أم العلامة المختار السوسي -رحمه الله-

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • أم العلامة المختار السوسي -رحمه الله-

    إن المتصفح للتاريخ المغربي قلما يجد مصدرا يعير اهتماما للعالمات المغربيات إلا لبعض المحظوظات اللائي عرفن بعلمهن لانتسابهن لزوج عالم أو أب علامة. في حين هناك عالمات وسياسيات وفقيهات وعابدات.. في طي النسيان لكن ولسوء حظنا وحظ المجتمع المغربي وحظ الأمة، حالت الأعراف والتقاليد الموروثة دون ذلك إلا من تكلمت منهن من خلف الجدران.
    نسبها
    هي رقية بنت محمد بن العربي بن إبراهيم بن عبد الله بن علي بن عبد الله بن يعقوب ولدت سنة 1301 هجرية وهي زوجة الشيخ علي الدرقاوى ووالدة العلامة المختار السوسي توفيت سنة 1342هـ.
    عالمة زمانها
    من حظها أنها كانت سليلة بيت علم، فقد حرص والدها العربى الأدوزى علامة منطقة جزولة في عصره، على تعليمها فأتقنت حفظ كتاب الله، ثم رأى أن يدفع بها الى الدراسة الواسعة فى ميدان العلوم لكن تزويجها المبكر حال دون ذلك.
    ويخبرنا بهذا ابنها العلامة أيضا المختار السوسي فى كتابه المعسول 3/53 بقوله : "أخبرني أستاذها سيدي احمد بن عبد الله الاجلالنى المجاطى قال: استدعاني الأستاذ سيدي محمد بن العربى سنة 1310 هجرية من المدرسة الأدوزية، فأمرني أن ألازم داره وأن أعتكف فيها على تعليم بناته وأولاده فخرجت إلى والدتك في دراعة سوداء، وفى رأس لوحتها، "يوم يفر المرء..." الآية. وقد كانت تتعلم قبل أن اتصل بها عند غيري ثم دأبت عندي حتى ختمت سبع ختمات وجودت غاية التجويد، فعوّل والدها أن يدخل بها الى طور العلوم فإذا تزويجها جاء بغتة و ذلك عند مراهقتها..".
    انقطاع نور علم.. وخيبة أمل
    هكذا انقطع حبل نور العلم الذى تلقته هذه الفذة المثابرة بزواجها المبكر وتحطمت أمنية والدها في استكمال علمها لتختفي بين الجدران ويختفي علمها معها، ومتى كان الزواج عائقا دون التعلم ونهاية لمشواره، وهي داخلة على مشروع كبير، مشروع تأسيس أسرة لا نجاح له إلا بالعلم، واستكمال نور العقل، وبه لا بغيره تكون المرأة متحركة بين ساكنين، متوهجة بين باهتين، مشمرة بين مترهلين، حية بين أموات. ولنا فى المعلم الكريم صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة والمثل الأعلى إذ يقول عليه الصلاة والسلام : "اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد" رواه البخاري رحمه الله.
    وإلى أمهات المومنين تشرئب أعناقنا في الاقتداء والاهتداء، إلى أم المومنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها، عائشة الكاملة التي اكتمل علمها بعد زواجها ولنسمعها رضي الله عنها تقول : "أدخلت على نبي الله وأنا بنت تسع جاءني نسوة وأنا ألعب على أرجوحة وأنا مجممة فهيأنني وصنعنني ثم أتين بي إليه" أخرجه أبو داود وإسناده صحيح.
    جاءت بها النسوة من فوق الأرجوحة إلى بيت النبوة!! كما أنهن زينها وقدمنها في زينة العرائس!!
    وعالمتنا السيدة رقية جيء بها من المدرسة حاملة لوحتها إلى بيت الزوجية!!
    وهكذا تستمر سيدتنا عائشة رضي الله عنها في لعبها بالعرائس اذ تقول: "دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ألعب بالبنات فقال : ما هذا يا عائشة قالت : خيل سليمان ولها أجنحة، فضحك" رواه أبو داود والنسائي رحمهما الله.
    أضحك الله سنك يا معلم الورى ويا صابرا على الشتلة حتى تصير شجرة. وأشد غيرة على دين الله منك لا يكون، وأعلم منك بروح الشريعة وحكمة الله جل وعلا لا يكون، وقد ابتليت في دعوة الأمة وأرسلت للعالمين رحمة. فبرغم واجبات زوجك الطاهرة عائشة الصديقة رضي الله عنها، ورغم أعباء النهوض بواجهات البيت وأعماله، وحقوق الزواج ومتطلباته لم تقف رضي الله عنها عن مشروع طلب العلم وبذله حتى وصفت بمعلمة الرجال.
