إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

فتح مكة

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • فتح مكة

    يعتبر صلح الحديبية فتحاً على مستوى الصراع بين قريش ومن معها من أهل مكة، وبين رسول الله (ص) والمسلمين معه، حيث استطاع النبي محمد (ص) أن يفرض على قريش الصلح، الذي يؤكد وصول الصراع إلى مرحلة توازن القِوى في الساحة، بعد أن كانت كفّة الميزان تميل إلى جهة قريش التي كانت تعمل على إسقاط الإسلام كله، بهزيمة المسلمين، فإذا بها ترفض دخول النبي عنوة إلى مكة للطواف بالبيت، خوفاً من سقوط هيبتها عند العرب. وبدأت تفتش عن الحل الذي يحفظ هيبتها، فكان الصلح على أساس أن يرجع المسلمون في عامهم هذا من حيث أتوا، ويأتوا إلى مكة في العام القادم، ليطوفوا بالبيت ثلاثة أيام، على أن تخرج منها قريش في تلك الفترة، مع بنودٍ أخرى، تتجمّد فيها الحرب عشر سنين، الأمر الذي يوحي بأن ميزان القوّة بدأ يميل لصالح المسلمين، خاصة وأن الرسول (ص) كان قد خطط لفتح مكة من موقع القوة، ولكن من دون اللجوء إلى الحرب..

    صلح الحديبية: الصلح الفاتح

    منع المشركون رسول الله (ص) والمسلمين معه طوال السنوات الست التي تلت الهجرة من دخول مكة حتى في الأشهر الحرم، وبقي الأمر كذلك حتى العام السادس الهجري، حيث خرج الرسول(ص) في ذي القعدة معتمراً لا يريد حرباً... واستنفر العربَ ومن حوله من أهل البوادي من الأعراب للخروج معه، فأبطأ عليه كثير من الأعراب، وخرج رسول الله (ص) بمن معه من المهاجرين والأنصار، ومن لحق به من العرب، وساق معه الهدي، وأحرم بالعمرة، ليأمن الناس من حربه، وليعلم الناس أنه خرج زائراً لهذا البيت ومعظّماً له... وهذا ما عبر عنه الرسول (ص) بقوله: "يا ويح قريش لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلّوا بيني وبين سائر العرب؟ فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوّة، فما تظن قريش، فوالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله، أو تنفرد هذه السالفة"، ثم قال: "مَنْ رجلٌ يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها؟".

    وتصدى لهذه المهمة رجلٌ من أسلم، فسلك بهم طريقاً وعراً أجرد بين شعاب، فلما خرجوا منه وقد شقّ ذلك على المسلمين وأفضوا إلى أرضٍ سهلةٍ عند منقطع الوادي، دعا رسول الله (ص) الناس أن يستغفروا الله ويتوبوا إليه، فقالوا ذلك، فقال: والله إنها لَلْحِطّة التي عُرضت على بني إسرائيل، فلم يقولوها.



    فلمَّا اطمأن رسول الله (ص)، أتاه بُدَيل بن ورقاء الخزاعي في رجالٍ من خزاعة، فكلّموه، وسأَلَوه ما الذي جاء به، فأخبرهم أنه لا يريد حرباً، وإنما جاء زائراً للبيت ومعظّماً لحرمته، ونقلت خزاعة هذا القول إلى قريش، ولكن قريشاً أقسمت بأن لا يدخلها(ص) عنوة، مخافة أن يتحدث بذلك العرب.

    كانت خزاعة بمسلمها ومشركها متحالفة مع الرسول(ص) واستمرت في مسعاها بين المسلمين وقريش ولكن قريشاً بدل أن تتعاطى بإيجابية مع الرسل تجرأت على الرسول(ص)، وحاولت قتله ولكن الأحابيش منعتهم من ذلك، فخلوا سبيله وكانت قريش قد بعثت ما بين الأربعين والخمسين رجلاً، وأمرتهم أن يُطيفوا بعسكر رسول الله (ص) ليصيبوا لهم من أصحابه أحداً، ولكنهم وقعوا في أسر المسلمين فعفا عنهم الرسول(ص) وخلَّى سبيلهم، وقد كانوا رموا في عسكر رسول الله (ص) بالحجارة والنبل.

    واستمرت بالرغم من ذلك مساعي الرسول(ص) في الدخول سلماً إلى مكة، فأرسل عثمان بن عفان إلى مكة فاحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله (ص) والمسلمين أن عثمان بن عفان قد قتل، فقال الرسول(ص) حين بلغه مقتل عثمان: "لا نبرح حتى نناجز القوم".

    فدعا رسول الله (ص) الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، ولم يتخلّف عنه أحدٌ من المسلمين، إلا الجدُّ بن قيس، أخو بني سلمة، وفي هذه الأثناء أتاه جابر بن عبد الله ليخبره أن ما شاع من مقتل "عثمان باطل"...

    ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو، أخا بني عامر بن لؤي، إلى رسول الله (ص)، في طلب الصلح وجرى التفاوض بين الطرفين أن لا يدخل مكة عنوة وأن يرجع الرسول(ص) عن مكة عامة هذا.

    وجاء في نص كتاب الصلح: " هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو، اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين، يأمن فيهن الناس، ويكفّ بعضهم عن بعض، على أنه من أتى محمداً من قريش بغير إذن وليّه ردّه عليه، ومن جاء قريشاً ممن مع محمد لم يردّوه عليه، وإن بيننا عيبة مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال، وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحبّ أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه...».

    ثم انصرف رسول الله (ص) من وجهه ذلك قافلاً إلى المدينة، حتى إذا كان بين مكة والمدينة نزلت سورة الفتح {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً} فقال رجل: يا رسول الله، أَوَفَتحٌ هو؟ قال: والذي نفس محمد بيده، إنه لفتح».

    الفتح المبين

    وقد عبَّر القرآن عن هذا الصلح بالفتح المبين في قوله تعالى:{إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً} وذلك من خلال هذه الثغرة التي فتحها الله في قلوب المشركين، ليقبلوا بالدخول مع النبي (ص) والمسلمين في صلحٍ متوازنٍ يمنح المسلمين الراحة القتالية ليتفرّغوا للإعداد والتخطيط لفتح مكة، عندما تسنح الفرصة لذلك. وهكذا انفتح للإسلام دربٌ كبيرٌ لصنع القوّة، لأن توقيع أيّة معاهدةٍ بين فريقين، يمثل اعترافاً بتعادل قوتهما، وهذا ما عكسه صلح الحديبية، الأمر الذي يدل على اعتراف قريش بالإسلام كقوّة جديدة، ما من شأنه أن يمثل الخطوة الأولى للنصر.

    منها: ـ ما ذكره في مجمع البيان ـ أن المراد به فتح مكة، وعده الله ذلك عام الحديبية عند انكفائه.

    علاقة الفتح بغفران الذنب

    وبالرّغم من أهمية هذا الفتح وإطلاق صفة المبين عليه، نجد أن الله سبحانه وتعالى قد جعل علاقةً وثيقةً بين الفتح والذنب، وذلك قوله تعالى:{لّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ}. ويندرج في هذه الفقرة سؤالان:

    الأول: ما هي علاقة الفتح بغفران الذنب، ليكون الأول تعليلاً للثاني بلحاظ ظهور «اللام» في التعليل؟

    الثاني: ما معنى غفران ذنب النبي، وهو المعصوم في أقواله وأفعاله، ثم، ما هو المعنى لغفران الذنب قبل حدوثه؟

    وقد أجيب عن ذلك بأجوبة متعددة، منها: أن الذنب ليس ذنب النبي مع الله، ولكنه ذنبه مع أهل مكة، في ما يعتقدون من أن انطلاقته في الدعوة التي أدت إلى الصراع العسكري وغير العسكري، يمثّل الذنب الكبير، باعتبارها الحركة التي قتلت الكثير من رجالهم، ودمّرت الكثير من هيبتهم. وبذلك كان الفتح، الذي بدأ بصلح الحديبية معنوياً، وانتهى بفتح مكة فعلياً، ووقف بعده النبي ليعفو عن المشركين بعد السيطرة عليهم؛ ليكون ذلك أساساً لغفرانهم لما سلف، ولما يأتي من ذنوبه بحقهم، لأن عظمة عفو النبي عنهم في ظروفه الموضوعية، تلغي كل مواقع الذنب في ماضيه ومستقبله، وبذلك تكون كلمة الفتح منسجمة مع التعليل بالمغفرة.

    أما نسبة المغفرة إلى الله، فلأنه كان السبب في ذلك كله، على نحو المجاز.

    ومنها: أن المراد ذنب أمته، باعتبار أنه يمثل قيادة الأمة التي تتحمل معنوياً مسؤولية أعمال أتباعها.

    ومنها: أن المراد ذنب أبويه آدم وحواء ببركته.

    ومنها: أن المسألة قائمة على الفرضية الطبيعية، باعتبار أنه بشر يمكن أن يخطى في المستقبل، كما كان ذلك ممكناً في الماضي، ولهذا فإن التعبير يعالج المسألة على أساس أنه لو كان الأمر كذلك لغفر الله له، لأن مثل هذا الفتح المبين الذي قام به، يمثّل العمل الأفضل الذي تسقط أمامه كل الذنوب، بحيث يكون هو الحسنة التي لا تضرّ معها سيّئة.

    وهناك وجوهٌ أخرى يرتكز بعضها على غفران ذنوب شيعة علي(ع) ما تقدم منها وما تأخّر.

