موضوع أبكاني (جزء 1)

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • موضوع أبكاني (جزء 1)

    السلام عليكم أخواتي و حبيباتي في الله جائني في بريدي هذا الموضوع الذي بصراحة أضننا كلنا محتاجينه في حياتنا صحيح ان أكثر ما فيه نعرفه لكن ما نطبقه كما يجب
    أسأل الله أن ينفعنا به و يرزقنا الخشوع في جميع الطاعات
    لا تنسوني أخواتي من الدعاء الله يجزاكم خير عسى تكون منا واحدة مستجابة الدعاء

    بسم الله الرحمن الرحيم
    مقدمة
    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باللهِ من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله، فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
    { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } [آل عمران: 102].
    { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } [النساء: 1].
    { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا } [الأحزاب: 70: 71].
    أما بعد: فإني قد ترددت كثيرًا في كتابة هذا الموضوع وذلك خشية أن يظن بي ما ليس في من الخشوع، ولكن لما رأيت كثيرًا من النساء لا يحسن الصلاة اجتهدت في إلقاء محاضرة في جمع كثير من النساء، وبينت فيها كيفية الخشوع في الصلاة، وكيف تستطيع المسلمة أن تنال هذه الصفة التي لا يمتاز بها إلا المؤمنون المفلحون كما قال تعالى: { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ } [المؤمنون: 1 – 2].
    وقد نالت هذه المحاضرة – بحمد الله – إعجاب الكثيرات حيث وقعت منهن موقع الماء العذب الزلال من العطشان في الصيف الحار.
    وطالبني كثير ممن لم يحضرن بإعادة هذه المحاضرة لما بلغهن استفادة من حضر، وتمكنهن من الخشوع بعد تطبيق ما ذكرت، واعتذرت لهن من الإعادة خشية السآمة ووعدتهن خيرًا.
    وقد عنَّ لي الآن أن أكتب المحاضرة التي ألقيتها؛ لتكون الفائدة أعم بحيث يبلغ الكتاب ما لم يبلغ الخطاب.
    وأنا في هذا كله استعين بالله، وأتوكل عليه وأسأله التوفيق والسداد لما فيه الخير والرشاد.



    رقيـة


    ص.ب 91270 الرياض 11633



    فضل الخشوع
    إن الله – سبحانه – قد امتدح الخاشعين في مواضع كثيرة من كتابه فقال: { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ } [المؤمنون: 1- 2].
    وقال: { وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ } [آل عمران: 199].
    وقال: { وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ } [الأنبياء: 90].
    وقال: { وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا } [الإسراء: 109].
    وامتدح رسول الله r الخشوع وبين فضل البكاء من خشية الله فقال: «لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم» ( [1] ) .
    وقال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.. وذكر منهم، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه» ( [2] ) . وعن عبد الله بن الشخير – رضي الله عنه – قال: «أتيت رسول الله r وهو يصلي ولجوفه أزير كأزيز المرجل من البكاء» ( [3] ) .
    وغيرها من الأحاديث كثير. وأصل الخشوع كما قال ابن رجب: «لين القلب ورقته وسكونه، وخضوعه، وانكساره، وحرقته، فإذا خشع القلب تبعه خشوع جميع الجوارح، والأعضاء؛ لأنها تابعة له» ( [4] ) .
    والخشوع يحصل بمعرفة الله – سبحانه بأسمائه وصفاته، فإذا ما أدرك العبد عظمة الله وكبرياءه وقوته – سبحانه – واستقرت هذه المعرفة في قلبه فإن ذلك يظهر عليه في سلوكه وأقواله.
    ولما كان العبد يتقلب في ملك الله ويرى آياته لا تنقطع. أصابه التبلد والفتور فاحتاج من يوقظه كل حين، والصلاة خير موقظ فهي توقظه خمس مرات في اليوم والليلة.
    والخشوع يتأتى للقلب غالبًا إذا بذل العبد أسبابه، كما أن القلب يقسو ويغفل إذا ترك أسباب الخشوع.
    ومن أقوى أسباب الخشوع الوقوف بين يدي رب العباد، ولكن ليس كل وقوف يزيد في الخشوع، إنما الوقوف الذي يزيد في الخشوع ما وافق ما عليه رسول الله r وأصحابه.
    والخشوع يزيد وينقص حسب الأخذ بالأسباب الجالبة له.
    وإليك هذه الأسباب بالتفصيل:


    قبل الصلاة
    إننا أختي في الله قد اعتدنا على الصلاة، لذا أصبحنا إذا سمعنا الآذان بادرنا وتوضأنا ووقفنا ثم صلينا ونحن لا تنفك أذهاننا تفكير في حياتنا ومشكلاتنا وتفوتنا بذلك الخير الكثير.
    فإذا ما أردت أن يتحقق لك الخشوع فافعلي الآتي:
    1- إذا سمعت المؤذن فقولي كما يقول غير أنك إذا قال «حي على الصلاة»، «حي على الفلاح» فقولي: «لا حول ولا قوة إلا بالله».
    لقوله r : « إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا على فإنه من صلى على صلاة صلى الله عليه عشرًا ثم سلوا الله لي الوسيلة – إنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله – فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة» ( [5] ) .
    وسؤال الوسيلة – يكون بهذه الكلمات التي وردت في الحديث الآتي:
    عن رسول الله r أنه قال: « من قال إذا سمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته، إلا حلت له الشفاعة يوم القيامة» ( [6] ) .
    ثم اسألي الله من فضله واجتهدي في الدعاء فإن الدعاء يجاب عند الآذان. قال رسول الله r : « اثنان لا تردان أو قال ما تردان، الدعاء عند النداء وعند البأس حين يلتحم بعضهم بعضًا» ( [7] ) .
    وإني ألحظ كثيرًا من الناس يجتهدون في الدعاء عند الكعبة، وهم يغفلون عن هذا الوقت الذي قل ما ترد فيه الدعوة، بل يمضونه في الحديث الذي لا ينفع ويضيعون بذلك الكثير.
    وإذا عرفت ذلك أختي فاجتهدي في الدعاء عند الأذان أو بين الأذان والإقامة. بما فيه خير دنياك وآخرتك. قال رسول الله r : « الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد» ( [8] ) .
    ثم سارعي إلى الوضوء عملاً بقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ }
    [المائدة: 6].
    واستحضري فضل الوضوء، فإن رسول الله r قد قال: « من توضأ فأحسن الوضوء وصلى غفر له ما بينه وبين الصلاة الأخرى» ( [9] ) .
    وإحسانه يكون الوضوء كما كان يتوضأ رسول الله r وإليك ما يوضح وضوءه r ثبت أن عثمان بن عفان دعا يومًا بوضوء فتوضأ، فغسل كفيه ثلاث مرات واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات، ثم غسل يده اليسرى مثل ذلك ثم مسح برأسه، ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات، ثم غسل رجليه اليسرى مثل ذلك، ثم قال: رأيت رسول الله r توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قال رسول الله r : « من توضأ نحو وضوئي هذا ثم قام فركع ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه» ( [10] ) .
    فإذا علمت ذلك فاجتهدي في إتقان الوضوء كما مر واستجمعي فكرك كله، عليك مجاهدة نفسك أن تحدثك بأمر من أمور الدنيا ( [11] ) .
    وقد تقولين: كيف أستطيع أن أتوضأ دون أن أحدث نفسي: أقول: إذا أردت الوضوء فانشغلي في ذكر ما يقول رسول الله r عند الوضوء وهو قول: «بسم الله» فإذا شرعت في الوضوء فتفكري في كل عضو تغسلينه ما اكتسب من الذنوب، فإذا فعلت ذلك استحضري أن الوضوء يكفر الذنوب وأن الخطايا تخرج مع الوضوء.
    فإذا غسلت وجهك فتذكري أن كل خطيئة نظرت إليها عيناك خرجت مع الماء، وإذا غسلت يديك فاستحضري أن كل خطيئة بطشتها يداك خرجت مع الماء وإذا غسلت رجليك فاستحضري أن كل خطيئة مشتها رجلاك خرجت مع الماء. وبهذا تخرجين من الوضوء مغفورة الذنوب كما قال رسول الله r : « إذا توضأ العبد المسلم (أو المؤمن) فغسل وجهه خرجت من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينه مع الماء (أو مع آخر قطر ماء) فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء (أو مع آخر قطر الماء) فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء (أو مع آخر قطر ماء) حتى يخرج نقيًا من الذنوب» ( [12] ) .
    ثم إذا هممت بالخروج من المغتسل فاستحضري ما حزته من الأجر العظيم من حط ذنوب ورفع درجات، واستحضري قوله r : « ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع الدرجات؟» قالوا: بلى يا رسول الله: قال « إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط» ( [13] ) .
    واستحضري كذلك أن مواضع الوضوء ستكون علامة لك يوم القيامة، تعرفين بها فتنظرين إلى أعضائك التي غسلتها بشيء من السرور والغبطة، أن هداك الله لهذا، وقد جاء في الحديث أنك تعرفين يوم القيامة بوضوئك كما جاء أن حليتك تبلغ منك مبلغ الوضوء.
    خرج رسول الله r إلى المقبرة، فسلم على أهلها، وقال: «سلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. وددت أنا قد رأينا إخواننا»، قالوا: أولسنا بإخوانك يا رسول الله؟ قال: « أنتم أصحابي، وإخواني قوم لم يأتوا بعد، وأنا فرطكم على الحوض» قالوا: وكيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟ قال: « أرأيتم لو أن رجلاً له خيل غر محجلة بين ظهري خيل بهم دهم ألا يعرف خيله؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: « فإنهم يأتون غرًا محجلين من أثر الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض، ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، أناديهم: ألا هلم فيقال: إنهم قد أحدثوا بعدك، وأقول: سحقًا سحقًا» ( [14] ) .
    وقال r : « إن الحليلة تبلغ مواضع الطهور» ( [15] ) .
    وإذا خرجت وقد توضأت فاذكري هذا الدعاء لتنالي جزاءه، وهو الوارد في هذا الحديث: قال رسول الله r : « ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأِشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء» ( [16] ) . وإن زدت: «اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين» ( [17] ) . وإذا فعلت ذلك في وضوئك فأنى للشيطان أن يقربك وأنى له أن يدخل عليك بوسواسه، فأنت في كل لحظة معلقة قلبك بالله – سبحانه – وبما ورد عن نبيه – عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.




