أيهما أسرع: النخلة أم الساعة؟

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • أيهما أسرع: النخلة أم الساعة؟

    [frame="7 10"]
    أيهما أسرع: النخلة أم الساعة؟



    عندما نسمع توجيهات من شخصيات علمية أو قيادية نبقى مبهورين أمامها، نتأمل كلماتها لعلنا نستخرج منها حكما ونتعلم منها دروسا. ومن السذاجة أن نتوجه للبشر ونترك أستاذ البشرلنتأمل توجيهاته ونستقي منه حكما لحياتنا.

    يقف المرء أحيانا أمام بعض الآيات و الأحاديث و يعجب من مغزاها حيث إنها تتنافى مع المنطق، طبعا مع منطقنا المحدود. فكما أنا لا نسمع كل الأصوات فإنا لا ندرك كل الحكم ولا نحيط بكل المنطق. من ذلك هذا الحديث العجيب الرائع من النبي على الله عليه وسلم عندما يبدأ بقوله:( إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فاستطاع ألا يقوم حتى يغرسها)

    عجبا من هذا الحديث الذي يربكنا في وضع الأولويات، على الأقل حسب تفكيرنا العلمي. فالشجرة لن تثمر - حسب علماء الزراعة- قبل سبع سنوات. فكيف بالمعلم الحكيم صلى الله عليه وسلم يضع أمور الدنيا الطويلة الأجل قبل أمور الآخرة و التي ستحصل بعد ثوان؟

    من أسلوب الحبيب صلى الله عليه وسلم الإبداعي أنه يؤخر الحكمة حتى ينمي لدينا مهارات التفكير، ويجعلنا نتعلم بأنفسنا و نستقي الحكمة بتفكيرنا. لذا يستكمل الرسول الفصيح الحديث ليبين لنا الحكمة بهذه الجملة: ( فليغرسها فله بذلك أجر)

    من هنا ننطلق لنتعرف على إعجازه عليه الصلاة و السلام في الحكمة:
    طريق الآخرة هو طريق الدنيا بلا اختلاف ولا افتراق:
    لقد كان من المتوقع أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم والحالة هذه أن يترك الناس ما بأيديهم من أعمال الدنيا، ويتوجهوا لخالقهم منطرحين بين يديه يسألونه بدعوات صادقة الرحمة و النجاة في الآخرة..أو أن يحثهم على الإنقطاع التام لعبادة الله وحده، و المسارعة في التوبة و الرجوع و الإنابة إليه. لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدع لشيء من ذلك، بل دعا من كانت بيده فسيلة واستطاع أن يغرسها قبل أن تقوم الساعة فليغرسها وله بذلك أجر؛ وفي هذا إشارة أن ليس في الإسلام طريق للآخرة اسمه العبادة، وطريق آخر للدنيا اسمه العمل، فكلاهما طريق واحد أوله في الدنيا وآخره في الآخرة.


    العمل ذي النفع المتعدي أجدى وأفضل من العمل ذي النفع القاصر:
    وهذه قاعدة عظيمة استنتجها العلماء من أحكام الشريعة، فالعالم فضل عن العابد؛ لأن نفعه متعد لغيره بخلاف العابد فنفعه قاصر على نفسه. وكذلك في هذا الحديث ففسيلة النخلة عندما تثمر ينتفع بظلها وورقها وثمرها، وينتفع منها الإنسان والحيوان وقد ورد في الحديث:( ما من مسلم يزرع زرعا أو يغرس غرسا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة أو سبع أو دابة إلا كان له به صدقة)، ولذلك كان جديرا أن يحث النبي صلى الله عليه وسلم على مثل هذه العمل في ذلك الوقت.


    تأكيد أهمية و قيمة العمل:
    وهذا الأمر قد تضافرت النصوص في الحض عليه والترغيب فيه، وفي هذا الحديث -حتى والساعة قائمة، والدنيا زائلة بعد لحظات- يبرز النبي صلى الله عليه وسلم قيمة العمل و كأنه عبادة من العبادات وقربة من القربات.

    فالمزارع في مزرعته الطالب في مدرسته والعامل في مصنعه والتاجر في دكانه والمصلي في محرابه... كلهم يؤدون عبادة من العبادات وكلهم يؤجرون.

    لا يأس مع الحياة:
    فالعمل في الأرض لا ينبغي أن ينقطع لحظة واحدة بسبب اليأس من النتيجة، فحتى لو كانت القيامة ستقوم بعد لحظات، ومعها سينتهي العمل في الدنيا ولن تكون هناك ثمرة من العمل. حتى عندئذ على الناس ألا يكفوا عن العمل وعن بذر بذور الخير وعن التطلع للمستقبل، ومن كانت في يده فسيلة فليغرسها،إنها بحق دفعة عجيبة للعمل والإستمرار فيه والإصرار عليه.


    اعمل واجتهد ولا تنتظر الثمرة:
    عجيب أن يرشد النبي صلى الله عليه وسلم لغرس فسيلة النخلة التي لا تثمر إلا بعد سنين، والقيامة في طريقها أن تقوم... وعن يقين.

    وكأنه يوجه الناس ألا يتساءلوا: ما قيمة العمل؟ وماذا يمكن أن نصل إليه في هذا الوضع العصيب؟ وهل سنجني ثمرة غرس الفسيلة؟
    فقط على الإنسان أن يسعى وأن يجتهد وعلى الله تمام التوفيق و النجاح.



    وفي هذا درس عظيم للمربين والدعاة والمصلحين والناصحين فأجرهم منوط بأعمالهم، وليس بثمار دعوتهم، وعدد من استجاب لهم أو اهتدى على أيديهم(إن عليك إلا البلاغ ). فنوح عليه السلام مكث يدعو في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما وما آمن معه إلا قليل، ومع ذلك هو من أولي العزم من الرسل.

    ونبينا صلى الله عليه وسلم كان يدعو عمه أبا طالب للإسلام وهو على فراش الموت، ومع ذلك لم يسلم( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء)

    هذا هو ديننا الشامل الكامل، ووهذا هو نبينا الأستاذ الحكيم صلى الله عليه وسلم.
    ولا تزال السنة ينبوعا صافيا وموردا عذبا ومعينا لا ينضب ينهل منه كل مريد للهدى و الحكمة، ومنارة شامخة مضيئة يستنير بنورها كل باحث عن الحقيقة في وسط الظلمة.


    صفوان الفتني
    [/frame]

المتواجدون الآن 1. الأعضاء 0 والزوار 1.

أكبر تواجد بالمنتدى كان 2,525, 26-09-2016 الساعة 21:58.

شاركي الموضوع

تقليص

يعمل...
X