إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

ليتنا لم نكبر..

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • ليتنا لم نكبر..

    في الوقت الذي توقعت فيه أن يضحك وأنا أسرد له القصة ــ أخذ يبكي بكاءا شديدا لدرجة أنني رأيت دموعه تنحدر بغزارة . . . ذلك المشهد ذكرني بقول والدي . . . إن الرجال الكبار يبكون لكن من غير دموع .

    كان ذلك الرجل السبعيني ــ أبو رأفت ــ يجلس كل يوم تحت شجرة السنديان العظيمة ، هو يكبرها ببضع سنين . . . هكذا قالت لي الحاجة سعدى ... أراه كل يوم مستلقياً على ظهره ، واضعاً يديه تحت رأسه تحت شجرته الوارفة الضلال . . . يدخن سيجارته التي أصبحت وقفاً لفمه على مر الأيام . . . الشيء الذي لفت انتباهي هو أن سكان القرية لا يقتربون منه ولا أحد يتدخل في شؤونه . . . سمعت جارتنا عائشة توصي بناتها ألا يقتربن من تلك الشجرة . . . هذا الشيء جعلني أتهيب منه قليلاً . . . وجعلني أحاول الاقتراب من غموضه أكثر وأكثر .

    أنا فضولي جداً ــ هكذا قالت أمي ــ وهي تتحدث لجارتنا عني . . . سمعتها تروي لها قصص عديدة. ..أشياء فعلتها وأشياء لم أفعلها . . . إنني كثير الأسئلة . . . وهذا الشيء جعل أمي تتنبأ لي بمستقبل عظيم . . . وتستمر أمي بسرد الحكايات التي انا بطلها بالفعل . . . فترد الجارة قائلة : " الله يعينك عليه " ثم تخفض صوتها وتتابع كأنما تهمس لنفسها . . . " فلسفة زايده " .
    تذكرت هذا المشهد وأنا أحاول كشف أسرار هذا الرجل الكهل . . . قلت في نفسي سأمر من أمامه عسى أن أكتشف شيئاً . . . لبست حذائي وأخذت عصا صغيرة أضرب بها على رجلي وأداعب بها أحجار الأرض ...اقتربت من تلك الشجرة وأنا أضرب العصا بحركة قوية علها تحرك سكونه . . . وفي نفسي أشعر برهبة قوية تجتاحني كلما اقتربت من الشجرة . . . وأنا أرمقه بطرف عيني . . . كان مستلقياً على ظهره ، تحت رأسه وساده تميل إلى اللون الأسود . . . هذا ليس لونها الأصلي . . . عرفت ذلك فيما بعد ... في يده اليمنى مسبحة لا تتحرك . . . ينظر إلى أعلى كأنما يعد أوراق الشجرة ، أصابع قدمه اليسرى تتحرك ، بدا لي إظفار بشكل قوسي يميل إلى الزرقة ، ألتفت نحوه . . . يا ولد . . . نفسي توقف تماما وبدا حلقي جاف كجذع يابس ...شردت ببصري نحو الشجرة
    شجرة كبيرة جداً كثيفة الأوراق ملتفة الأغصان . . . لمحت عشاً صغيراً في أعلى الشجرة وأخر أدنى منه قليلاً العش الأعلى مصنوع بعناية تامة ، متشابك وملتف بطريقة لفتت انتباهي . . . والآخر أشعث أغبر تتطاير منه ريش بيضاء . . . أمعنت النظر في العش لمحت بيضة صغيرة . . . يا ولد . . . يا إلهي ما زال هذا الصوت يطاردني . . . ماذا أفعل ؟ . . . هل أترك المكان فوراً . . . في اللحظة تلك تذكرت والدتي وحديثها للجارة وتذكرت والدي . . . كان يأخذني معه إلى ( المضافة ) يجلسني أمامه ويتحدث معي على مسمع من الضيوف :-
    " إيش ناوي تصير لما تكبر ؟ ! " فأرد سريعاً طيار . . . فيرد والدي ــ مزهواً بي ــ وعلى فمه ابتسامة :المهم إنك لا تركب واحد من الموجودين وخصوصاً سالم " ، يغرق الحضور في ضحكات مدوية كان أكبرها على الإطلاق ضحكة سالم التي لا يشبهها ضحكة في القرية . . . يضرب رجليه ويديه في الأرض ويظل يقهقه حتى تسيل دموعه . . . يهدأ سالم قليلاً موجهاً كلامه لي : " صدقني إذا بطير من فوقنا لأبنشر لك الطيارة " . . فيتابع الحضور ضحكاتهم كأنها انفجارات هائلة في المكان .
    ( يا ولدي تعال عندي لا تخاف ) . . . تجمدت في مكاني شعرت كأنما ماء مشعشع بالثلج يصب فوق رأسي . . .لقد قال ( يا ولدي ) وقال أيضاً ( لا تخاف ) ، شعرت بقوة تلوي عنقي نحوه وخطوت خطوات ثابتة كمن يخشى الغرق . . . أنا الآن بين يديه . . . رجل مثقل بالسنين تقرأ ذلك من تجاعيد وجهه عيناه غائرتان في رأسه . . . بقيت صامتاً . . . القلب توقف عن النبض وعروقي جامدة . . . تراءى لي وجه والدتي ووجه جارتنا وتذكرت كلمتها ( الله يعينك عليه ) . . . دعوت في قلبي أن يعينني ويعيدني سالماً .
