إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

&&بَنَان الطنطاوي؟ قتيلةُ الإسلام التي لا يعرفها أحد؟!&&

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • &&بَنَان الطنطاوي؟ قتيلةُ الإسلام التي لا يعرفها أحد؟!&&

    بسم الله الرحمان الرحيم

    بَنَان الطنطاوي؟ قتيلةُ الإسلام التي لا يعرفها أحد؟!

    (1943م - 1360هـ / 1401هـ - 1981م )


    هي أمِّي في الإسلام وأُخْتي ، وباعثة أشجاني في تلك الأيام وحُزْني !

    هي خالتي في الثبات على الحق وعمَّتي ، ومُثيرةُ أحزاني وآلامي ولوعتي !

    هي فخري في اليقين وقدوتي ، وجالبة أسقامي وآهاتي وحسْرتي !

    بالله ماذا أقول عن امرأة ضُرِبتْ بجهادها الأمثال ؟ وسارتْ بصلاحها وجميل هدْيها الأجيال ؟

    حتى صارتْ قدوةً لبنات جنسها في الدعوة إلى الله وقوْلِ الحق ، وأصبحتْ أُسْوة للجميع في اعْتلاء عرش الثبات واليقين والصدق .

    هي نزيف أكباد الموحِّدين ، ودموع عيون المؤمنين!

    هي حرقة القلب ، وفقيدة الإخلاص والحب .

    هي بائعة الدنيا بالدين ، وناشرة أعلام التضحية في ربوع المؤمنين .

    قد شاء الله لها أن يتمزَّق جسدها وهي لم تتجاوز بضعًا وثلاثين من الأعوام ! لكنه أحيا ذكرها في سالف الأوقات وغابر الأيام .

    هي بَنَان ؟ وما أدراك ما بَنَان ؟ بهجة العيون وعبير الأزمان .

    هي الفتاة العفيفة ، والمرأة الشريفة ، والسيدة المصونة ، وجوهرة الإخلاص المكنونة .

    هي ربَّةُ الآداب والأخلاق ، وتاج الفضائل ونسائم الإشراق.

    هي أُنْشودة الكمال في احتمال الأذَى وتجرُّعِ كُئوس المرار .

    هي قَصِيدُ الاتصال بيننا وبين السلف الصالح في الصبر على النكبات ومجابهة الأشرار !

    هي تلك الصابرة على شقائها وشقاء زوجها ! هي تلك المقتولة في غير أرضها، والمضرَّجةُ في دمائها ! هي هذه المدفونة في بلاد بعيدة غير بلادها !

    عاشتْ بين أهلها وكأنها عنهم غريبة ! تُراقبها سهام المنايا وهي منها حيث شاء الله قريبة .

    كانت تتبسَّم للزمان وهي لا تدري أن اسمها قد خرج في قائمة شهداء تلك الأمَّة ؟!

    وربما ضحكتْ وهي لا تعلم ماذا تُخْفيه لها غاربات الأيام المدْلَهِمَّة !


    لم تنتظر قرّة ً للعين أو سَنَدًا *** و إنما هو حتْفُ الروح تَنْتظرُ !
    لكل ميلاد أُنثى فرحةٌ و رضا *** و ما لميلادها سَعْدٌ و لا بِشَرُ!!
    هناك- والجسد الذاوي يفوح شَذَىً- *** لم يبق إلاَّ جمال الطُّهْر والظَّفَرُ
    في كل لفْتةِ حُزْنٍ نورُ موعظةٍ *** أليس في سِيرة [الأطْهار] مُدَّكَرُ ؟
    في ذمة الله يا مَنْ فاح مرقدها *** عِطْرًا، وطِبْتِ وطاب القبرُ والمدَرُ
    *******

    كانت إذا أسبل الليل رداء ظلامه على الأنام ، ورقدتْ عيون الناس تَسْبَح في بحور الأحلام ! قامت هي لإحياء الليل بالصلاة وقرآءة القرآن ، وجهرتْ بتراتيل المناجاة وتسبيح الرحمن .

    تقول عنها ابنتها هادية : ( كانت أمي - رحمها الله تعالى- تُكْثِر من قراءة القرآن، وتكثر من الدعاء، وكانت تقرأ بفهمٍ وتدبُّر، وخشوعٍ وتأثُّر، وكنّا نراها أحياناً وهي مستغرقة في تلاوة القرآن، فنرى الدموع تفيض من عينيها على خَدّيها وصدرها...)

    فآهٍ لو رأيتَها وهي غريبة الأوطان ، بعيدة المكان ، ضعيفة الأركان ، وحيدة الخِلاَّن ، وقد اقتحم بيتها جماعة من الأشرار يريدون زوجها المجاهد ليقتلوه أمام عينها!

    فآهٍ لو رأيتَهم وهم يَتَدَافعونها ، ويصرخون في وجهها ويُوبِّخُونها !

    بل آهٍ لو رأيتَها وهي ترفع عقيرتها بالاستغاثة من هؤلاء المجرمين ، ولا أحدٌ يسمع صوتها سوى رب العالمين !

    بل آهٍ لو أبصرتَها وقد أخرج بعض هؤلاء المجرمين مسدسه الناري ! وأشْهَرَه في وجهها، وهي تبكي ودموعها جامدة على خدَّها !

    فكيف لو شاهدتَها وقد أطلق عليها ذلك المجرم خمسَ رصاصاتٍ متتابعات في صدرها ونحْرها ورأسها !؟

    بالله كيف لو أبصرتَها وقد سقطتْ هامدة تفور أودية الدماء من جسمها الضعيف ! وليس هناك أحدٌ يُوقِف عنها ذلك النزيف !؟

    فكيف لو رأيتَها وقد جعل قاتلها يَطَأُ جسدها النازف بقدميه الغليظتين ! وهي تصارع الموت حتى لفظتْ حرارة أنفاسها الأخيرة ! دون أن يكون معها من يبكي عليها من أهلها في تلك الأوقات المريرة ؟!

    وما نقموا منها : إلا أنها آمنت بالله ورسوله ثم اسْتَمْسكتْ بعُرَى الإيمان ! وصَدَعتْ بما عَلِمَتْه من الحق في وجوه أهل الطغيان !

    وجاهدتْ في الله حق جهاده حتى أتاها من ربها اليقين ، و غابت عن أرض الكفاح إلا أن صورة جهادها لا تزال جاثمة في صدور المؤمنين.

    رحلتْ بنانُ تاركةً دنيا العذاب بجميع مَنْ فيها ، وغربت أحزانُ قلبها في تلك الحياة كما غربتْ شموسُ أيامها وبدورُ لياليها .

    ولقاؤنا بها – إن شاء الله – في جناتٍ ونَهَر ، في مقعد صِدْقٍ عند مليكٍ مُقتَدِر .

    اسمها ونشأتها

    تابع البقية .....




  • #2
    اسمها ونشأتها
    هي المناضلة الكبيرة ، والمجاهدة الشريفة ، والداعية العظيمة : أم أيمن بَنَان بنت الشيخ الداعية الكبير : علي الطنطاوي . المولودة عام: (1943م - 1360هـ ).

    وأبوها: هو العلامة الأديب المشهور، الذي طاف الأرض في سبيل الدعوة ، وذاع ذكره وشاع ، حتى ملأ البقاع والأسماع ، وطارتْ مقالاته في الصحف السيَّارة ، وجَّرَتْ كتبه مجرى الليل والنهار ، هذا مع الشجاعة والبسالة ، والنضال ومواصلة الأعمال . حتى قضى نحبه راضيًا عن ربه محتسبًا .

    نشأت الفتاة في بيت أبيها حيث العلم والأدب والحكمة والتربية الحسنة، فرضَعتْ أخلاق الإسلام ، ونهلتْ من معارف الشريعة ، ورفَلَتْ في حُلَل الوقار والكمال، وتربَّتْ على جميل القِيَم وشريف الخصال.

    وكان أبوها لم يُرْزق بولد ذَكَر ! بل كان رزَقه الله خمسًا من الإناث ، وكانت بَنَان هي أحبهنَّ إلى قلبه ، فكان يفرح لفرحها، وربما يغضب لغضبها !
    ما كان يستطيع أن يراها حزينة تبكي ! حتى يداعبها ويُسرِّي عنها الكآبة والحزن .

    فكانت دقَّات قلبها تدقُّ على قلب أبيها ! وزفرات أنفاسها تستمد نشاطها ما شاء الله من حنان والدها ومُرَبِّيها.
    وتمرُّ الأيام ، وتكرُّ الأعوام إلى أنْ كبرتْ الفتاة وصارتْ في أوْجِ الشباب والنُضْرة .