    في حين نجدك يا عالمتنا الجليلة السيدة رقية حرمت من استكمال علمك بسبب انشغال زوجك بإرشاد العباد وتعليمهم بالليل والنهار كما يقول ابنك العلامة المختار السوسي في كتابه المعسول : "...وركبت ولوحتها معها كرمز لكونها لاتزال تتعلم وقد كان والدها ذكر ذلك لزوجها، ولكن لا يمكن ذلك له مع ما طوق به من إرشاد العباد ليل نهار"!!!
    وتستمر حياة أم المومنين عائشة بصحبتها لزوجها معلمنا ومعلمها صلى الله عليه وسلم لتصبح أعلم نساء الأمة بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم "خذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء".
    وبشهادة علماء الأمة أيضا، إذ يقول الزهري : "لو جمع علم عائشة إلى علم جميع النساء، لكان علم عائشة أفضل".
    رغم حصار الجدران
    ظلم السيدة رقية كباقي عالمات المغرب الانحطاط التاريخي وعزلها وراء الجدران، وحرمها أداء فرضها الكفائي في التعليم، لكن هذا لم يحرمها من أداء فرضها العيني في تربية أبنائها وتعليم غيرها من النساء. ولعل شهادة ابنها المختار السوسي خير دليل على ذلك حيث يقول : "أول ما أعلمه عن والدتي هذه أنها هي التي سمعت منها بادئ ذي بدء تمجيد العلم وأهله، وأكبر تلك الوجهة، وكان كلّ مناها أن تراني يوما ممن تطلعوا من تلك الثنية، وممن يداعبون الأقلام، ويناغون الدفاتر..".
    هكذا حرصت على تحفيز ابنها لطلب العلم، كما ساعدته بالدعاء متحرية أوقات الاستجابة لترى في ابنها أمنيتها التي حرمت منها وهي التبحر الواسع في ميدان العلوم. ولنسمعه يقول : "أيقظتني يوما فناولتني كأسا مملوءة ماء، فقالت: أن هذا الماء ماء زمزم الذى هو لما شرب له، وهذا سحر يوم عظيم، وهو مظنة الاستجابة، فاجرع منه وانوي في قلبك أن يرزقك الله العلم الذي أتمناه لك دائما".
    كما أن السيدة رقية دأبت أيضا على تعليم نساء إلغ -مدينة بمنطقة سوس- وتهذيب بناتها داخل بيتها يقول عنها ابنها : "وقد كانت أول معلمة من النساء في إلغ، ومهذبة البنات في دار والدي، فبها انتشر ما انتشر من ذلك فيهن".
    حقا سيدتي رقية رحمك الله... ما تبعثرت نيتك في طلب العلم وما خبا نور أمنيتك... حشرنا الله وإياك في زمرة الصادقين. آميـــــــن.
    حقا فقد أديت واجبك اتجاه أبنائك ومن حولك من النساء رغم حائل الجدران؛ جدران اللبنات وجدران العقليات. ولولاها لسرت حذو أم المومنين عائشة رضي الله عنها، وتعلم على يدك ليس النساء فقط وإنما الرجال أيضا، عائشة التقية النقية أفضل النساء وأكبر العلماء، قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: "ما أشكل علينا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث قط فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علما" رواه الترمذي بسند صحيح.
    فنعمت الأم رضي الله عنها وأرضاها، ونعمت البنت البارة السائرة على الأثر رحمها الله.
    وفاتها
    توفيت السيدة رقية بنت العربي الأدوزي سنة 1342هجرية بتزنيت وبني عليها ضريح لتصبح محلا للتبرك في سوس، تروي العجائز قصصها في زمننا لينام عليها الصبيان. وكان الأحرى أن يهتم بسيرتها لنقتبس منها مادة حية، تحيي بسيرتها قلوبا غفلا، ونفوسا جثمت على ظهرها العادة الجارفة.
    اللهم صلي على سيدنا محمد النبي وازواجه امهات المومنين وذريته واهل بيته كما صليت على ال سيدنا ابراهيم انك حميد مجيد.

  • #2
    بارك الله فيك أختي بشرى ،ياريت كل الأسر يكون لها هدف حقيقي أكيد ستصل..

    تعليق


    • #3





      تعليق

      المتواجدون الآن 1. الأعضاء 0 والزوار 1.

      أكبر تواجد بالمنتدى كان 2,525, 26-09-2016 الساعة 21:58.

      شاركي الموضوع

      تقليص

      يعمل...
      X