    ـ ما اسمك يا ولدي ؟
    ـ اس . . . اسمي نصر الله .
    ـ هل تحب اسمك ؟
    ـ نعم .
    ـ لماذا ؟
    ـ لأنه مكتوب في القرآن الكريم .
    أزالت تلك الأسئلة شيئاً من الغمامة بيني وبين ذلك العجوز . . . شعرت أنني أقنعته بإجابتي ، حرك يده اليمنى ووضعها على كتفي . . . كانت يده ثقيلة جداً .
    ـ هل تذهب إلى المدرسة ؟
    ـ نعم .
    ـ ماذا ستصبح في المستقبل ؟
    ـ طيار .
    أنتفض بقوة كمن لدغته أفعى ، بدأ يرتعش ويزبد ويتمتم بكلمات لم أفهمها ، أمسك بكلتا يديه كتفي وأخذ يصرخ عالياً . . لا . . لا . . لا . . إياك أبق على الأرض لا تطير . . . لا تطير . . . لم أكد أصدق ما حدث . . . ولماذا يفعل هكذا كبر كان هائج . . . ؟
    تفلت من بين يديه مسرعاً إلى والدي أبكي وأرتجف . . . احتضنني والدي ( وسمّى عليّ) وقادني لغرفة نومي وأنا ما زلت أرتعد خوفاً ، أسرعت أمي نحوي واحتضنتني بقوة . . . شعرت باطمئنان قليلاً ورحت في سبات عميق . . . في المنام رأيته تحت شجرته ينظر إليها كمن يبحث عن شيء ويبكي بكاءًا شديداً . . . تتجمع الدموع لتشكل نهراً جارياً ، أحاول أن اقترب من ذلك النهر لكنني لم أستطع لشدة حرارته العالية . . . فجلست بجانب النهر لكنني سرعان ما تعثرت وسقطت فيه . . . صرخت صرخة عالية أيقظتني من نومي . . . حلقي جاف جداً . . . شربت قليلاً من الماء . . . والدتي تتحدث لوالدي قائلة : أخشى أن يكون الولد ذهب إلى العجوز " أبو رأفت " وحدثه قصته . . . في تلك اللحظة اقتربت من الباب مسترقاً السمع وتابعت أمي . . . لقد كان " أبو رأفت " من أفضل الرجال في القرية وأشجعهم على الإطلاق . . . تزوج من حمده وأنجبت منه ثلاثة أولاد وبنتين من أجمل أولاد القرية . . . سافر أبو رأفت للخليج ليعمل في شركة هناك وحصل على أفضل الإمتيازات خلال فترة وجيزة . . . بعدها أتصل بزوجته لتجهز الأولاد وتسافر إليه ، ودَعت حمده أهلها وجيرانها . . . . كانت امرأة من أجمل نساء القرية ، تزوجها أبو رأفت بعد خلافات مع أبناء عمها ، . . قطعت حمده تذكره لها ولأولادها وصعدت الطائرة
    تتنهد والدتي ــ كأنما تذكرت شيئاً ــ ثم تتابع . . . آه كم كان يحب طفلته الصغيرة " فرح " كان حين يعود من السفر لا يهدأ إلا عندما يراها ، يبتسم لها ؛ فتركض راميةً نفسها في حضنه . . . يقبلها كثيراً وتقبله أكثر . . . كان يشتري لها الدمى والألعاب ؛ فلا تنام إلا والدمية في حضنها . . . قبل السفر بيوم جهزت ألعابها ودميتها وذهبت إلى الحديقة . . . قطفت بعض الورود لوالدها . . . حمراء وبيضاء جميلة . . . طارت الطائرة عالياً وأخذت تشق عباب السماء وهناك حدث ما لم يكن بالحسبان . . . سقطت الطائرة في البحر ــ وأنا خلف الباب سقطت من طولي ــ وماتت حمده وأولادها . . . بعدها تغير ذلك الرجل الشهم فعاد مسرعاً إلى قريته لينظر النظرة الأخيرة على زوجته وأولاده . . . ومنذ ذلك اليوم وهو لم يبرح الشجرة . . . تقول سعدى تلك المرأة التي تقترب من عامها المئة أن أبو رأفت تعرف على حمده تحت تلك الشجرة . . . وأنجبت حمده رأفت تحت الشجرة نفسها .
    شعرت بثقل في قدميَ وأنا أحاول أن أقترب من سريري . . . بكيت تلك الليلة . . . عرفت الآن تماماً لماذا ينظر إلى الشجرة ؟ . . . . إنه يبحث عنهم بين أغصانها وتحت أوراقها . . . عرفت أيضاً لماذا ينظر إلى العشين . . العش الأعلى كان عشه قبل السفر والعش الأدنى كان عشه بعد السفر . . . أخذت الأفكار تتلاطم في رأسي ولم أنم حتى الصباح . . . في الصباح أطلقت ساقي للريح وأنا أركض باتجاه الشجرة وأصرخ عالياً . . . أقسم أني لن أطير ولن أصبح طياراً . . . اقتربت منه وأنا أردد . . . لن أطير . . . لن أصبح طياراً . . . لكن أبو رأفت ظل جامداً لا يرد . . . ومنذ ذلك اليوم وهو جامد لا يرد . . . أقسمت أنني لن أكبر ولن أصبح طياراً .








    _____


    ليتنا بقينا صغارا

المتواجدون الآن 1. الأعضاء 0 والزوار 1.

أكبر تواجد بالمنتدى كان 2,525, 26-09-2016 الساعة 21:58.

يعمل...
X