الشعرة البيضاء بقلمي

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الشعرة البيضاء بقلمي




    مقدمة

    إلى من تطلع إلى هاته السطور بعين ملؤها الأمل والتشجيع، أقدم لكم هذه القصة الصغيرة، فعسى أن يلمح القارئ فيها حقيقة كانت هي التي تدفعني أن أكتب.. فكتبت.
    يخرج الإنسان إلى الدنيا فيرى بعينه جمالها وسحرها، ثم يرى السعادة والشقاء يخيمان عليها فتتمثل له السعادة كقبس من نور ويتمثل له الشقاء كظلام حالك بهيم... ينمو شيئا فشيئا كما تنمو الشجرة.. وحتى إذا ما ترعرعت وارتفعت أغصانها في الفضاء تصطدم بالزوابع والرياح، كذلك الإنسان فما أن يخرج إلى معترك الحياة حتى يصطدم بالنوائب.
    أيها الدهر، ألا تستطيع أن تنام عن الإنسان لحظة واحدة ؟ ألا تستطيع أن تسقيه كأس السرور خالصة، لا يمزجها كدر ولا يشوبها عناء ؟ إن كنت تريد أن تسلبه فلم أعطيته، كان خيرا له أن لا تعطيه حتى لا تفجعه في تلك العطية وأن تسقيه كأس السرور حتى لا يتجرع ذلك السم الذي تركته تلك الزائرة. ذوقته حلاوة الحياة خالصة، فلما ذاق مرارتها جزع وقطب كما يجزع ويقطب كل من ذاق مالا عهد له به.
    انه لا يدري لعل الله أراد به خيرا فمنحه قبل حلول أجله فرصة من الزمان يخلو فيها بنفسه ويراجع فيها فهرس أعماله، فان رأى خيرا اغتبط أو شرا استغفر. قضى الله أن يقيم في كل حين لهذا الإنسان عبرة من العبر تزعجه من رقدته وتوقظه من غفلته.
    حلت بأرجائك اليوم زائرة تضيق بها الدنيا وتعجز عن احتمالها قلل الجبال الرواسي..
    رفقا بها لا تزعجيها، ولا تحرج صدرها وضم
    جنحتيك عليها كما تضم على القلب حنايا الضلوع، وأعطف عليها عطف المرضعات على الرضيع، وارحم هذا الجلال والوقار والرأس الذي بيضته حوادث الدهور.

    الشعرة البيضاء

    اليوم تولاني الرعب ورحت أذهب يمينا ويسارا أمام المرآة، أتـقدم منها وألتصق بها ثم ابتعد عنها ثم أعود لأقترب ولا أكاد أصدق فيها حتى أجري مسرعة أغمض عيني وأنكفئ ملتاعة والدموع تتساقط..
    ما لهذه الزائرة تقتحم مملكتي وقد حسبت أنني في مأمن منها إلا الأبد، شعرة بيضاء ولم أكمل الثانية والثلاثين فكيف إذا تقدم
    بي العمر سنة أو سنتين هي اليوم فريدة وغدا لمة بيضاء.