    وهنا يقوم أبوها بتزويجها من تلميذه الشيخ المجاهد الصابر الشاكر عصام العطار، ذلك الشاب الصالح التي كانت تربطه به علاقة قوية.
    جهادها وصبرها على البلاء


    كان زوجها عصام العطار هو المراقب العام الثاني لجماعة الإخوان المسلمين في سورية، وقد ضيّق عليه النظام السوري في أعقاب استيلاء حكومة البعث على السلطة: 8/3/1963مـ
    فكان عصام مرصودًا دائمًا من قِبَل النِّظَام السوري واللبناني في حركاته وسكناته، وكم كانوا يَطْرُقون بيته في ظلمات الليالي، ويسوقونه إلى غياهب السجون والمعتقلات !
    وكانت كل هاتيك الأحداث الجسام تدور على مَرْأىً من زوجته بنان ومسمع! فكانت تتجرَّع مع زوجها ويْلات الأيام والاضطهاد، وتكتوي بنار اللوعة التي تَفْرِي الأكباد ! وكم كانت تعيش في خوف وقلقل في كل ساعة ؟ وهي ثابتة الجأْش مقيمة على الابتهال والطاعة ، فلم تكن كغيرها من النسوة اللاتي يصرخن ويَنْدبْن ويَلْطمنَ إذا مسهنَّ السوء والبأساء ؟
    كلا ! بل كانت تضرب بجميل صبرها الأمثال ، وتتجشَّم الخوض فيما يحجم عنه كثير من الرجال ! لم تُضْعِف من عزيمة زوجها ، ولا تنكَّبتْ عن مؤازرته في محنته العصيبة البائسة ! فكانت تضمد جروحه ، وتُخَفِّف آلامه ، وتُداوي بروعة كلامها أسقامَه، وتسعى جاهدة للنهوض به إلى ما يُرضي الله والرسول في كل لحظة !
    يقول د/ أحمد البراء بن عمر الأميري في مقال له بعنوان : « المرأة التي أبكتْ الرجال» : ( في سجل ذكرياتي مواقف عديدة كان للمرأة دور البطولة فيها، وبعض هذه المواقف لا يزال حاضراً في ذهني حتى كأنه واقع اللحظة.
    منها: موقف عايشته شخصياً مع الأخت بنان بنت علي الطنطاوي -رحمها الله- بعد ما اعتقل زوجها، موقفٌ جعلني أفهم معنى المقولة الشهيرة: « وراء كل رجل عظيم امرأة عظيمة!»


    ففي عام 1964م، كنتُ طالباً في جامعة دمشق أَدْرُسُ في كُلّيتيْ الشريعة والآداب «قسم اللغة الإنجليزية» ، فذهبت لزيارة والدي الشاعر الكبير الراحل عمر بهاء الدين الأميري في بيروت التي كان يمضي فيها بعض الوقت، كان بيت الأستاذ عصام العطار –المراقب العام للإخوان المسلمين آنذاك– قريباً من البيت الذي استأجره أبي، وكانا يلتقيان دائماً.
    كان جمال عبد الناصر حاكماً لمصر آنذاك، وكانت سلطتُه وشعبيّتهُ في لبنان كبيرتين، وعِداؤه للإخوان المسلمين، وسَجْنُه لهم، وتعذيبُهم، وقتلُهم، وإعدام قياداتهم معروف. وكان للسفارة المصرية، واستخباراتها صولةٌ وجولة في لبنان، فتمَّ اعتقال والدي أمام عينيَّ، واعتقالُ الأستاذ عصام العطار في نفس الوقت.
    مكثتُ في بيروت أيامًا، كان خلالها والدي والأستاذ العطار في السّجن، وكنتُ في صحبة زوجته السيدة بنان الطنطاوي وهي من مواليد عام 1941م وكان عمرها -آنذاك- ثلاثاً وعشرين سنة، كنتُ معها طوال الوقت؛ لأنّ لنا مصلحةً واحدة؛ أذهب معها لمقابلة المحامين، وبعض الشخصيات من أجل الإفراج عن المعتقليْن.

    في خلال هذه الأيام رأيتُ من قوة شخصيّة السيدة بنان، ولباقتها، وحُسْن تصرُّفها، وحكمةِ حديثها، ما يدعو إلى الإعجاب.
    استطعنا أخذَ موعدٍ لزيارة والدي وزوجِها في السّجن لبضع دقائق.
    لم يزل المشهد ماثلاً أمام عينيّ: كنتُ أقف على يسار الأخت بنان أمام والدي، وهي أمام زوجها، وكلاهما خلف شبك الحديد داخل السجن، كان والدي يُطمئنُني ويعطيني بعض النصائح، فسمعَ وسمعتُ الأخت بنان تقول لزوجها: « يا عصام، أنا والأولاد بخير وسلامة، فلا تقلقْ علينا، كنْ قوياً كما عرفتُكَ دائماً، ولا تُرِ هؤلاء الأنذالَ من نفسك إلا القوة والصلابة واستعلاءَ الحق على الباطل.»
    فبكى أبي عندما سمع هذه الكلمات من شابةٍ في مقتبل العمر، كان قلقُ زوجها عليها وعلى أسرته، أكبر من قلقها عليه وهو في السّجن! )
    ثم قال د/ الأميري : ( وبعد خروجنا من السجن وركوب السيارة أجهشَتْ بنانُ بالبكاء ! وعلمتُ أنّها إنّما كانت تتجلّد وتتصبّر؛ لِتُري زوجها من نفسها خيرًا، ولتربط على قلبه في موقف هو أشدّ ما يكون حاجة إلى من يربط على قلبه لا من يمزّقه ...).
    قلت: فانظر إلى هذا المثال النادر من النساء في زمن الغربة الثانية !
    أيُّ قلب كان يسكن صدر تلك المرأة الشريفة ؟ وأيُّ صبرٍ وجلَدٍ وعزيمة جعلها تنتصر على شديد أحزانها ، وتكتم عزيز دموعها حتى عن زوجها !
    وكم كانت تُكاتب زوجها وهو في سجنه ومنْفاه، وتحثُّه على الثبات على الحق، وعدم الخضوع لرغبات أهل الفساد، وتُذكِّره بما أعدَّه الله للصابرين والشاكرين، وتُطْمئنه على أهله وولده ؟
    وكانت قد أرسلت إليه مرة رسالة تقول له فيها:
    « لا تحزن ولا تفكِّر فيَّ، ولا في أهلك، ولا في مالك، ولا في ولدك، ولكن فكِّر في دينك وواجبك ودعوتك؛ فإننا –والله- لا نطلب منك شيئًا يخصُّنا، وإنما نطلبك في الموقف السليم الكريم الذي يبيِّض وجهك، ويرضي ربك الكريم، يوم تقف بين يديْه حيثما كنت، وأينما كنت، أما نحن فالله معنا، ويكتب لنا الخير، وهو أعلم وأدرى سبحانه وأحكم.».
    وأرسلتْ إليه مرة أخرى رسالة تقول فيها: ( نحن لا نحتاج منك لأي شيء خاص بنا، ولا نطالبك إلا بالموقف السليم الكريم الذي يرضي الله عز وجل، وبمتابعة جهادك الخالص في سبيل الله، حيثما كنتَ وعلى أي حال كنت، واللهمعك «يا عصام» وما يكتبه الله لنا هو الخير ).
    ولمـَّا قرَّرتْ الحكومة السورية طرد زوجها من البلاد ، سافر إلى بروكسل ، وهناك أصيب عصام بالشلل ! فكان يعاني من مرارة الغربة مع عذاب المرض !
    فكانت زوجته بنان ترسل إليه الرسائل تُبشِّره فيها بجزاء الصابرين ، وتُواسيه على ما هو فيه من البلاء المبين .
    فكانت تقول له : ( لا تحزن يا عصام.. إنك إنْ عجزتَ عن السير سرتَ بأقدامنا.. وإن عجزتَ عن الكتابة كتبتَ بأيدينا.. تابع طريقك الإسلامي المستقل المميز الذي شكَّلتَه وآمنتَ به، فنحن معك على الدوام، نأكل معك ـ وإن اضطررنا ـ الخبزَ اليابس، وننام معك تحت خيمة من الخيام ! ).
    تابع البقية ....



    تعليق


    • #3
      تربيتها الصالحة لأبنائها

      ومع ما كانت تعانيه تلك المرأة من الشدائد والأهوال؛ إلا أنها لم تتوانى عن تربية أبنائها تلك التربية المستقيمة، مع تزويدهم بأصول التوحيد ، والاعتماد على الله في ما دقَّ وجلَّ، مع مراقبته في الأقوال والأفعال، وطلب الغوث منه في وقت وحال.
      تقول ابنتها هادية عصام العطار عن أمها بنان :
      ( وكانت -رحمها الله- تُعلّمني وأخي - ومَنْ لعلّه يكون معنا - الدعاءَ ونحن صغار .
      وكانت تُشعِرنا دوماً بوجود الله، وقدرة الله، وفضل الله عز وجل.
      وإذا مرضنا علَّمتنا أن نطلب -مع تناول الدواء- من الله الشفاء.
      وإذا أردنا أمراً واجباً، أو محبوباً ممكناً، علَّمتنا أن نستعين عليه - مع الجهد الضروري للحصول عليه- بالدعاء.
      وكانت تعلّمنا أنَّ الله أقربُ إلينا، وأحْنَى علينا، وأرحم بنا، وأقدر على عوننا من الآباء والأمهات وكلّ مخلوق، وأن نتوجه إلى الله في السرّاء والضرّاء وسائر الأمور قبل أن نتوجه إلى أيّ مخلوق، وأن نحبّه، ونطيعه، ونثق به، ونرضى بقضائه وقدره.. أكثر مما نحب ونطيع أيّ مخلوق..