    ويروي القائلون بهذا روايات عن الإمام الصادق (ع)، ولكننا لا نعتقد صحة هذه الروايات، لأنها لا تنسجم مع الأسس الفكرية الإسلامية، فإنه لا معنى للقول بما جاء في بعض هذه الروايات: «ما كان له ذنب، ولا همّ بذنب، ولكنّ الله حمله ذنوب شيعته ثم غفرها له»، أو أن «الله ضمن له أن يغفر ذنوب شيعة علي (ع) ما تقدم من ذنبهم وما تأخر»، لأنه لا معنى لتحميله تلك الذنوب، كما لا معنى لاعتبار الفتح أساساً لذلك، في الوقت الذي لم يكن فيه للشيعة أيّ وجود واقعي في المجتمع الإسلامي، وكيف يمكن للقرآن أن يتحدث عن نتيجةٍ للفتح لا تتصل به؟!

    ولكن عند التدقيق في معالجة المسألة ودراسة التعبير الذي جاء في الآية، نلاحظ أن كلَّ هذه التفاسير كانت تحاول الهروب من المعنى الظاهر فيها، يعني أنّ للنبي ذنباً متقدماً ومتأخراً، وأن الله جعل الفتح سبباً في مغفرته، لأن هذا المعنى لا يتناسب مع عصمة النبي، أو كماله، أو شخصيته النبوية التي تمثل النموذج القدوة، فقد تكون بشريته محكومة لنقاط الضعف في طبيعتها، ولكن رسالته، التي انطلقت من الوحي، لا بد من أن تمنح إنسانيته نقاط القوّة، ولا بد من أن تكون قد درست مؤهلاته التي عاشها مدة أربعين سنة قبل الرسالة، ليبني على أساسها شخصيته بالمستوى الذي لم يستطع الناس الذين عاشوا معه من أهله وأصحابه، أن يسجّلوا عليه أيّة نقطةٍ سوداء في ما يروونه عن ماضيه الشخصي، ولهذا فإن مسألة الذنب تتنافى مع هذا الماضي الطاهر المشرق الذي زاده حاضر الرسالة حركيّةً وقوّةً وإشراقاً وصفاءً...

    وعلى ضوء ذلك، فلا بد من تجاوز هذا المعنى إلى ما يختزنه من إيحاءاتٍ تتناسب مع صفاء العمق الروحي للشخصية النبوية، ولعل الأقرب إلى الجوّ أن نستوحي من المغفرة معنى الرضوان والمحبة والرحمة، باعتبار أنها تمثل نتائج المغفرة، ليكون المعنى، هو أن الله يمنحك رضوانه ومحبته، في ما يوحي به من معنى إيجابي يستلزم انتفاء المعنى السلبي، باعتبار أن الفتح، في ما يمثِّله، هو الانطلاقة التي تفتح للإسلام باب الحياة الواسع الذي يدلّ الناس على الطريق إلى الله. وقد جاهد النبي (ص) أقسى الجهاد حتى وصل إلى هذه النتيجة بتوفيق الله ورعايته، ومن هنا كان ذلك سبباً في محبة الله له التي تشمل أوّل الجهاد قبل الفتح وآخره بعد الفتح.

    ويتابع الوحي حديثه عمّا خص به الرسول(ص) من نعم تتجلى في إتمام النعم عليه، وجعله على الصراط السويّ، ونصرته وإعزازه، وذلك في قوله:{وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} بوصول النبي إلى الأرض التي بدأت حياته فيها طفلاً وشاباً، وانطلق بالدعوة فيها كهلاً، وخرج منها تحت تأثير القهر والاضطهاد، فإذا به، بعد تلك المعاناة، يرجع إليها فاتحاً بالرسالة المنفتحة على الواقع كله، حيث يبدأ عهدٌ جديدٌ حافلٌ بالازدهار، ليكون الدين كله لله وحده، وليكون نصره نهاية طبيعية لجهاده تتم به النعمة عليه، {وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُّسْتَقِيماً}، وهو الصراط الذي يبدأ بتوحيد الله، ويمتد بشريعته التي تجعل الإنسان مسؤولاً في كل أقواله وأفعاله، ولينتهي بين يدي الله في اليوم الآخر إبان موقف الحساب. وهذا هو الهدف الذي تحركت المسيرة إليه، وهذا ما هدى الله النبي إليه في وحيه ليعيش الهداية في حركته مع الناس الذين جعلهم الله حركة مسؤوليته، وهكذا ينصر الله النبي (ص) من خلال إمداده بالقوة {وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً} يؤكد القوّة التي تنحني أمامها كل مواقع التحدي الموجهة ضده، حيث يبسط الإسلام سيطرته ليكون هو القوّة الوحيدة في الجزيرة، التي تخضع لها القوة كلها هناك.

    وهكذا، كان الفتح المعنوي في الحديبية، ثم الواقعي في مكة، مفتاحاً للرضوان وللنعمة التامة، وللهداية الكاملة، وللنصر العزيز الذي يمتدُّ بالإسلام إلى الحياة كلها.