    وجففت دموعي وخلعت ثيابي واسترخيت في فراشي. ولكن النوم لم يزر... تولاني قلق ورعب خيل إلى أن الزمن يترصد ني وأن عصاه الثقيلة تحطم شبابي. من يحميني وطأه الشديد ؟ ونهضت من فراشي واقتربت من المرآة أدقق النظر هل هي شعرة دخيلة لن يكون لها زميلات؟ أم هي طارئ غريب جاءت على غير موعد فلن تجد من السواد المحيط بها حفاوة ولا إقبالا أم تراها زائرة جاءت في موعدها وستجد ممن حولها تقبلا وإكراما ؟
    وتولاني منها غيظ شديد فنزعتها وألقيت بها في جهنم واسترحت.. أحرقتها بيدي كأنها جريمة أريد إخفائها أو خطيئة لا يطهرني منها غير النار.. وضحكت كالمجنونة هل إحراقي لها يعني أنها لم تكن أو أن مثلها لن يكون؟ ونظرت في المرآة للمرة العاشرة أو العشرين فإذا الشعر الأسود الجميل ليس فيه خطيئة وليس فيه طارئ غريب. وخيل إلي أنني أتعلق بالزمن أرجوه ألا يسير وخيل إلي أن أوقف عقارب الساعة وتأملت السماء من النافذة ورأيت القمر يتحرك والنجم ثابت وستائر النوافذ تتمايل وإذا النجمة تهتز والنور يذهب شعاعا ذات اليمين وشعاعا ذات اليسار. ودار رأسي بالغرفة أو دارت الغرفة برأسي لا شيء ثابت حولي.. لاشيء أمين أستطيع أن أطمئن إليه لا توجد حقيقة واحدة أمام عيني كل شيء زائغ في ضباب حتى السكون الذي يخيم على المكان حسبته يتحرك وينطق خيل ألي أن الزمن رمل تنزلق رجلي عنه فيدعني في بئر سحيقة.
    شعرة واحدة صنعت بي ما صنعت فكيف أكون حينما يتكاثر البياض وتصبح الشعرة مائة ومئات هل كنت في سبات عميق واستيقظت؟ ألم أكن أعرف أن السنين تمر ألم أكن أعرف أنني أكبر يوما بعد يوم وشهرا بعد شهر وسنة بعد سنة؟ هل فاجئني شيء كنت أجهله ؟ نعم خيل إلي أنني أقوى من السنين وأن شبابي وجمالي أعصى على الزمن من الزمن. وتأملت وجهي في المرآة وأخذت أمسحه خيطا خيطا فلمحت فيه بوادر خطوط رفيعة.. رفيعة جدا لا تكاد ترى ولكنها سترى بعد سنة أو سنتين.. المسألة ليست شعرة بيضاء ولكنه هذا الدبيب الخفي الكريه.. هذا الشلل المزعج يدخل من ثنايا الجلد والنفس والجسم من كل مكان هل أستطيع أن أحاصره، أحصره كلا انه عدو يهاجمني ولا أراه أنني أضرب في الهواء ولو ضللت طول العمر أضرب ما أحس العدو بضربة واحدة من الضربات الضائعة في الهواء وانتقلت من المحسوس إلى غير المحسوس، تأملت شعاع العينين وسحر الجفون ولمعان الشعر ورخامة الصوت ولو رآني أحد وأنا أقيس مالا يقاس وأنظر مالا ينظر لحسبني مجنونة.. وقد كنت مجنونة فعلا، وأنهكني طول التفكير وطول القياس وطول النظر فعدت إلى الفراش استرخى وأغمضت عيني واسترجعت شريط حياتي..
    أسرت الرجال بجمالي وشبابي وانتصرت على النساء بأناقتي ودلالي.. عذبت من أردت وأقصيت من أردت، كانوا لعبتي بل كانت الحياة كلها لعبتي ولماذا لا تكون ومعي سلاح أخضع لي العصا وأذاب أمامي الدمع ورفعني إلى ما يشبه عرش الملكة... الآن هذا السلاح يوشك أن ينثني في يدي وهذا العرش يوشك أن يهتز تحت قدمي.. هذا الإشراق يوشك أن يغيب هذه الشمس توشك أن يدركها الأفول لم أذق لذة الحب كما تحب أن تذوقها كل امرأة أثرت عليها لذة السلطان على القلوب والعقول والرؤوس، لم أسمح لنفسي أن أخضع لأحد كانت ملهماتي الكبرى أن أملأ المسرح دون أن يكون لي دور فيه كان دوري دور الأستاذ يحرك الدمى والأشخاص والأشياء كانت ثابتة كالشمس والأفلاك تدور من حولي، باهرة الضوء مثلها، لم أسمح لضوء أن يكشفني ولا لقوة أن تدنو من قوتي ... كانوا يقتاتون بالنظر إلي لا أدعهم ييأسون، كنت أطمع الجميع بي حتى إذا دنوا مني تملكتني رغبة أن أكون آلهة من يقترب منها يحترق وكان هؤلاء الأغبياء سعداء إذا نظروا، سعداء إذا احترقوا....كنت مجنونة بان أجمع حولي المعجبين.. لم أطرد أحد منهم ولم أدخل أحد في جنتي.. ظلت الجنة العذراء، كنت فتاة شاذة دون ريب والآن جاءني النذير شعرة بيضاء، شيء صغير هز العرش والصولجان.. أمس كنت في حفل ساهر والتف حولي المعجبون كالعادة يتبارون في إرضائي وأنا أوزع عليهم الآمل في ابتسامات أهفو نحوهم وأنصرف عنهم، فهل كنت أعرف أنني في هذه الليلة أبلغ القمة وان بعدها سيكون الانحدار.
    والتمعت عيني بشعاع غريب ووقفت أنظر في عيونهم كانوا حمقى أكثرهم مهابة وجلالا نظراتهم جميعا جائعة أجسادهم تحركها الشهوات حركاتهم هوجاء كل منهم يريد أن يلفت نظري ويستأثر بانتباهي... وهمس أحدهم ... أعبدك فأشرق وجهي بالرضا.. وهمس آخر ليس كمثلك في النساء، أنت ملاك وأشرق وجهي بالرضا، وهمس ثالث شيطانة أم إنسانة، وأشرق وجهي وهمس رابع أنت أقسى امرأة شهدتها في حياتي، وأشرق وجهي بالرضا، وهمس خامس دمرت حياتي وأشرق وجهي بالرضا، وهمس سادس أتمنى أن أراك، وأشرق وجهي بالرضا وهمس سابع ثروتي تحت قدميك هل تقبلين أن تتزوجيني، وأشرق وجهي بالرضا، وهمس ثامن أنت مجنونة رأيت العذاب يوم رأيتك وأشرق وجهي بالرضا. وجاء صوت من آخر القاعة وقال مالكم تجتمعون حولها إنها تشتريكم وتبيعكم ولا يتحرك نبض في قلبها وضحكت مشرقة وقلت ما أدراك لعلي أحب، قال: أنت لا تعرفين الحب.. قلت أصفه لك..
    قال: كما يصف الطبيب الدواء، يعطيه للمريض ولا يذوقه.
    وضحك الجميع ولكنهم قالو في صوت واحد أنهم يحبونني مع ذلك، وأشرق وجهي بالرضا....الآن ذهب الرضا وأفقت على الحقيقة التي حجبها عن ناظري طنين المعجبين.
    هل كانت شعرة بيضاء صغيرة تافهة تصنع بي ما صنعت؟ هل كانت تروعني كما روعتني؟ هل كانت تقفل في وجهي الأمل والرجاء كما أقفلتهما؟ أتزوج؟ ممكن وأن كنت لا أحب أحدا... فلا يهم الحب في الزواج. وعلى الرغم مني انهمرت دموعي وتذكرت.. وتمنيت لو عاد لي صوابي وأنزلني من درجة الآلهة إلى درجة العبد الذليل.. فتولاني الغرور والغرور قاتل، لم أجد واحدا يحطم الآلهة ويجعل مني امرأة تخضع له..