      وهكذا عرفنا الصلة القلبية العاطفية الحميمة بالله عز وجل، مع الصلة العلمية والفكريّة، وذُقْنا حلاوة الإيمان ونداوته ودِفئه، وشعرنا في تلك الأيّام حقًّا بأنّ ربَّ الوجود أقرب إلينا من كلّ موجود....).

      قيامها بواجبات الزوجة كم أمر الله

      ومع كونها كانت الأم الفريدة في تنْشئة أبنائها، فكذلك كانت نِعْمَ الزوجة الصالحة لزوجها.

      فيقول عنها زوجها عصام العطار: ( كانت -رحمها الله- قادرة رغم حساسيتها الشديدة ، وتأثُّرِها الشديد ، بكلّ ما يعرض لنا ، أو ينـزل بنا
      قادرةً على أن تَسْتَنْبِتَ أزاهيرَ سُرورٍ في أراضي الأحزان ، وتُوَفِّرَ لنا لحظاتِ مُتَعٍ بريئةٍ في زحمة الواجبات والأعمال

      وأن تُحَوِّلَ غُرَفاً حقيرةً سَكنَّاها إلى ما هو أحلى من قصور ، وأن تجعلَ سعادةً غريبةً تسكنُ معنا وتعيش بيننا حيثُ سَكَنّا من البلدان

      وكثيراً ما شعرنا في غُرَفِنا الحقيرة بهذه السعادة الغامرة ، وبِنَشْوَةِ الاستعلاءِ على الشدائدِ والمغرياتِ في سبيل الله عزَّ وجلَّ ، فردَّدْنا أو أنشدنا - بنان وأنا وطفلانا الصغيران : هادية وأيمن - فُرادَى ومُجتمعين هذه الأبياتَ القديمة الرائعة التي كانت وما تزال تهزّنا هزّاً ،
      والتي كانت تُعَبّرُ وما تزال تُعَبّرُ عنّا وعن حالِنا وخيارِنا الجميل النبيل الأليم :


      فإن تكُنِ الأيّامُ فينا تبدلتْ *** بِبُؤْسَى ونُعْمَى والحوادثُ تفعَلُ
      فَمَا لَيّنَتْ مِنّا قناةً صَليبَةً *** وَلا ذَلَّلَتْنا لِلَّتي لَيْسَ تَجْمُلُ
      ولكنْ رَحَلْناها نُفوساً كَريمةً *** تُحَمَّلُ ما لا يُسْتطاعُ فَتَحْمِلُ

      ********

      وكانت إذا أحَسّتْ في نفسها ، أو أحَسّتْ منّي في حِوارِنا ونقاشِنا في بعض الحالاتِ النادرةِ بَوَادِرَ زَعَلٍ أو غضب؛ لم تسمح لهذا الحوار والنقاش أن يستمرَّ ويشتدّ ، وانفردتْ بنفسها ساعةً - تطولُ أو تقصر- تقرأ القرآن -كما تَعَوَّدَتْ- بقلبها وعقلها ولسانها ودموعها ... ثم تنهض أَهْدَأَ ما تكونُ حالاً ، وأرضى ما تكونُ نفساً ، وأكثرَ ما تكونُ انشراحاً ونشاطاً .. لِلّهِ هذه المرأةُ المسلمةُ ما كان أَوْثَقَ ارتباطَها بكتاب الله عزَّ وجلَّ ، كان القرآن العظيم حقيقةً لا كلاماً ولا وهماً ربيعَ قلبِها ، ونورَ صدرِها ، وجَلاءَ حُزنِها ، وذَهابَ همّها .. كان القرآن حياتها وباعِثَها ، ودليلَها وهاديها في مختلف مشاعرها ومواقفها وخطواتها ، وكان حِصْنَها الحصين ، وملجأها الأمين ، عندما كانت تُطْبِقُ علينا في بعض أيامنا الظلمات ، وتعصفُ حولَنا العواصف ، وتطرُقُ أبوابَنا المخاوفُ والمخاطر ، فلا يكونُ أحدٌ في الدنيا أكثرَ مها وهي تعتصم بالإيمانِ والقرآنِ طُمَأْنينةً وأمناً ، ولا قدرةً على الثبات والصبر ، وعلى تحدّي الطاغوتِ ولو ملأ بطغيانه الدنيا ... )

      ثم قال: ( ما أحبَّتْ زوجةٌ زوجَها أكثرَ ممّا أحبتْ بنانُ زوجَها.
      وما فهمتْ زوجةٌ زوجَها أكثرَ ممّا فهمت بنانُ زوجها .
      وما أعانت زوجةٌ زوجَها أكثرَ ممّا أعانت بنانُ زوجَها .
      وما تعبت زوجة بزوجها ، ولا ضَحّت زوجة من أجل زوجها أكثرَ ممّا تعبت وضحَّتْ بنان.
      وما شاركت زوجة زوجها في النعماء والبأساء ، والسرّاء والضرّاء ، واليُسر والعُسر ، والصحة والمرض ، والأمن والخوف ، والغربة والوطن بقلبها وفكرها وكلِّ كيانها وطاقاتها ، وآثرتْ زوجَها على نفسها في مختلف ظروفها وحالاتها أكثر من بنان .
      لقد امتزجتْ حياتُها بحياتي قَلْباً وفكراً ، ورؤيةً وأملاً ، وإرادةً وعملاً .. كان قلبي ينبضُ في صدرِها فَتُحِسُّ ما أُحِسّ ، وتطلبُ ما أطلب ؛ وكان قلبُها ينبضُ في صدري فأُحِسُّ ما تُحِسُّ وأهفوا إلى ما إليه تهفو ، فكأننا في معظم أمورِنا شخص واحد : إذا تكلمتْ -كما يعرف ذلك كلُّ من صَحبنا أو عَرَفَنا أو سَمِعَنا - فالروحُ روحي ، والنّبْرَةُ نَبْرَتي ، واللهجةُ لَهجتي ؛ وإذا كتبتْ فاللغةُ لُغتي ، والأسلوب أسلوبي ؛ فما يُفَرِّقُ بين ما أكتُبه أو تكتبه إلاّ ذَوّاقَةٌ خبير ... ).

      توجُّعها لأحوال المسلمين المعذَّبين في جَنَبَات الأرض.

      وكانت كثيرة التوجع على أحوال المسلمين هنا وهناك ، سريعة البكاء لهم ، مسارعةً بإيصال الخير لأقربهم، دائمة الدعاء بالتفريج عنهم.

      وفي ذلك يقول عنها زوجها عصام العطار : (لم تحمل في قلبها وفكرها هموم بلدها وأهلها وأخواتها وإخوتها فحسب ، بل حملت مع ذلك هموم عالمها العربيّ والإسلامي ، وهموم الإنسانية والإنسان أَنَّى كان هذا الإنسان ، وفاضت في قلبها الرحمة فشملت سائر المخلوقات ، وكم رأيتُها تبكي لمآسي ناس لا نعرفهم في بلاد لا نعرفها ، وكم سمعتها تُذكِّر في أحاديثها ودعوتها إلى تعارف الشعوب وتراحمها وتعاونها على الحق والعدل والخير ، بقول الله عزَّ وجلَّ لرسوله الكريم : ) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ( [الأنبياء : 107] وقول الرسول r : « الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمْ الرَّحْمَنُ تبارك وتعالى . ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ الرَّحِمُ ... » رواه الترمذي وأبو داود وأحمد ، وقول الله تبارك وتعالى : ) ... وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ... ( [المائدة :2 ]
      ثم يسترسل زوجها قائلا: (كانت الشهيدة الكريمة «أم أيمن» - رحمها الله- تقول: «لا يكفي أن يسمعَ الناسُ منّا عن الإسلام؛ بلْ يجب أن يَرَوْهُ فينا ويُحِسّوه ويَلْمسوه لَمْسَ الأيدي.. يجب أن يَرَوْه دَمْعَةً لاهِبَةً في أعيننا لآلام المصابين،
      ويداً حانيةً تمسح جراحاتِ المعذّبين،
      وصَرْخَةً مُدَوِّيةً في وجه الظلم والظالمين،
      وعَوْناً خالصاً على الهداية والحق والخير في متاهات الحياة ونوازل الحياة
      وأن يُحِسّوهُ حُبّاً دافِقاً يَنْسَرِبُ من القلوب إلى القلوب ومشاركةً وجدانيّةً صادقة في السرّاء والضرّاء ، ورحمةً واسعة تَسَع الإنسانيّةَ كلَّها، وتَبْلُغُ الإنسانَ حيثما كان، وتتجاوزه إلى كلّ مخلوق..
      الدعوةُ الإسلاميةُ المُثلَى ليست مجرّد كلماتٍ، ومعرفةٍ قليلة أو كثيرة، وبراعةِ فكرٍ وبيان، وطلاقةِ لسان.. ولكنّها روحٌ ينطلق من أعماق الأعماق، ويَسْري دَماً في العروق، ويَنْتَظِمُ القلبَ والعقل، والمعرفةَ والفكر، والإحساسَ والشعور، والقولَ والعمل، ويتجسّمُ في مختلف بواطنِ الحياةِ وظواهرِها ومجالاتِها المتعدّدة، فتبصرُه العيون، وتُحِسُّهُ النفوس، وتَلْمسُهُ الأيْدي، في كلّ حركةٍ من الحركات، ويومٍ من الأيام..»
      وكذلك كانت «أم أيمن» - رحمها اللهُ - إلى حدٍّ بعيد.. بعيد
      كانت الشهيدة «أم أيمن» تقول:
      « لا أستطيع أن أنام وعيونُ أخواتٍ أُخْرَياتٍ ساهراتٌ، إذا كنتُ قادرةً على أن أحملَ إليهنّ بعضَ البلْسَم، أو أُضَمِّدَ لَهُنَّ بعضَ الجراح، أو أُساعِدَهُنّ على بعض العَزاء..»
      وكم قَطَعَتْ بي -وكانت هي التي تقود سيارتنا- مِئاتٍ ومِئاتٍ من الكيلومترات، في ضوءِ النهارِ أو ظُلمةِ الليل، وبهجةِ الصَّحْوِ أو كآبةِ المطر، واعتدال الجوّ أو شدَّةِ الحرِّ والبردِ وتَساقُطِ الثلج، لِنُلَبِّيَ استغاثةَ أُخت، أو لِنَحُلَّ مشكلةَ أُسرة، أو لِنشاركَ بقلوبنا قبلَ أجسامنا وألْسِنَتِنا بعضَ أفرادِ أُسرتِنا الإسلاميّة الكبيرة في بعض الأفراح أو الأتراح.
      قلت لها مرّةً:
      « ماذا تستطيعين لفلانة؟.. لا أظنُّك تستطيعينَ لها شيئاً
      قالت لي:
      سأحاول جهدي، فإن عَجَزْتُ.. بكَيْتُ معها على الأقلّ، وشاركتُها الحزنَ والآلام، فأعانتِ الدُّموعُ الدموعَ، وخَفَّفتِ المشاركةُ لَذْعَ المصاب، ونَفّسَتْ شيئاً من كُرْبَةِ الصدرِ والقلب » )