    إنزال السكينة في قلوب المؤمنين

    وبعد أن تحدَّث الله عن إتمام نعمه على المسلمين، ونصرة النبي(ص) وإعزازه، يفيد القرآن أن ذلك إنما تم في إنزال الله السكينة على قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً، وذلك في قوله تعالى:{هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ} بما تعنيه كلمة السكينة من طمأنينة وصفاء روحي يدفع النفس إلى التأمّل العميق، فإن النفس إذا عاشت الصفاء، انطلقت في أجواء التأمّل بعيداً من دون تكلّفٍ ولا تعقيدٍ. وتلك هي ألطاف الله التي يفيض بها على عباده المؤمنين الذين أخلصوا له العقيدة، وعاشوا الروحانية بين يديه، وحرّكوا العمل الصالح في خطِّ رضاه، وهذا ما يجعلهم يسيرون في حالة تكاملية تزيد من إيمانهم {لِيَزْدَادُواْ إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ} لأن الإيمان يتأتّى عن وضوح الرؤية الذي يفتح للفكر آفاق الاعتقاد به، وعن صفاء الروح الذي يملأ الوجدان بالمعاني الروحية. وبذلك كان ازدياد الوضوح في حركة التأمّل الفكري، وامتداد الصفاء في آفاق الروح، يزيدان في الإيمان ويعمّقانه، عبر ما يحدثانه من تفاعل بين الفكر والشعور، وهذا ما يدركه الوجدان، في ما يحسّه الإنسان في نفسه من تنامي الإيمان، بتنامي المعرفة والشعور الداخلي من جهة، والمعاناة الداخلية في الممارسة من جهةٍ ثانيةٍ.

    وهذه الانتصارات والإنجازات إنما تتحقق بأسبابها، إذا ما أخذ المسلمون بهذه الأسباب، {وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَواتِ وَالأرْضِ} سواء تمثلوا في الأمور المعنوية من أسباب وقوانين طبيعية أودعها الله في الأرض والسماء، وحرَّكها من أجل إقامة نظام الحياة كلها، أو بمخلوقات حيّة متحركة في السماوات والأرض، التي جعلها الله خليفة عنه في مباشرة الأمور بأسبابها العادية، وبذلك كان إنزال السكينة في قلوب المؤمنين متأتياً عن تحريك جنوده للموضع بشكلٍ دقيق، {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} فهو القويّ في عزته، الحكيم في تدبيره، الذي يحتوي الكون من مواقع العزة والحكمة، ليسير في خطِّ الثبات والإحكام، {ليُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} لأن ذلك هو الغاية التي ينتهي إليها خطَّ الإيمان في الجانب الفكري والروحي والعملي، في حركة المؤمنين والمؤمنات، لما يشتمل عليه من انفتاح على آفاق رضى الله ومواقع رحمته التي تطل على رحاب جنته، {وَيُكَفّرَ عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ} بالغفران الذي يزيل الخطايا وكأنها لم تكن، لأن الله ينظر إلى عمق الإيمان في الذات ويجعله أساساً لمغفرته {وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً}، لأن ذلك يعني السعادة الأبدية، فلا موقع للشقاء بعدها.

    وإذا كان جزاء المؤمنين الخلود في الجنّة، وتكفير السيئات عنهم، فإن جزاء المنافقين والمشركين العذاب وغضب من الله، ودخولهم جهنم جزاءً لما كسبوا، وذلك قوله تعالى:{وَيُعَذّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ} من الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإيمان، ليحوّلوا المجتمع الإسلامي إلى مجتمعٍ قلقٍ مرتبكٍ، {وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ} الذين رفضوا وحدة العبادة ووحدة الألوهية، وساروا في خط الشرك الذي يضع الأصنام الحجرية والبشرية في موقع يقرّبها من موقع الألوهية بطريقةٍ أو بأخرى، ويرون أن المصائب والبلايا ستحيق بالمؤمنين، وينظرون إليه سبحانه نظرة سلبية، وهذا قوله تعالى: {الظَّانّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْء} فلا ينظرون إلى قضية الإيمان بالله نظرة معرفة بكونه ينصر عباده ويلطف بهم ويرحمهم ويفتح لهم أكثر من نافذة للنصر والتوفيق والتسديد.

    وجزاءً لما قاموا به من خطايا وجرائم {وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمُ} فأبعدهم عن رحمته لأنهم ابتعدوا عن ساحاتها، {وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ} وهي المكان الطبيعي للمنافقين والمشركين، {وَسَآءتْ مَصِيراً} لأنها مصير سيّىء للساكنين فيها بما فيها من جحيم النار والعذاب.

    بيعة الرسول بيعة للّه

    وتأتي البيعة كموقفٍ في ساحة الصراع، لتمثل تعبيراً عن الالتزام الذاتي بتعليمات النبي والثبات معه، ليؤكد المسلم من خلالها أنه لا يكتفي بالحالة الإيمانيّة التي يعيشها بعقله وقلبه، بل يضيف إليها ميثاقاً مؤكداً يتمثل بوضع يده بيد النبي (ص)، تعبيراً عن عقد التواصل مع مسيرته، وعدم الانفصال عنه تحت تأثير أيّ ظرفٍ من الظروف.