    انتهت
    التعديل الأخير تم بواسطة صبرزاد; الساعة 22-02-2016, 21:42.









    هدية من أختي وحبيبتي في الله أم عدلان

  • #2
    رائعة هذه القصة صراحة اي نعم فما اتفه حياتنا وما تفه الترفع على الزمن مع انه لا يرحم ولابد من مجاراته قبل ان ياخذ منا ملامح تعودنا الزهو بها
    اعجبتني تفاصيل اكتشاف الشعرة البيضاء اضحكتني صراحة لانها تفاصيل في منتهى الصدق وواصلة جدااا اااه من معالم الزمن ومن التجاعيد عندما تتكلم وتحتم علينا مراجعة كل الاوراق شكرااا لك فاح عططر قلمك بزهو هنا وللاسف لابد من يوم تعانقنا فيه وبشدة تلك البقع البيضاء فوق رؤوسنا ههههه
    دمت في الرقي





    [CENTER]


    تعليق


    • #3
      المشاركة الأصلية بواسطة فراشة بلا الوان مشاهدة المشاركة
      رائعة هذه القصة صراحة اي نعم فما اتفه حياتنا وما تفه الترفع على الزمن مع انه لا يرحم ولابد من مجاراته قبل ان ياخذ منا ملامح تعودنا الزهو بها
      اعجبتني تفاصيل اكتشاف الشعرة البيضاء اضحكتني صراحة لانها تفاصيل في منتهى الصدق وواصلة جدااا اااه من معالم الزمن ومن التجاعيد عندما تتكلم وتحتم علينا مراجعة كل الاوراق شكرااا لك فاح عططر قلمك بزهو هنا وللاسف لابد من يوم تعانقنا فيه وبشدة تلك البقع البيضاء فوق رؤوسنا ههههه
      دمت في الرقي
      شكرا لك عزيزتي فراشة بلا ألوان
      أسعدني مرورك الطيب وكلامك النبيل
      التعديل الأخير تم بواسطة صبرزاد; الساعة 22-02-2016, 21:44.









      هدية من أختي وحبيبتي في الله أم عدلان

      تعليق


      • #4
        السلام عليكم ورحمة الله

        نص مكتوب باحتراف أدبي مميز ..

        لي عودة يا سيدة الحرف للتعقيب
        ..
        ~ في طريقي...~


        [flash=http://dc05.arabsh.com/i/00758/or0gsa77b30z.swf]width=500 height=300[/flash]



        ستبقين سلطانة الكلمة و سلطانة القلوب
        * أمـــــ الصالحين ـــــــــي *





        نادية

        تعليق


        • #5
          المشاركة الأصلية بواسطة * أم نسرين * مشاهدة المشاركة
          السلام عليكم ورحمة الله

          نص مكتوب باحتراف أدبي مميز ..