      ثم قال السيد عصام : ( يا قارئاتِ ويا قرّاءَ هذه السطور:
      قد يُصادفُ الإنسانُ في مجرى حياته كثيرين من أصحابِ العلم والبيان والنشاط والتأثير؛ ولكن قَلَّ أن يُصادفَ مثل هذه المشاركةِ الوجدانيّةِ الحارّةِ المخلصة، وهذه المشاعرِ والعواطفِ الفيّاضةِ الصادقة، التي تسعُ برحمتها وبرِّها وعونها العدوَّ والصديق، والتي تجد ترجمتها الرائعةَ دوماً في العمل قبلَ القول، وفي عطاءٍ عَفْوِيٍّ طبيعيٍّ متّصلٍ لا ينقطع، فما كانت تملك في حياتها إلاّ الرحمةَ والبرَّ والعَطاء..
      كانت تقول:
      «كم أَسْعَدُ عندما أحمل إلى أخت حزينة شيئاً من العزاء والأمل، وأرُدُّ إليها ابتسامةَ القلبِ والشّفَتَيْنِ ، والأَسارير!
      لقد أراد الله لي أن أَسْعَدَ بسعادةِ غيري، وأشقى بشقائهم، كما أسعدُ وأشقى من خلال زوجي وأولادي وأسرتي ونفسي؛ فما أعظمَ سعادتي وأوسعَها، وما أشدَّ ما ينطوي عليه صدري من آلام الأشقياء والبؤساء»
      ثم ختم السيد عصام كلامه قائلا : ( شيءٌ غريبٌ نادرٌ هذا الذي أرويه.. أقربُ إلى الخيالِ والأحلامِ والأساطيرِ منه إلى واقع الناسِ هذه الأيام!!
      ولكن هكذا كانتْ «أمُّ أيمن» في واقعِها -رحمها الله- إلى حدّ بعيدٍ بعيد ...
      إنها حكاية واقعية بطلتها امرأة كانت تأكل الطعام.. ولها من الهموم والرغبات ما لك.. لكنها بقوة إيمانها انتصرت على الرغبات الدنيوية الدنيئة، وسارت بِخُطَىً حثيثة ثابتة في طريق الدعوة الشائك، وعبَرتْه بكل صبر ويقين، حتى فازت بالشهادة ـ نحسب ذلك ـ والله حسيبها وكفيله ).

      تابع البقية
      ....



      تعليق


      • #4
        نشاطها في الدعوة إلى الله والرسول
        وفي خضمَّ تلك المسؤليَّات العظام التي نِيْطَتْ بِعُنقها : تراها لم تتأخَّر عن ركْبِ الدعوة إلى الله ورسوله في كل مكان ترحل إليه ، وتُقبل عليه .
        فلما كان زوجها طريدًا شريدًا في عدة بلدان إلى أن استقرَّ مقامه في ألمانيا ، وهناك أصيب بالشلل وغيره من أنماط البلاء ، لم تطب للزوجة الصالحة نفسها عن أن تعيش بعيدة عن زوجها ، وهو هناك وحيد لا أهل ولا مال ! يعاني الآلام ويشاهد الأهوال !
        فلم تلبث حتى سلكتْ شتى السبل للالتحاق به هناك ، وقد أتمَّ الله لها ما أرادت ، فغادرت الديار الشامية حتى هبطت البلاد الألمانية .
        ولم تكن تدري أنها تسافر إلى أرض مصرعها ! وتنزل في تلك الديار التي سوف تجري دمائها على صفحتها !

        وهناك في مدينة ( آخن ) الألمانية قامت بنان لترفع لواء الإسلام في تلك الديار الكافرة، فأنشأتْ – بمساعدة أهل الخير - المركز الإسلامي النسائي للمسلمات، ... وظلت دائبة على نشر الإسلام من هذا المركز، حتى اهتدى على يديها جمعٌ غفير من النساء ؛ وارتفعت راية التوحيد حتى كادت أن تلمس السماء.
        وكانت قبل ذلك تكتب المقالات الإسلامية وتنشرها في الصحف والجرائد .
        وعن تلك المقالات: يقول الأستاذ محمد خير رمضان يوسف في ترجمة تلك المرأة المجاهدة : ( ولها كلمات ومقالات ورسائل ومواقف نادرة تنبئ عن بطولة وشجاعة عجيبة ، تذكرنا بمواقف بطولات النساء المجاهدات في تاريخنا الإسلامي..
        ومن مقالاتها في الدوريات مقالة : « دور المرأة في الهجرة »، في مجلة المستقبل الإسلامي العدد 190، 1418هـ - 1997م.
        وصدر لها كتاب بعنوان : « دور المرأة المسلمة ». طُبع مرتين في ألمانيا، في الدار الإسلامية للإعلام ، عام 1413هـ . وفي آخر الكتاب قصيدة في رثائها .... ) .

        قلتُ: ولها أيضًا من التصانيف :
        1- رسالة : «كلمات صغيرة»
        وهذه الرسالة لا أستطيع أن آتي على آخرها إلا وأرى دموعي تنسكب على خديَّ مدرارًا ! لعظيم حرارة كلماتها ، وصدق شعور كاتبتها ، وظهور الإخلاص بين حروفها ! ولعلي أنقل منها شيئًا
        في ختام هذا المقال إن شاء الله.
        2- رسالة: «قبسات»
        وهي رسالة بديعة كلها حكم ومواعظ وآداب .
        3- رسالة: « من أدعية القرآن الكريم»
        بتقديم ابنتها الفاضلة هادية عصام العطار .
        وتلك الرسائل الثلاث مطبوعة . وهي موجودة كلها على الشبكة.
        قصة مقتلها التي تُذِيبُ القلوب



        تعليق


        • #5
          قصة مقتلها التي تُذِيبُ القلوب

          كانت تلك المرأة تلهج دائمًا بطلب الشهادة من الله .

          فكانت تقول في بعض مناجاتها لربها :
          « في سبيلك وحدك وحدك جاهدنا وعملنا
          في سبيلك وحدك وحدك أُخْرجنا وشُرِّدنا
          في سبيلك وحدك وحدك عُودِينا وحُورِبْنا
          في سبيلك وحدك عشنا
          وفي سبيلك وحدك نعيش
          وفي سبيلك وحدك نرجو أن تكتب لنا الشهادة يا ألله »

          وكأن الله قد استجاب لها دعائها .

          فبعد رحلة طويلة من العناء والسفر ومغادرة الأوطان ، والتشريد في البلدان الأجنبية، طيلة سبعة عشر عامًا من الأحزان والآلام ، ومعاناة الغربة و تجرُّع الأحزان والأسقام ، استقرَّ المقام بالمجاهدة بنان وزوجها في مدينة ( آخن ) الألمانية ، بعد أن مَنَعتْه السلطات السورية من دخول أراضيها !

          وهناك كان قد صدرتْ الأوامر الظالمة الجائرة – من قِبَل المخابرات السورية - بتصفية جسد المجاهد الصابر عصام العطار !
          فخرج ثلاثة من المجرمين الآثمين يقتفون أَثَره في أرجاء مدينة : ( آخن ) الألمانية ، وجعلوا يبحثون عنه في كل مكان !
          وكانت السلطات الألمانية قد جاءتها الأخبار بأن هناك جماعة من الـمُسَلَّحين يتربَّصون للسيد عصام ويريدون إراقة دمه بأي وسيلة !
          فأسرعتْ تلك السلطات بتنبيه السيد عصام إلى هذا المكر الذي يكاد يحيق به وهو لا يدري ! فكانتْ تأمره بالترحال والتنقُّل عبَرَ البلدان الألمانية في كل وقت ! حتى لا تلحقه تلك الأيادي الباطشة التي لا تجد لذتها إلا في إزهاق أرواح الأبرياء !