    وهذا ما حدث في الحديبية عندما دعا رسول الله أصحابه إلى البيعة على الاستمرار معه، حتى في مواجهة قريش، عندما تحين اللحظة المناسبة لمواجهتها بالطريقة المسلَّحة، ليضمن بذلك القدرة على الضغط نفسياً على قريش، كونه جاء إليها من موقع القوّة المستمدّة من بيعة أصحابه، لا من موقع الضعف. وقد سميت باسم بيعة الرضوان، لأن الله رضي عنهم بهذه البيعة، وقد جاء في قوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ} بما تمثّله البيعة من ميثاق مؤكَّد في نصرتهم لك في موقع المواجهة للمشركين{إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ}[الفتح/10] لأنك لم تطلب ذلك منهم بصفتك الشخصية، بل بصفتك الرسالية التي تجعل من كلمتك كلمة الله، ومن الالتزام بنصرتك التزاماً بالله في نصرة رسوله، لأن طاعة الرسول هي طاعة الله، على ضوء ما ورد في الآية الكريمة: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء/80]، ما يجعل البيعة أكثر عمقاً في تأثيرها في جانب الالتزام منهم.

    ويتمثل العهد مع الرسول(ص) بأهمية كبرى وكأنه مبرم مع الله سبحانه وتعالى، ولذلك يشدد سبحانه على ضرورة الالتزام بهذا العهد، {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} فكأنه هو الذي يضع يده فوق أيديهم في ما درجت عليه صورة البيعة، {فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ} لأن البيعة ليست التزاماً في مصلحة الرسول ليكون نكثها إساءةً شخصيةً له، بل هي التزامٌ لمصلحة المسلمين في الدنيا بانتصارهم على الشرك، وفي الآخرة بالحصول على رضى الله {وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ اللَّهَ} وتحرَّك في اتجاه تحقيق مضمون العهد في موقفه وأخلص لله أمره، وحافظ في الساحة على موقعه، {فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً}[الفتح/10] لأن الالتزام بعهد الله، يمثل الإيمان القويّ الرافض لكل الإغراءات أو التحديات التي تواجه المؤمنين، ما يوحي بالإخلاص لله، والالتزام بعهده، الأمر الذي يستحقّ عليه الإنسان المؤمن الأجر العظيم.

    ويؤكد القرآن في موقع آخر من سورة الفتح بأن الله رضي عن المؤمنين الذي بايعوا في بيعة الرضوان، وأنهم عاشوا السكينة الروحية في داخلهم وحصلوا على الثواب الإلهي، بالفتح القريب الذي كانوا يتمنونه وينتظرونه، وكيف وصل المسلمون إلى مستوى من القوة كانوا فيه قادرين على هزيمة المشركين، لولا إرادة الله التي لم تجد حكمة في القتال في تلك الفترة، وذلك قوله تعالى: {لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} لأن البيعة كانت موقفاً صارخاً في وجه المشركين الذين كانوا يستغلون قدراتهم الذاتية وتحالفاتهم مع القوى الأخرى، لمنع الدعوة من التحرك بحريةٍ في ساحة الصراع، كي يبقى موقف المسلمين موقفاً خائفاً قلقاً، خاصة إذا تعلّق الأمر بمهاجمة قريش داخل مكة، التي تسيطر على كل مواقع القوّة فيها.

    لهذا كان موقف البيعة محطّ رضى الله، لأن المسلمين فيه تمرّدوا على كل عوامل الضعف، وواجهوا مواقف التحدي بروحية التضحية والشهادة، {فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} من الإخلاص والتضحية، {فَأنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ} بما أودعه فيهم من طمأنينة روحية تستمدُّ الثقة من الله، وتنفتح على مواقع لطفه ورحمته، فلم يعيشوا الشعور بالخوف والقلق، بل انطلقوا في مسيرتهم كما لو لم يكن هناك عدوٌّ أو مشكلة، {وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً}[الفتح/18]، والظاهر أن المراد به فتح خيبر الذي جاء بعد الحديبية، {وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا} وهي غنائم خيبر، كما قيل، {وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً}[الفتح/19] فإذا أراد شيئاً كان، وإذا خطَّط لشيءٍ فإن حكمته متقنة في أكثر من جانب.

    الأعراب يبررون تخلّفهم عن الفتح

    كانت واقعة الحديبية تجربةً مريرةً في المجتمع الإسلامي، ذلك أن بعض أفراده لم يستوعبوا فكر الرسالة وحركتها وتطلعاتها وأهدافها بروحية الإيمان الصادق، لأنهم دخلوه بصفته الشكلية دون امتلاك عمق المضمون الروحي المنفتح على الله، ولهذا كانوا يأخذون من انتمائهم إلى الإسلام المكاسب التي تمنحهم إياها هذه الصفة، ويبتعدون عن المسؤوليات الصعبة في مواقع الجهاد والتضحية والعطاء، كما هو شأن كثير ممن يندمجون في المجتمعات القائمة على المبادىء التغييرية، ويتجمَّدون في داخل شؤونهم الخاصة فيها، ويعملون على تجميد الحياة من حولهم، وتعطيل المبادرات الحركية في ساحتهم، ويثيرون المشاكل في الساحة العامة.

