بالمجلس التاذيبي؟ هو ما يسميه الالمان بمحكمة الاطفال ان كان الامر كذلك فان العقوبات التي تصدر في بعض الاحيان تكون انتقامية وليست تربوية خاصة من التلاميذ الذين يملكون سلوكات عنيفة...............
      مع التحية


      تعليق


      • #4
        هناك اختلاف أختي ام نعمة الله بين المجلس التأديبي الدي يتكون أعضائه من هيئة التدريس و تتسم قراراته بالديكتاتورية و يترأسها مدير المؤسسة و محكمة الطلاب أعضائها تلا ميد

        تعليق

        المتواجدون الآن 1. الأعضاء 0 والزوار 1.

        أكبر تواجد بالمنتدى كان 2,525, 26-09-2016 الساعة 21:58.

        يعمل...
        X