          يقول السيد عصام العطار: ( عندما فُرِضَ عليَّ فَرْضاً مِنْ سُلُطاتٍ ألمانية ألاّ أستقرَّ في مكان ، فهناك -كما قالوا- قَتَلةٌ مُسَلَّحون يقتفون أثري ، ويريدون قتلي ، فيجب أن يتغيّر عنواني وسَكَني باستمرار .. قلت لهم :
          دعوني أُقْتَل فأنا لا أخافُ القتلَ ، ولا أرهبُ الموت ، ولا أُحَمِّلُكُم ولا أُحَمِّلُ أحداً غيري مسؤولية ما يصيبني !
          قالوا :
          إنّ وجودك في مكانٍ دائم يُهَدِّدُ حياةَ غيرك من السُّكّان وينشُرُ القلقَ والفزع في الشارع الذي تسكن فيه ، ويصنع كذا وكذا وكذا من الأخطار والأضرار ، فلا بدّ لك -كما طلبنا - من تغيير عنوانك وسكنك باستمرار!
          وجمعتُ أوراقاً مهمةً لي ، أثيرةً عندي ، ومن أهمّها رسائل أم أيمن القديمة والحديثة ، ووضعتُها مع المصحف الشريف في حقيبة خاصّة ، وأسلمت نفسي لقضاء الله وقدره . سَنَةٌ ونصفُ السنة ، لا يكادُ يستقرُّ جنبي في بلد أو سَكَن حتى يُقالَ لي : إرحلْ فقد عُرِفَ مكانك! إرحلْ .. إرحلْ .. إرحلْ وفي هذا الرحيل المتواصل في الصيف وفي الشتاء ، وفي الربيع والخريف ، بين مدنٍ وقُرىً ، وفنادقَ ومنازلَ منقطعة عن العمران ، يباعد بعضَها عن بعضٍ أحياناً مئاتُ الكيلومترات ، وأنا مُتعَبٌ مُرْهَقٌ مَريضٌ مَريض ... ).

          قلت: وكان السيد عصام في هذه الأوقات يترك زوجته : ( بنان ) وحيدة في بيتها ! غريبة في غير أوطانها ! يتألَّم قلبها في لحظة ! وينزف كبدها في كل ساعة ! وهي لا تفتأ أبدًا عن قراءة كتاب الله ، والاستغاثة به في كشف تلك النكبات التي أُصِيبتْ بها وزوجها.
          وكان السيد عصام يتفقد أخبارها حسبما تيسَّر له ذلك عن طريق المراسلة ونحوها.
          لكنه لم يكن يخطر على باله وبال مؤمن : أن هؤلاء المجرمين الذين يتعقبونه إذا لم يعثروا عليه في بيت زوجته ، فإنهم سوف يشفون غيظهم بتصْفية جسد زوجته بنان ! تلك المرأة الضعيفة الوحيدة دون أن يكون لها ناصر سوى رب العالمين وحده.


          وحدث ما لم يكن في حُسْبان أحد إلا حُسْبان الشيطان !

          تابع البقية ...



          تعليق


          • #6
            ففي يوم الخميس :( 17/3/1981مـ) الموافق لعام ألف وأربعمائة وواحد للهجرة النبوية: (1401هـ )

            جاء موعد السماء مع الأم المجاهدة ، والداعية الراشدة : ( بَنَان الطنطاوي ).
            فقد جاءت الأخبار المشئومة إلى هؤلاء المجرمين بأن عصام العطار ربما كان مختبأً في بيت زوجته ( بنان الطنطاوي) .
            فأسرع هؤلاء السفَّاكون للدماء إلى ذلك البيت المتواضع الواقع في شارع « هِرِسْتالَر » الذي تقيم فيه بنان وحيدة بلا أهل ولا زوج !
            وقاموا باقتحام منزل جارتها المسكينة، وأجبروها على الاتصال هاتفيًا بالمجاهدة بنان ، تخبرها أنها آتية إليها لتجالسها بعض الوقت، وتُؤانسها وحْدتها !
            وسَرَعَان ما سمعَتْ بنانُ دقَّاتِ الباب تضرب في سمعها، فقامت كي تفتح الباب وتستقبل جارتها ، ولم تكن تعلم أن الموت ينتظرها خلف هذا الباب ، وأن الوعد الحق إذا نزل فُتِّحَتْ له الأبواب !
            ولم تكن تدري أن جنات الخلد قد ازَّيَّنَتْ لها – إن شاء الله – وتعطَّرتْ.وأن شموع الأفراح قد أُوقِدَتْ ، وشموس الأنوار قد أشرقتْ ، وأن الصبايا الحور قد حضرن لزفاف العروس وهم في صفوف، وجاءت لتصعد بروحها الطاهرة إلى معارج السماء وهي بها تطوف. وأن ملائكة الرحمن قد أعدَّت موكبًا – إن شاء الله – لاسْتقبالها عندهم هناك؟
            وما أدراك ما هناك ؟ حيث ما لا عينٌ رأتْ ! ولا أذنٌ سمعتْ ! ولا خَطَر على قلب بَشَر !

            نعم: قد آنَ للجسد الضعيف أن يستريح ، ويسْكنَ منه ذلك القلب الجريح !

            نعم: قد آن الآوان لأن تتوقف تلك الدموع ، ويطمئن ذلك الفؤاد الموجوع !

            وهنا: جاء ميقات الأجل المحدود، ودقَّت ساعات ذلك اليوم الموعود المشهود. وقامت المجاهدة بنان بكشف ما بينها وبين راحة قلبها من الحجاب ، وفتحت بيدها مغاليق الباب ، فهجم عليها أولئك الأنْذال الأرْذال ! وقلبوا البيت رأسًا على عقِبَ في الحال ؛ بحثًا عن زوجها عصام ليقتلوه أمام عين امرأته التي لا تجد لها من دون الله موئلا ولا ناصرًا !
            ولـمَّا لم يجد هؤلاء القَتَلة عِصَامهم ! عمدوا بأيديهم إلى تمزيق بَنَانِهم !
            وأحاطوا بالمرأة الضعيفة وقد أسدلوا عليها أستار الأحقاد ! وغفلوا عن أنَّ عين الله تراقب أمثالهم من ظالمي العباد !
            ثم تقدم إليها أشقى القوم ، وشَهَر مسدسه في وجه المرأة الوحيدة وهي تنظر إليه نظرة المظلوم إلى ظالمه ، والمقتول إلى قاتله !
            وكأنها تقول له:
            ما ذنبي حتى يُرَاق دمي ؟
            وما جريمتي حتى تستبيحون حُرْمتي ؟
            وما هي جنايتي حتى تطأونَ رقبَتي ؟
            وما هي جريرتي حتى تُيَتِّمُونَ ابني وابنتي ؟
            وما هو جُرْمي حتى تُثْكِلُونَ أبي وأُمِّي ؟
            وما هو سوء عملي حتى تذبحونَ بقتْلِي قلْبَ زوجي ؟
            لكن تلك النظرات التي تعصر قلوب أهل الإيمان ، لم تكن بالتي تستطيع التأثير على أبناء الشيطان ومنْبع الظلم والطغيان !
            وهنا : أطلق هذا المجرم الأثيم خمسَ طلقات متتابعات على جسد تلك المرأة المجاهدة .
            فاخْتَرَقَتْ بعض الطلقات: وجهها الأسيل الجميل ، ذلك الوجه الذي كانت دموع عينيه كثيرًا ما تتساقط على خدوده من خشية الله ، وحزنًا على المسلمين المضطهدين المعذَّبين هنا وهناك. ذلك الوجه الذي ما كان ينحني إلا لله وحده . ذلك الوجه الذي كانت تَتَراءى على قَسَمَاته أنوار السماحة والرحمة في أسمى معانيها.

            واخْتَرَقَتْ بعض الطلقات:جَنْبها وما تحت إبطها ، ذلك الإبط الشريف الذي طالما تأبَّطَ المعونات والحوائج إلى تلك الأُسَر البائسة التي لا عائل لها ! وذلك الجنْب الرقيق الذي كان يتجَافَى عن المضاجع والناس نيام في سُبَاتٍ عميق !

            واخْتَرَقتْ بعض الطلقات:صدرَها الحنون الحزين ، ذلك الصدر الذي كانت تشتعل فيه دائمًا نيران الحسْرة على المشرَّدين والمطاردين هنا وهناك من أبناء المسلمين ، ذلك الصدر الذي كان قلْبه ينزف كل يوم على أحوال الموحِّدين . ذلك الصدر الذي كان يحتمَّل عظيم الأسَى والحزن ابتغاء مرضات الله وحده ، ذلك الصدر الذي ما كان يَئِنُّ ويشتكي إلا إلى خالقه .