    فقد تخلّف هؤلاء عن النبي (ص) عندما استنفرهم، فلم يستجيبوا لندائه، بل حاولوا الابتعاد عن المسيرة، وكان ممّا قالوه: إن محمداً ومن معه، يذهبون إلى قوم غزوهم بالأمس في عقر دارهم فقتلوهم قتلاً ذريعاً، وإنهم لن يرجعوا من هذه السفرة، ولن ينقلبوا إلى ديارهم وأهلهم أبداً.

    وفي هذه الآيات، حديثٌ عن هؤلاء المخلَّفين من الأعراب الذين قيل إنهم من الأعراب المقيمين حول المدينة من قبائل جهينة ومزينة وغفار وأشجع وأسلم ودِئْل... وعن منطقهم التبريري في تخلّفهم عن الخروج مع النبيّ، بعد رجوعه إلى المدينة وظهور الخلل في موقفهم والضعف في إيمانهم،{سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الاْعْرَابِ شَغَلَتْنَآ أَمْوالُنَا وَأَهْلُونَا} فقد كانت لنا علاقات ماليّة معقّدة، فلنا مع الناس أموال وللناس معنا أموال، وطبيعة الأوضاع التجارية المعقدة تلك جعلتنا نخاف على أموالنا من الضياع، كما أن شؤون أهلنا كانت تتطلب منا المحافظة عليهم، والرعاية لأمورهم، لوجود الصغير والعاجز والمريض والمرأة فيهم، ممن يحتاجون إلى أولياء قادرين يدبرون أمورهم، ويحرّكون مصالحهم في خدمة حياتهم، فقد شغلنا ذلك كله عنك وعن الخروج معك، وإذا كان ذلك ذنباً يؤاخذنا الله عليه، لأن طاعتك واجبة بالمستوى الذي تتقدم فيه على كل شؤون الأهل والأموال، فإننا نعتذر إليك من ذلك، {فَاسْتَغْفِرْ لَنَا} ليغفر الله لنا.

    ويأتي التعليق القرآني على هذا القول ليكشف واقعهم النفاقي:{يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} فهم يختزنون في داخلهم التمرد على النبي وعلى أوامره في حركة الجهاد، ويفكرون بالمعصية في المستقبل، بالطريقة التي مارسوها في الماضي، ما يجعل من كلامهم كذباً ونفاقاً، فلم يكن الانشغال بالأهل والمال هو ما منعهم من إجابة نداء النبي (ص)، ولم يكن الاستغفار مطلباً حقيقياً لهم، لأنهم لا يحسّون بعقدة الذنب تجاه ما فعلوه.

    الرسول يردّ أعذار المنافقين

    هذه الأعذار لم تغن أصحابها في شيء {قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مّنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً}، فإنّ اللعبة النفاقية التي تلعبونها في مواجهة الرسول، وتصرفاتكم معه، ليست دائرتها الناس، بل ساحة الله في أوامره ونواهيه، وفي رسالة الرسول وحركته الرسالية، ما يجعل منها مسألةً خطرةً على مستوى حياتكم كلها، لأن الله هو الذي يملك الأمر كله، فماذا تفعلون إذا أراد أن ينـزل بكم الضرّ في أهلكم وأموالكم وأنفسكم، ومن ذا الذي يملك دفع ذلك عنكم؟ هل يستطيع الآخرون منع النفع الإلهي عنكم إذا أراد أن ينفعكم بنعمه وعطاياه؟ إن هذا يفرض عليكم أن تفكروا بمراقبة الله الدائمة لكم، والخوف من سطوته، والرغبة في ثوابه في الدنيا والآخرة، لتتوازن مواقفكم، ولتتركوا أمر الأعذار التي لا معنى لها، لأن الله يعلم منكم ما لا تعلمونه من أنفسكم، ويملك منكم ما لا تملكون منها {بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً}[الفتح/11] فلا تستطيعون إخفاء السرّ عنه، ولا الهروب من عقابه..

    وذلك أنكم ظننتم أن الدائرة دارت على المسلمين {بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَداً} لأنكم مهزومون في داخلكم أمام قوّة قريش في مواقعها، بالمستوى الذي كنتم تتصوّرون أنها سوف تقضي على النبي (ص) والمؤمنين، فلا يعود أحدٌ منهم إلى أهله أبداً، وهذا ما دفعكم إلى التخلف عن الخروج مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم)، لأنكم أيقنتم بالهلاك في هذا السير.