          لي عودة يا سيدة الحرف للتعقيب
          ..

          وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

          ابنتي وحبيبتي أم نسرين
          شكرا جزيلا، أخجلتني والله غاليتي، هذا من ذوقك الرفيع

          جزاك الله خيرا
          على التثبيت عزيزتي



          تقبلي أحلى و
          أزكى التحيات

          التعديل الأخير تم بواسطة صبرزاد; الساعة 22-02-2016, 22:08.









          هدية من أختي وحبيبتي في الله أم عدلان

          تعليق


          • #6

            السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

            حبيبتي صبرزاد قصة ذات حبكة عالية وصياغة مميزة وأسلوب سلس

            تجبرك على قرائتها والتهام أسطرها دون كلل أو ملل

            فعلا تستحق التثبيت وشكر خاص لحبيبتي نسرين جزاها الله خيرا
            التعديل الأخير تم بواسطة صبرزاد; الساعة 22-02-2016, 22:09.




            تعليق


            • #7
              المشاركة الأصلية بواسطة شمس القران مشاهدة المشاركة

              السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

              حبيبتي صبرزاد قصة ذات حبكة عالية وصياغة مميزة وأسلوب سلس

              تجبرك على قرائتها والتهام أسطرها دون كلل أو ملل

              فعلا تستحق التثبيت وشكر خاص لحبيبتي نسرين جزاها الله خيرا
              وعليك السلام ورحمة الله وبركاته


              أهلا بك حبوبة الغالية شمس القرآن، أشرقت الأنوار وتفتحت الزهور بطلتك الباهية


              شكرا لك حبيبتي، هذا من ذوقك الجميل انه لمن دواعي سروري وشرف كبير أن تنال قصتي البسيطة إعجابكن...
              شكرا وألف شكر لك حبيبتي وشكرا للمرة الثانية والثالثة للمحبوبة أم نسرين على التثبيت
              جزاكن الله خير الجزاء عزيزاتي



              التعديل الأخير تم بواسطة صبرزاد; الساعة 22-02-2016, 22:11.









              هدية من أختي وحبيبتي في الله أم عدلان

              تعليق


              • #8
                قصة جميلة ومعبرة ترسم بالحروف ما يلج بخاطر كل من يدق ناقوس الزمن ببابه مدكرا إياه بعمره الدي يجري دون توقف. الأجمل من هدا هو طريقة تناولك لهدا الاستيقاظ من الغفلة. فقد تطرقت له بأسلوب سلس. هده القصة محبوكة بشكل جيد مما جعلها تدخل في إطار السهل الممتنع. بساطتها زادت من رونقها. لك مني أختي كل التشجيع.
                اللهمَّ إني أسألك في صلاتي ودعائي بركة تُطهر بها قلبي، وتكشف بها كربي، وتغفربها ذنبي، وتُصلح بها أمري، وتُغني بها فقري، وتُذهب بها شري، وتكشف بها همي وغمي، وتشفي بها سقمي، وتقضي بها ديني، وتجلو بها حزني، وتجمع بها شملي، وتُبيّض بها وجهي.

                تعليق


                • #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة pyramide مشاهدة المشاركة
                  قصة جميلة ومعبرة ترسم بالحروف ما يلج بخاطر كل من يدق ناقوس الزمن ببابه مدكرا إياه بعمره الدي يجري دون توقف. الأجمل من هدا هو طريقة تناولك لهدا الاستيقاظ من الغفلة. فقد تطرقت له بأسلوب سلس. هده القصة محبوكة بشكل جيد مما جعلها تدخل في إطار السهل الممتنع. بساطتها زادت من رونقها. لك مني أختي كل التشجيع.
                  أنت الأجمل يا عزيزتي بيراميد

                  هذا لطف منك أختي فهذا يدل على قلبك الطيب

                  حفظك الله عزيزتي ومتعك بالصحة والعافية









                  هدية من أختي وحبيبتي في الله أم عدلان

                  تعليق


                  • #10
                    قصة رائعة أختي صبرزاد تستحق التقييم
                    التعديل الأخير تم بواسطة صبرزاد; الساعة 22-02-2016, 22:16.

                    تعليق

                    المتواجدون الآن 1. الأعضاء 0 والزوار 1.

                    أكبر تواجد بالمنتدى كان 2,525, 26-09-2016 الساعة 21:58.

                    شاركي الموضوع

                    تقليص

                    يعمل...
                    X