            وبعد أن فرغ هذا القاتل الأجير من إنفاذ طلقات مسدسه في جسد ضحيته المغْتَرِبة الوحيدة ، وشاهدها وهي تسقط أمامه والدماء تفور منها كما يفور ماء القِدْرِ إذا أوْقَدتَّ عليه النار ! لم يكْفِه ما اقترفتْه يداه مما لا تغسله مياه الأنهار ! فقام يطَأُ ويدوس على قتيلة الإسلام بقدميه شديدًا ! كأنه يظن نفسه يطأُ كلَّ جسد باع نفسه لله ! وبذل مُهْجته ابتغاء مرضات الإله .

            وما زال هذا القاتل الأثيم يطأ جسد القتيلة المظلومة حتى فاضت روحها الطاهرة إلى بارئها تشتكي له ظلم عباده لها ولزوجها ! وتُخْبره – وهو أعلم – بقصة آلامها وأحزانها .



            ولو قيل لي الآن: ماذا تشْتهي ؟ لقلتُ مِنْ فَوْري: أشْتَهي - لو كنتُ في مدينة ( آخن ) الألمانية - أنْ آتي مقبرة « هُلْس » وأبحث عن قبر تلك المرأة الشريفة كي أدعو الله لها ، وأقوم على جَدَثِها باسْتذكار صبرها وجهادها ، ثم أقف على رأسها أبْكي حتى تَبِلَّ دموعي ما انتهتْ إليه من جسدي ، وأجد حرارتها ما بين قلبي وصدري .

            ليتتي كنت مع هؤلاء القوم الذين حملوا جنازتها على أعناقهم في يوم مشهود في قلب مدينة ( آخن ) الألمانية.





            لقد كان نبأ مقتلها عظيم الوقْع على المؤمنين في تلك الأوقات ، وقد سارتْ به الصحف السيَّارة ، وتناقلتْه الوكالات والمجلات والجرائد.
            حتى قام الشيخ عبد الحميد كشك المصري – وقد كان واعظ الدنيا في عصره – بإلقاء خطبة حزينة على آلالاف الناس ، يذكر فيها خبر تلك المرأة المجاهدة التي اغتالتْها أيادي الغدر والظلم والعدوان .
            وعلى هذا الرابط: تجد طرفًا من خطبة الشيخ كشك، يرحمه الله .
            قصة مقتل بنان الطنطاوي

            ولقد وقع الوجوم والاكتئاب على وجوه صالحي العباد في تلك الأيام ، وحزنوا وبكوا على القتيلة المظلومة كأنها كانت بعض أقاربهم أو مَنْ يعرفون ؟
            وإذا كانت أشجاني وأشجان غيري على تلك المرأة التي لم يروها ! ولم يعاشروها ! فضلا عن أن تكون لهم بها صلة الأرحام !هي بعض ما ذكرتُ لك !

            فيا تُرى كيف كان حال أبيها عليها ؟ وهي التي كانت ريحانة حياته ، وزهرة أوقاته ، ونسمات إحساسه ومعانيه ، وشمس أيامه وقمر لياليه ؟

            تابع البقية ...



            تعليق


            • #7
              لعلي أنقل لكم الآن كلام أبيها وهو يقص نبأ مقتله بمقتلها ، ويحكي خبر مصرعه بمصرعها !
              قال في كتابه
              ( ذكريات علي الطنطاوي ) :
              ( ابنتي بنان رحمها الله, وهذه أول مرة أذكر فيها اسمها, أذكره والدّمع يملأ عيني, والخفقان يعصف بقلبي, أذكره أول مرة بلساني و ما غاب عن ذهني لحظة، و لا صورتها عن جناني.
              أفتُنْكرون عليّ أن أجد في كل مأتم مأتمها! وفي كل خبر وفاة وفاتها ؟
              وإذا كان كل شَجِىٌ يُثير شجاه لأخيه، أفلا يثير شجاي لبِنْتي ؟
              إن كل أب يحب أولاده، ولكن ما رأيت ، لا والله ما رأيت من يحب بناته مثل حُبِّي بناتي...
              ما صدَّقتُ إلى الآن وقد مرَّ على استشهادها أربع سنوات ونصف السنة – الآن يقصد عام 1404 هـ - وأنا لا أصدِّق بعقلي الباطن أنها ماتت!
              إنني أغفل أحيانا فأظن إنْ رنَّ جرس الهاتف، أنها ستُعْلِمُني على عادتها بأنها بخير؛ لأطمئن عليها، تكلِّمُني مستعجلة، تُرصِّفُ ألفاظها رصْفاً، مستعجلة دائما!
              كأنها تحس أن الرَّدَى لن يُبْطئ عنها، وأن هذا المجرم ! هذا النذل .... ! هذا ....... !
              يا أسفي ، فاللغة العربية على سعتها تضيق باللفظ الذي يطلق على مثله، ذلك لأنها لغة قوم لا يفقدون الشرف حتى عند الإجرام، إن في اللغة العربية كلمات النذالة والخسة والدناءة، وأمثالها.
              ولكن هذه كلها لا تصل في الهبوط إلى حيث نزل هذا الذي هدّد الجارة بالمسدس، حتى طرقتْ عليها الباب؛ لتطمئن فتفتح لها ، ثم اقتحم عليها ! على امرأة وحيدة في دارها! فضربها ضرب الجبان!
              والجبان إذا ضرب أوجع ، أطلق عليها خمس رصاصات ! تلقَّتْها في صدرها وفي وجهها ، ما هربت حتى تقع- يعني الرصاصات - في ظهرها !كأن فيها بقية من أعراق أجدادها الذين كانوا يقولون :
              ولَسْنا على الأَعقابِ تَدْمَى كُلُومُنا * * * ولكن على أَعقابنا يَقْطُرُ الدَّمُ
              ثم داس الـ ....! لا أدري والله بم أصفه ؟ إن قلتُ المجرم، فمِنَ المجرمين من فيه بقية من مروءة تمنعه من أن يدوس بقدميه النجِستين على التي قتلها ظلمًا؛ ليتوثَّق من موتها ! ولكنه فعل ذلك كما أوصاه مَنْ بعث به لاغتيالها ؟؟
              دعس عليها برجليه؛ ليتأكد من نجاح مهمته ! قطع الله يديه ورجليه، لا !!
              بل أدَعُه وأدع من بعث به لله ... لعذابه ... لانتقامه ... ولعذاب الآخرة أشد من كل عذاب يخطر على قلوب البشر ...
              لقد كلَّمْتُها قبل الحادث بساعة واحد !
              قلتُ :أين عصام ؟ - يقصد عصام العطار زوجها – قالت :« خَبَّرُوه – يعني السلطات الألمانية - بأن المجرمين يريدون اغتياله، وأبعدوه عن البيت ، قلت: وكيف تبقين وحدكِ ؟ قالت : بابا لا تشغل بالك بي، أنا بخير
              ثِقْ والله يا بابا أنني بخير ، إن الباب لا يُفْتَح إلا إنْ فتحتُه أنا ، ولا أفتح إلا إنْ عرفتُ من الطارق وسمعتُ صوته ، إنْ هنا تجهيزات كهربائية تضمن لي السلامة ،والمسلِّم هو الله .
              ما خطر على بالها أن هذا الوحش ، هذا الشيطان ! سيُهدِّد جارتها بمسدسه حتى تكلمها هي ، فتطمئن ، فتفتح لها الباب .
              ومرّت الساعة ... فقرع جرس الهاتف ... وسمِعْتُ من يقول : كَلِّمْ وزارة الخارجية ... قلتُ: نعم.
              فكلَّمني رجل أحسسْتُ أنه يتلعثم ويتردَّد ، كأنه كُلِّف بما تعجز عن الإدْلاء به بُلَغاء الرجال ، بأن يخبرني ... كيف يخبرني ؟؟
              ثم قال : ما عندك أحدٌ أكلِّمه ؟ وكان عندي أخي . فكلّمه ، وسمع ما يقول ورأيته قد ارتاع مما سمع ، وحار ماذا يقول لي ؟
              وأحسست أن المكالمة من ألمانيا ، فسألته : هل أصاب عصاماً شيء ؟؟ قال : لا ، ولكن .... قلت : ولكن ماذا ؟؟ قال : بَنَان ، قلت : مالها ؟؟ قال ، وبسط يديه بسط اليائس الذي لم يبق في يده شيء!....
              وفهمتُ وأحسستُ كأنَّ سكيناً قد غُرِس في قلبي ،ولكني تجلَّدتُ وقلتُ هادئاً هدوءاً ظاهرياً ، والنار تضطرم في صدري : حدِّثْني بالتفصيل بكل ما سمعتَ. فحدَّثَني ...
              وثِقوا أني مهما أُوتِيتُ من طلاقة اللسان ، ومن نفاذ البيان ، لن أصف لكم ماذا فعل بي هذا الذي سمعتُ ....
              كنت أحسبني جَلْداً صبوراً ، أَثْبُتُ للأحداث أو أواجه المصائب ، فرأيت أني لست في شيء من الجلادة ولا من الصبر ولا من الثبات...... !!
              و انتشر في الناس الخبر، و لمستُ فيهم العطف و الحب و المواساة...
              ووصلتْني برقيَّات تُواسيني، و إنها لـَمِنَّة ممن بعث بها وممن كتب، يعجز لسان الشكر عن وفاء حقها .
              ولكني سكت ! فلم أشكرها و لم أذكرها, لأن المصيبة عَقَلَتْ لساني, وهدَّتْ أركاني، و أضاعت عليّ سبيل الفكر!
              فعذرًا و شكرًا لاصحاب البرقيات و الرسائل.....
              صحيح أنه:
              ولا بدّ من شكوى إلى ذي مروءة * * * يُواسيك أو يُسْلِيك أو يتوجَّعُ
              ولكن لا مواساة في الموت, والسَّلْو مُخَدَّرٌ أثَرُه سريع الزوال.
              والتّوجع يُشْكر ولكن لا ينفع شيئا!!
              وأغلقت عليّ بابي، وكلما سألوا عني ابْتَغى أهلي المعاذير,يصرفونهم عن المجيء, ومجيئهم فضل منهم, و لكني لم أكن أستطيع أن أتكلم في الموضوع.
              لم أرِدْ أن تكون مصيبتي مضغة الأهواء, ولا مجالا لإظهار البيان, إنها
              مصيبتي وحدي، فدعوني أتجرَّعها وحدي على مَهَلٍ.
              ثم فتحتُ بابي, وجعلت أُكلِّم مَنْ جاءني, جاءني كثير ممن أعرفه ويعرفني وممن يعرفني ولاأعرفه ؟
              وجعلت أتكلم في كل موضوع إلا الموضوع الذي جاؤوا من أجله! واستبقيتُ أحزاني لي, و حدَّثْتُهم كل حديث، حتى لقد أوردتُ نُكَتًا - يعني فوائد- ونوادر!!!
              أتحسبون ذلك من شذوذ الأدباء ؟ أم من المخالفات التي يريد أصحابها أن يُعْرَفوا بها؟
              لا والله، ولكن الأمر ما قلتُ لكم.
              كنتُ أضحك، وأضْحِك القوم! وقلبي وكل خلية في جسدي تبكي!!
              فما كل ضاحك مسرور:
              لا تحسبوا أن رقصي بينكم طربا * * * فالطير يرقص مذبوحا من الألم!!
              إني لأتصوّر الآن حياتها كلها مرحلة مرحلة, و يوما يوما، تمر أمامي
              متعاقبة كأنها شريط أراه بعيني.
              لقد ذكرتُ مولدها، وكانت ثانية بناتي, ولقد كنتُ أتمنّى أن يكون - يعني أول أولاده - ذَكَرًا !
              وقد أعددتُ له أحلى الأسماء!
              ما خطر على بالي أن يكون أنثى!
              وسمَّيْتُها عنان – هي بنته الكبرى - وولِدَتْ بعدها بسنتين بنان .
              اللهم ارحمها .وهذه أول مرة أو الثانية التي أقول فيها: اللهم ارحمها!!
              وإني لأرجوا الرحمة لها، ولكني لا أستطيع أن أتصوَّر موتها!!
              ولـمَّا صار عمرها أربع سنوات ونصف السنة أصرَّتْ على أنْ تذهب إلى المدرسة مع أختها, فسعيتُ أن تُقْبَل من غير تسجل رسميًّا.
              فلما كان يوم الامتحان ووزِّعتْ عَلَماتها المدرسية، وقد كتب لها ظاهريا لتسرَّ بها ولم تسجِّل عليها.
              قلت هيه؟ ماذا حدث؟
              فقفَزَتْ مبتهجة مسرورة، وقالت بلهجتها السريعة الكلمات, متلاحقة الألفاظ:
              بابا : كلها أصفار أصفار أصفار!!
              تحسب الأصفار هي خير ما يُنَال؟!
              وماذا يهم الآن بعدما فارقت الدنيا أكانت أصفارًا أم كانت عشرات ؟
              وماذا ينفع المسافر الذي ودَّع بيته إلى غير عودة, وخلَّف متاعه وأثاثه؟
              ماذا ينفع طراز فرش البيت ولونه وشكله ؟ ... ).