    ويصف حال المنافقين الذين زيَّن لهم الشيطان سوء عملهم وأوهمهم أن ما يتوهمونه هو الحقيقة والصواب {وَزُيّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ} من خلال التهاويل التي أثارها الشيطان في أوهامكم، حتى خيّل إليكم أن هذه الفكرة الخائفة، تمثل مستوى الحقيقة التي ترتاحون إليها، {وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْء} أن لن تنتهي المواجهة إلى نصر الله ورسوله، {وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً}[الفتح/12] أي قوماً لا حياة فيهم ولا خير، تماماً كما هي الأرض البور التي لا نبات فيها ولا خضرة ولا ثمار، لأنهم لا يعيشون حسن الظن بالله الذي يفتح القلب على مواقع القوّة وآفاق النور التي تجدد الأمل في الروح، واليقظة في العقل، والحركة في الواقع. وهذا هو الفرق بين المؤمن الذي يملأ الإيمان بالله قلبه، فينطلق إلى الحياة بروح واثقةٍ به، مطمئنةٍ إلى النصر، وبين المنافق الذي يعيش الاهتزاز الإيماني في روحه، فيعيش القلق والحيرة والخوف والاهتزاز في الموقف.

    منطق الطمع في كلام المخلَّفين

    هذه صورة أخرى من صور هؤلاء المخلّفين، عندما توحي مسيرة النبي وأصحابه في بعض معارك الحق والباطل أن هناك نصراً وغنيمةً دون أيّ خطرٍ أو خوفٍ، فنراهم، عند ذلك، متحمّسين للخروج إلى المعركة يطالبون بالانضمام إلى المجاهدين، ولكن النبيّ يرفض ذلك، لأنهم قد يُربكون الموقف بالنوايا السيئة التي تختفي وراء الكلمات، أو بالمشاعر القلقة التي يعيشونها.

    {سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ} من الأعراب {إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا} عندما تكون المعارك معارك فتح، يرزقون فيها المغانم الكثيرة التي يحصل عليها المقاتلون، {ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ} طمعاً في الحصول على الغنيمة. وقيل: إنها إشارة إلى غزوة خيبر التي شارك فيها المؤمنون الذين كانوا مع النبيّ في سفرة الحديبية، ولم يشارك فيها غيرهم، وهي الأولى بعد صلح الحديبية.

    ويكشف القرآن عن سوء نيات المخلَّفين بقوله تعالى: {يُرِيدُونَ أَن يُبَدّلُواْ كَلامَ اللَّهِ} الذي وعد أهل الحديبية أن يخصهم بغنائم خيبر بعد فتحها، كما سيجيء في قوله: {وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ} [الفتح/20]، فكأنهم يريدون أن يبدِّلوا كلام الله، ويظهروا أنه ليس دقيقاً في تحديد المستقبل، بالقول إنهم قد شاركوا في ما قال الله إن أحداً لن يشارك فيه.

    ويدحض القرآن كعادته مزاعم المخلفين يبطل منطقهم المتهافت {قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل} حيث أراد الله للنبي أن يرفض تلك الإدعاءات والمبررات، قبل أن يسألوه الخروج معه، وذلك في قوله تعالى: {فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا} لأنكم لا تريدون أن نشارككم في الغنيمة، تماماً كما هي عقلية الحاسد الذي يرى في المحسود فضلاً ليعمل على إزالته، أو يتمنى زواله، فالمسألة ليست مسألة أمر الله ونهيه، كما تقولون، بل هي مسألة حسد يبغي فيه الحاسد على المحسود.

    واعتبر القرآن أن هذا الزعم منطلق من ضيق أفقهم {بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} فهم لا ينطلقون في حديثهم وموقفهم من منطلق تفكير، ولو فكروا لرأوا أن النبي الذي يتميز بالوعي والعصمة، لا يمكن أن يمنع أحداً من الخروج معه ـ وهو صاحب الأمر في ذلك ـ بهدف منعه من الغنيمة، فالغنيمة حق المجاهدين، وهو بحاجةٍ إلى كثير منهم كي يربح المعركة، فكيف يمنع من يريدون الخروج إلى الجهاد معه، لو لم يكن هناك ضرورة في ذلك، أو خوفٌ من إساءتهم للحرب، أو أمرٌ من الله لاختصاص غيرهم بالجهاد في هذه المعركة؟!

