قصة شاب يتيم

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • قصة شاب يتيم



    جلستُ في حديقة منزلي أتطلع إلى ابني الصغير وهو يلهو ببعض اللعب التي اشتريتها له، ورجعتْ بي الذكريات إلى طفولتي وأنا في مثل عمره، وأخذتني رجفة خفيفة تأتيني كلما تذكرت طفولتي رغم بعد الأيام، فبعض ذكريات الطفولة تحفر لها خطوطًا عميقة في عقل الإنسان ولا يمحوها مرور الزمن؛ تذكرت وفاة أبي واليتم الذي عشته، وكيف زلزلت هذه الوفاة كيان أسرتي؛ لأن أبي رحمه الله توفي في عمر الشباب، ولم يكن قد استطاع بناء كيانه المادي بشكل يوفر لنا مطالبنا الضرورية، مما اضطرنا الواقع الصعب الذي نعيشه – ويتربع على قمته الوضع المادي السيئ – إلى الاعتماد على عمي الذي أفرد لي مع والدتي غرفة في ملحق منزله وبين حيطان تلك الغرفة رضعتُ الألم وأحسست بمرارة اليتم وأنا أرى الفرق الشاسع بيني وبين أبناء عمي، وكان كل مناسبة سعيدة تمر على المجتمع تترك بعض بصماتها المريرة في ذاكرتي...
    إن الحوادث التي مرت بي أذكرها وكأنها حدثت بالأمس القريب ... دعانا عمي كما دعى بعض أقاربنا في أحد الأعياد لمشاركة أسرته فرحة العيد، وتناول طعام العيد، وجلست مع الرجال بين أبناء عمي على صحن واحد ولكنها فرحة لم تعش طويلاً إذ انبعثت ريح كريهة مصدرها ابن عمي الأصغر سنًا مني ...
    فنظر عمي إلي بغضب قائلاً: ألا تستحي لماذا تفعل ذلك؟ توقفت اللقمة في حلقي، وأنا أحاول أن أنفي عن نفسي تلك الفرية، ولكن عمي وبعض الحاضرين جاملوا عمي، وأكدوا له بأني أنا الفاعل كيف لا وهم يجلسون على مائدته وقالوا لي عيب عليك ألا تميز المكان وتحترم الناس من حولك.
    شعرت بالظلم الشديد ولم تستطع دموعي ولا حتى كلامي ذو النبرات المتقطعة المخلوطة بالألم أن تشفع لي وتقنعهم ببراءتي وبدلاً من الفرحة انقلب العيد مأتمًا حزينًا ولم أفهم سبب تحامل الجميع علي إلا بعد زمن طويل عندما كبرت وأدركت أنني كنت الطرف الضعيف الذي يمكن أن يتحمل وزر الآخرين دون أن يجد مدافعًا يحامي عنه أو يجد له أبا يُرْجَى أو يُخْشَى أو جدارًا يستند عليه.
    مر علينا عيد آخر وقلت في نفسي «عيد بأي حال عدت يا عيد؟!» لقد جلس عمي وسط عائلته يوزع ملابس العيد الجديدة على أبنائه وأنا أقف بينهم يداعبني الأمل في أن يأتي دوري، ولكن تنتهي كومة الملابس التي كان يوزعها عمي ثم ينظر فيراني ونظرة الحزن يبوح بها وجهي فيشير إليَّ ويقول لزوجته: دبري ثوبًا قديمًا من أثواب أحد أبنائك لهذا الولد المسكين لعلنا نكسب فيه أجرًا ثم يلتفت بسرور وهو يتابع فرحة أولاده بالثياب الجديدة قائلاً لهم: لا توسخوا ملابسكم مثله وهو يشير بيده إلي، تمنيت لو انشقت الأرض وابتلعتني وجريت منتحبًا إلى غرفة أمي التي أخذتني في حضنها الدافئ الحنون فاختلطت دموعها بدموعي .. لكم تعذبت هذه الأم الصابرة التي لم تستطع أن ترفع الظلم عن وحيدها لفقرها وعجزها واعتمادها على عمي في تدبير معيشتها التي تحصل عليها مقابل خدمتها الشاقة في بيتهم، وكم كنت قاسيًا عليها دون أن أدري وأنا أصيح فيها، وأطلب منها مغادرة الغرفة والسكن في منزل آخر بعيدًا عن منزل عمي، وكيف تمسكت بعدم ارتداء ثوب ابن عمي القديم مطالبًا والدتي بشراء ثوب جديد لي مثل أبناء عمي، ولسان حال أمي يقول: من أين لي ثمن الحلوى فأشريها؟! من أين لهذه الأم المسكينة المال؟!