              وكتب زوجها المجاهد عصام العطار يقول:
              ( وقد بلغت محبّة علي الطنطاوي لي، وثقته بي، وبلغت أُخُوَّتنا وصداقتنا ذروتها العالية عندما اختارني زوجًا لابنته: بنان، وتجاوزَتْ هذه الأخُوّةُ والصّداقةُ كل ذروة من الذُّرَى عندما استشهدت بنان الحبيبة في: 17/03/1981م ، في مدينة : ( آخن ) في ألمانيا.
              فالتقتْ منه ومني إلى الأبد: جراحٌ بجراح، ودموعٌ بدموع،وذكريات بذكريات، ودعواتٌ بدعوات.
              ولم تندمل قطّ جراح علي الطنطاوي لفقد بنان، ولم تندمل جراحي، ولم يرقأ دمعه، ولم يرقأ دمعي، ولم يسكت حزنه، ولم يسكت حزني، إلى أن اختاره الله إلى جواره .
              [ولقد]كتبَ – يعني علي الطنطاوي - في الحلقة« 199»( من ذكرياته)
              بعد سنوات من استشهاد ابنته، بمناسبة يوم عيدٍ [فقال]:
              « أنا أكتب هذه الحلقة يوم العيد. ما على ألسنة الناس إلا التهنئات فيها الأمل الحلو، وما في قلبي إلا ذكرياتٌ فيها الألم الـمُرّ.. فأنَّىَ لي الآن، وهذا يومُ عيد، أنْ أقوم بهذا الذي كنتُ أراه واجباً عليّ ؟
              كيف أصِل ُإلى القبريْن الذَّيْن ضمّا أحبَّ اثنين إليّ : أمّي وأبي، وبيني وبينهما ما بين مكّة والشّام!
              وكيف أصل إلى القبر الثاوي في مدينة (آخن) في ألمانيا، في مقبرة لا أعرف اسمها ولا مكانها ؟؟
              ما كان يخطر في بالي يوماً أن يكْزِنَ في قائمة مَنْ أزور أجداثَهم: بِنْتي!!
              ويا ليتني استطعتُ أن أفديَها بنفسي، وأن أكون أنا المقتولَ دونها؟
              وهل في الدّنيا أبٌ لا يفتدي بنفسه بِنْتَه ؟ إذن لـمُتُّ مرّة واحدة ثم لم أذُق بعدها الموت أبداً !
              بينما أنا أموت الآن كل يوم مرّة أو مرّتين، أموت كلّما خطرَتْ ذكراها على قلبي! »
              ثم قال عصام العطار عن الشيخ الطنطاوي : ( وفي أيّامه الأخيرة، وهو في غرفة العناية المركّزة بين الحضور والغياب، كان يُحِسّ مَن يحفُّون بسريره من بناته وأصهاره وخُلَّصِ إخوانه، أنه يفتقد بينهم شخصًا لا يراه ؟
              ويُرمز إليهم رمزًا واضحاً إلى بنان، ولا يُسعِفُه اللسان، وارتفعت يدُه لتعانق حفيده «أيمن» ابن بِنْتَه الشهيدة - وقد حضر إليه من ألمانيا - عندما رآه.
              ثمّ سقطت اليد الواهنة على السرير، وافْترَّتْ شفتاه عن ابتسامة حزينة سعيدةٍ حلوةٍ، امتزج فيها الحزن والسرور والشكوى، ونطقت عيناه وأسارير وجهه بما لا يُوصف من الحنان والشكر والأسى، مما لا يعبّر عنه – كما قالوا – قلمٌ ولا لغةٌ ولا كلام ... ) .
              قلت أنا أبو المظفر السناري كاتب هذا المقال :
              كلما قرأت هذا الحديث للشيخ الطنطاوي عن ابنته «بنان» أشعر أن الأرض لا تحملني !
              وأكاد أُحْصَر عن الكلام وينعقد لساني !
              وتعتريني قشعريرة يهتزُّ لها كياني ! وينكسر لأجلها أعلام جسماني !
              وأحسُّ أن كبدي كأنه يتقطَّع ، وأن نِيَاط قلبي كأنها تتمزَّع !
              وأن الوجود قد صغر في عيني حتى لا أكاد أرى أحدًا !
              وتهون الدنيا في نفسي حتى لا أجد للذيذها حلاوة ! ولا لجميلها طلاوة !
              ولقد تذكَّرت هذا الحديث – قبل يومين – عند غروب الشمس في ساعة الإفطار، وقد حضر الطعام والشراب ، فوالله ما استطعتُ أن أستسيغ لقمة واحدة!
              وكأن لا أرى أمامي إلا ظلامًا دامسًا، وقبرًا رامِسًا !
              وقد فاضت الدموع كأنها الغيث المِدْرار ! وقمتُ عن الطعام وليس في جوفي غير الأسى والمرار!
              وما أرى هذا : إلا رحمة يقذف بها الله في قلب من يشاء من عباده.
              وقد قال عصام العطار يرثي زوجته :