    أجر حسن جزاء الطاعة:

    ولكن القرآن بالرغم من الاتهامات التي ساقها المخلَّفون، لا يقفل الباب نهائياً أمام هداية هؤلاء، ويبقي أمامهم الباب مفتوحاً لتصحيح موقفهم {قُل لّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرَابِ} لمن يريدون تأكيد موقفهم المخلص للَّه ولرسوله في خطِّ الجهاد، إن هناك فرصةً أخرى لإثبات إيمانهم بالمشاركة في ساحة الصراع بين الشرك والإسلام، وذلك في مواقع القتال العنيف الذي يواجه الآخرين بقوة، {سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} في ما يملكونه من الشجاعة والقوّة {تقاتلونهم أو يسلمون}، بحيث يكون إعلانهم الإسلام وسيلةً من وسائل تحييدهم عن دائرة الشرك، وإخضاعهم لسلطة الإسلام، وليفتح لهم ذلك الإسلام الشكلي باب معرفة الإسلام والاطّلاع على ما في الحياة الإسلامية من انفتاح على الحرية، ومن عدالة وغنى في التجربة، ليسلموا عن قناعةٍ وإخلاص، ويطيعوا الله والرسول(ص) في ذلك كله في الخروج مع المجاهدين وبالقتال في تلك الساحة التي جزاء المشاركة فيها الأجر الحسن، وهذا ما يتمثل في قوله تعالى:{فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً} جزاءً لطاعتكم وإخلاصكم، {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مّن قَبْلُ} وتتخاذلوا وتبرّروا الامتناع بأعذارٍ واهيةٍ كما فعلتم في سفرة الحديبية،{يُعَذّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} في الدنيا والآخرة، كما يعذّب كلّ المعاندين من المنافقين والكافرين.

    المعذورون من الجهاد:

    للجهاد شروط لجهة نوعية الأشخاص المكلّفين به، والأشخاص المعذورين فيه، فلا بد من أن يكون الشخص المجاهد قادراً على الحركة بحرية ويملك ما تحتاجه الحرب من إمكاناتٍ طبيعيةٍ، فليس من الطبيعيّ أن يكلّف بالجهاد أشخاص لا يملكون البصر أو المقدرة الجسدية على التحرك، أو على المشي باستقامة، ولكن ليس معنى ذلك أن لا يكلف أمثال هؤلاء بمهماتٍ جهاديةٍ تتوافق مع إمكاناتهم الجسدية في ما يمكن أن يعطيه العميان والمرضى والعرج من خدمات.

    {لَّيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ} لأنه لا يستطيع أن يبصر طريقه في ساحةٍ تحتاج إلى التحديق بكلِّ زواياها، وبكل الأعداء الذين يواجهونه في المعركة، {وَلاَ عَلَى الأعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ} لأنه لا يقدر على الحركة الدائبة هنا وهناك التي تحتاج إلى كل عضوٍ من أعضاء جسمه، وإلى كل جهازٍ من أجهزته، ما يجعل الخلل الصحِّي في أيّ من أعضاء الجسم مانعاً يعيق الحركة، ويمنع من الانطلاق.

    وهكذا يمكن أن يمتدَّ رفع الحرج عن كل ذوي العاهات التي تعيق قيامهم بهذا الفرض الشرعي، بحيث تجعل الجهاد أمراً شاقّاً عليهم في جميع الحالات.

    {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} في ما يفرضه الله من الجهاد وغيره {يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ} على أساس الثواب الذي أعدَّه الله للمطيعين له ولرسوله {وَمَن يَتَوَلَّ} ويعرض عن خط الطاعة {يُعَذّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً}.

    تحقق الوعد الإلهي:

    وتحقّقت الوعود بالمغانم التي وعد الله المسلمين بها {وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا} مما تحصلون عليه في معارك الإسلام المقبلة، {فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ} المغانم بحصولكم عليها في خيبر، وقد جاء التعبير بها من باب تنـزيل المستقبل منـزلة الحاضر لقرب وقوعه وتحققه، إذا كانت الآية قد نزلت مع الآيات السابقة، أمَّا إذا كانت قد نزلت بعد معركة خيبر فلا إشكال، {وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ} من أهل مكة، فلم يقاتلوكم، ذلك أن النبي عندما قصد خيبر، همّت بعض القبائل أن تُغِير على أموال المسلمين وعيالهم بالمدينة، فقذف الله في قلوبهم الرعب،{وَلِتَكُونَ آيَةً لّلْمُؤْمِنِينَ} إذ في ما يحققه الله من وعده بالغنيمة والفتح والنصر علامة من علامات الإيمان التي تقوّي ثقتهم بالله وبوعده، {وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُّسْتَقِيماً}[الفتح/20] في الخط الذي تسيرون عليه، بالانقياد إلى الله فيه، والطاعة لأوامر الرسول ونواهيه، والجهاد في سبيل الله.

    وحصل المسلمون على مغانم لم يكونوا يتوقعون الحصول عليها، ولكن الله قد جعلها بمتناول أيديهم {وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا} من الغنائم التي لا تملكون وسائل الحصول عليها، لعدم وجودها تحت متناول أيديكم، {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلّ شَىْء قَدِيراً}[الفتح/21] فلا يُنال شيءٌ إلا بقدرته التي تحتوي الأمر كله.

  • #2
    جزاك الله خيرا

    تعليق


    • #3





      تعليق

      المتواجدون الآن 1. الأعضاء 0 والزوار 1.

      أكبر تواجد بالمنتدى كان 2,525, 26-09-2016 الساعة 21:58.

      يعمل...
      X