    لقد كنت أزيد إحساسها بالعجز والضعف؛ فكيف تلبي مطالبي وهي لا تملك أي مصدر دخل! ولكن كيف لعقلي الصغير أن يستوعب ذلك! ويستمر شريط الذكريات يمر بي، وأتذكر يوم عاد أحد جيراننا من رحلة للعمرة وكنت ألعب مع أبنائه أمام منزله عندما وصل فدعاني مع أبنائه لدخول منزله، «وأعطى كلاً منّا صافرة جزاه الله خيرًا»؛ إنها لحظة لن أنساها جعلتني أعانق السماء فرحًا؛ فهي أول لعبة أحصل عليها في حياتي تساويني بهم، وانطلقت مع أبناء جاري إلى الحارة نلهو ونلعب في سعادة غامرة وفجأة شعرت بيد ثقيلة تهوي على كتفي لأكتشف في ذعر شديد من هول المفاجأة الجافة عمي ينزع صافرتي بعنف ويكسرها تحت قدمه صائحًا ألا تستحي؟ ألا تعرف أن إزعاج الناس حرام؟
    نظرت حولي فإذا كل طفل ما زال يلهو ويلعب بصافرته ... أما صافرتي صافرة اليتيم فهي مصدر كل الإزعاج، لعبتي الأولى والوحيدة مهشمة تحت الأقدام ... أحرام علي وحلال لغيري؟ يا سبحان الله! وهويت من السماء التي كنت أحلق فيها منذ لحظات لأصطدم بقوة الأرض والظلم الذي يعيش في بعض مستنقعاتها.
    نعم حرام علي أنا وحدي فأنا اليتيم ... أنا اليتيم الذي يُنفَّس الناس فيه من أحقادهم وضغائنهم أنا اليتيم الذي يحمل وزر الآخرين، نعم أنا اليتيم الذي يجب أن يصرخ، وإذا صرخ لا يسمع؛ ما أقسى تلك القلوب التي تسعد أن تحتفل على جثث الآخرين! وما أمرّ تلك الذكريات! إنها كالعلقم، إنها كابوس جاثم على صدري تقودني إليه ذكرياتي، وما أحلى الصحوة بعد مثل هذا الحلم الكئيب!
    لقد أفقت بسعادة من شريط الذكريات المرة على صوت ولد أختي اليتيم الذي يعيش معي وهو ينادي أبي، فاندفعت إليه وحضنته بقوة وبأيد مرتجفة ومشاعر متوترة وكدت أؤلمه كثيرًا دون وعي مني حاولت أقرن روحي روحه وقلت له: نعم أنا أبوك وسوف أظل بمشيئة الله أباك.
    لقد تأملني بنظراته بسبب قسوتي في شدي له، وبكى فقلت: لا تبك على قلب يهفو لك ثم قبلته من جميع أطرافه وتذكرت قول الرسول صلى الله عليه وسلم : «أنا وكافل اليتيم كهاتين وأشار بالسبابة والوسطى»، كما سرحت في جو النبوة وتذكرت يتم الرسول الكريم  وخطاب الله له بقوله تعالى: في سورة الضحى
     أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى  ثم أفتح المذياع لأجد إمام الحرم يصلي المغرب تاليًا الآية الكريمة:
     فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ  لأقول في نفسي ما أجمل هذه المناسبة والواقع أن معظم المجتمعات تعتني ولله الحمد بهذه الفئة بصورة فردية أو عبر مؤسسات اجتماعية حكومية، أو خيرية أهلية.

    منقول من كتاب السجون المفتوحة
    ياغافلاً عن العمل
    وغره طول الأمل
    وقد مضى في غفلة حتى دنى منه الأجل
    الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل

    sigpic


  • #2
    بارك الله فيك على القصة


    تعليق


    • #3





      تعليق


      • #4
        شكرا لكي أختي

        تعليق


        • #5
          السلام عليكم ورحمة الله و بركاته.
          جزاك الله خيرا اختي قصة رائعة
          sigpic[B]"]



          اللهم ارحم أختي رحمة واسعة ،اللهم طهرها بالماء والثلج والبرد
          فراقك أختي ألامنا ولانقول إلا مايرضي ربنا "إنّا لله وإنا إليه راجعون"

          ex veer_zara

          تعليق


          • #6
            جزاك الله خيرا



            تعليق

            المتواجدون الآن 1. الأعضاء 0 والزوار 1.

            أكبر تواجد بالمنتدى كان 2,525, 26-09-2016 الساعة 21:58.

            شاركي الموضوع

            تقليص

            يعمل...
            X