              بنان ياجبهةَ الإسلام دامية * * * مازال جرحك في قلبي نزيفَ دمٍ
              بنان يا صورة الإخلاص رائعةً * * * ويا منال الفِدَى والنُّبْل والكَرَمِ
              عِشْنا شريدَيْن عن أهلٍ وعن وطنٍ * * * ملاحماً من صراع النور والقِيَمِ
              الكيد يرصدنا في كل مُنْعطَفٍ * * * والموت يرقبنا في كل مُقْتحمِ
              والجرح في الصدر من أعدائنا نَفِذٌ * * * والجرح في الظهر من صُدْقاننا العَدمُ . * * * * * * * *
              وكأني لو مُدَّتْ الأنفاس بالمجاهدة « بنان» دقائق معدودات - بعد رميها بالرصاص - لكان لسان حالها يقول لأبيها – بعدما علمتْ بحزنه عليها ، ومرضه لغيابها - :
              ما ساءني ألمي .. ولكن ساءني *** زفراتُ حُزْنك في الهواء تطيرُ
              بالله مهلا .. ما لِقَلْبي أن يرى *** منك المدامعَ في العيون تثورُ
              إني أرى دون السحاب بشائراً *** قد أقبلتْ بين الغمام تسيرُ
              تلك الملائكُ لا تَسَلْ عن حُسْنها *** جاءتْ ركائبُها بها والحورُ
              فكأنهم لِزِفاف روحي قد أتوا *** والحور فوقي كالبدور تدورُ
              معهم لِتجْهيزي : ثيابٌ سندسٌ *** ولِغسْلِ دمعي : عنْبرٌ وكفورُ
              أبتاه لا تغْفلْ زيارةَ مرقدي *** يوماً لئلاَّ يجزعَ المقبورُ
              فأنا الوحيدة رَهْنَ قبرٍ مظلمٍ *** أمسيتُ فيه .. وخاطري مقهورُ
              أبتاه قد حلَّ الفراق فليْتنا *** وَافىََ بنا قبل الرحيل : نذيرُ !
              *******

              وكأني أرى لسان حال أبيها يرد على ابنته ويقول :
              فأجبْتُها والدمع يَحْرقُ مُقْلتي *** والقلب ينزفُ والمصاب كبيرُ
              بِنْتاه ياروحي ومُقْلةَ ناظري *** وجمالَ نفْسي إنْ عَراهُ فُتورُ
              يا بسْمةً كانتْ على الثَّغْر الذي *** ما إنْ بدا فاحتْ هناك عُطورُ
              قد كنتِ لي نور الحياة وشمسها *** فغدوتُ أعمى في الظلام يسيرُ
              ضحكاتُ فرحُكِ لا تزال تهزُّني *** وتُطيلُ أنَّاتِ الْجَوَىَ وتُثِيرُ
              دقَّاتُ قلبُكِ في الفؤاد طوارقٌ *** يصْدعْنَ نفسي والإلهُ خبيرُ
              تلك المحاسن في التراب تغيَّبتْ *** وجمالها في قبرها مَدْثورُ
              بنتاهُ قد عظم المصاب وإنني *** أبداً على العهد القديم أسيرُ
              كأسُ المنيَّةِ قد أصابكِ بغْتةً *** فَشَرَبْتِ ماء الموتِ وهومريرُ
              قد كان لا يحلو غيابُكٍ ساعةً *** كيف التَسَلِّي والغيابُ دهورُ
              ياليتني قد كنتُ قبلكِ ثاوياً *** حُفَرَ الترابِ فَيَشْتفي المصْدُورُ
              ما طاب عيشي في الحياة حبيبتي *** مُذْ غاب بدرُ جمالكِ المستورُ
              كبدي يسيل مرارة أبداً وإنْ *** مرَّتْ عليَّ صوارفٌ وعُصورُ
              إنْ قيل صبراً .. قلتُ قد غربتْ له *** شمسي وغاب ضياؤها والنورُ
              أو قيل رفْقاً .. قلتُ كيف وهذه *** أمواتُ فرْحِي ما لهنَّ نشورُ
              فإلى اللِّقاء حبيبتي في عالمٍ *** ما فيه حُزْنٌ بل هناك سرورُ
              في جنَّةٍ فيها الأحبَّةُ تلْتقي *** والرَّبُّ راضٍ .. والشَّرابُ طَهُورُ .

              خاتمة المقال
              تابع البقية ....



              تعليق


              • #8
                خاتمة المقال

                وحسبي أن أختم مقالي هذا بطرف من أقوال تلك المرأة المجاهدة الصادقة .
                وهي أقوال ينضح منها الإخلاص والعمل والكفاح في أرقى معاني تلكم الكلمات .

                1- قالت هذه الشريفة الصادقة : « ... فما علينا إذنْ لنفوزَ بالجنّةِ والخلودِ في نعيمِها الْمُقيم إلاّ أن نَصْدُقَ الإيمانَ، ونُحْسِنَ العملَ، ونَمْضِيَ على طريق اللهِ، مُنِيبِينَ إليهِ خاشِعين له، مُطْمَئِنِّين كلَّ الاطْمِئْنانِ لعدلِه وحكمِه في كلِّ أمرٍ يُصيبُنا ويقعُ بنا أو من حولنا.. لا نَنْحَرِف عن صراطه المستقيم، ولا نتوقّفُ ولا نُبالي ولو اجتمعتْ علينا قُوَى الأرض ! .» .
                2- وقالت أيضًا: « اللهمّ إنّا راضونَ راضونَ بقضائك وقدرك، وبكلّ ما يُصيبُنا في سبيلك.. فهل أنتَ راضٍ عَنّا يا ألله!
                إذا صَحَّ منكَ الوُدُّ فالكُلُّ هيّنٌ * * * وكلُّ الذي فوقَ التّرابِ تُرابُ !
                نعوذُ بنور وجهك الذي أشْرَقَتْ له الظُّلُمات، وصَلَح عليه أمرُ الدّنيا والآخرة، من أن تُنْزِلَ بنا غضبَك، أو يَحُلّ علينا سَخَطُك، لك الْعُتْبى حتّى ترضى، ولا حول ولا قوّة إلاّ بك »
                3- وقالت : « كم مرّةٍ تذكّرتُ وأنا أُبْصِرُ ما يَنْزِل بالمسلمين من نَكَبات، وما يُعانونَه من وَيْلات، وما يَتَرَبَّصُ بهم من أخطار ومهالك. كم مرّةٍ تذكّرتُ وأنا أبصر هذا وأبصر في ذات الوقت غفلتهم، وتَقَطُّعَ وَشائِجِهِمْ، وقِلَّةَ تَناصُرِهم، وانشِغالَ كلَّ فرد أو فريق منهم بنفسه عن غيره، وبيومه عن غده، وبدنياه عن آخرته.. وهم في سِنَتَهِمْ لا يستيقظون على ضَرَبات الدهر، ولا ينتفعون بتجارِبِه ومواعظِه!
                كم مرّة تذكّرت وأنا أشهد هذا كلّه قصيدةَ أبي البقاءِ الرُّنْدي الأندلسي:

                لِكُلِّ شَيْءٍ إذا ما تَمَّ نُقْصانُ * * * فلا يُغَرَّ بطيبِ الْعَيْشِ إنسانُ
                »
                * * * * *

                4- وقالت أيضًا: « ...كيف لا أكون متفائلة ونور الله يعمر قلبي،ويضيء عيني ودربي, وأنا أحس وأوقن – مهما ضاقت الدنيا واشتدت الظروف - أن الله معنا, يسمعنا ويرانا... وأن الحق الذي نؤمن به, ونجاهد من أجله, لا بد أن يكون له النصر على الباطل... وأننا سنفوز – إن صدقنا وصبرنا - بإحدى الحسنيين: النصر أوالجنة. »
                5- وقالتْ وهي صادقة : «
                يارب إن ضاقت بنا الدنيا فليس لنا سواك.
                وإن انسدَّتْ في وجوهنا السبل فليس لنا سواك
                وإن ظلمنا الأعداء والأصدقاء فليس لنا سواك
                وإن تـنكرت لنا كل موجود فليس لنا سواك
                يارب الوجود يا ألله
                ***
                يارب إن طالت بنا الغربة فليس لنا سواك
                وإن اشتدت بنا الوحشة فليس لنا سواك
                وإن فتك بأجسامنا المرض فليس لنا سواك
                وإن تنكرت لنا الأرض فليس لنا سواك
                يارب السماء والأرض يا ألله
                ***
                في سبيلك وحدك وحدك جاهدنا وعملنا
                في سبيلك وحدك وحدك أُخْرجنا وشُرِّدنا
                في سبيلك وحدك وحدك عُودِينا وحُورِبْنا
                في سبيلك وحدك عشنا
                وفي سبيلك وحدك نعيش
                وفي سبيلك وحدك نرجو أن تكتب لنا الشهادة يا ألله
                ***
                ليس لنا سواك. ليس لنا سواك
                في سرائنا وضرائنا نناديك يا ألله
                في شدتنا ورخائنا نناديك يا ألله
                فبقوتنا وضعفنا نناديك يا ألله
                في كل حال من أحوالنا
                في كل وقت من أوقاتنا
                نناديك من أعماق قلوبنا
                يا ألله يا ألله يا ألله ».


                والحمد لله رب العالمين ، والعاقبة للمتقين ، ولا عدوان إلا على الظالمين ، والله غالبٌ على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون
                .



                تعليق


                • #9
                  منقــــــــــــــــــــــول



                  تعليق


                  • #10
                    جزاك الله خيرا

                    تعليق

                    المتواجدون الآن 1. الأعضاء 0 والزوار 1.

                    أكبر تواجد بالمنتدى كان 2,525, 26-09-2016 الساعة 21:58.

                    يعمل...
                    X