    ***



    الاستعداد للصلاة قبل الصلاة
    إذا أردت الصلاة بعد وضوئك، وأردت الخشوع فيها، فإن عليك أن تراعي الأمور التالية:
    أولاً: الاستعداد بالسواك:
    إن من السنن المؤكدة تطييب رائحة الفم وتنظيف الأسنان بالسواك عند الوضوء وقبل الصلاة، وذلك لما ثبت عن رسول الله r أنه قال: « لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء» ( [18] ) . وفي رواية: «عند كل صلاة».
    وذلك يكسبك نشاطًا، ويعلمك التهيؤ للوقوف بين يدي الله – سبحانه وتعالى -: كما أن السواك أفضل طارد للنوم إذا كانت الصلاة بعد نوم، مما يساعدك على التنبه لما تقرئين.
    ثانيًا: الاستعداد باللباس الحسن النظيف والتطيب والبعد الريح الكريهة:
    إنك أُخيَّتي لو فكرت في قدومك إلى الصلاة لوجدت نفسك لا تستعدين لها استعدادك للقاء أي صاحبة أو ضيفة تزورك، فلو كنت قبل الصلاة استحضرت أنك ستقدمين على ملك الملوك رب العباد الذي أمرك بأخذ الزينة عند كل مسجد قال: { يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا } [الأعراف: 31].
    والمسجد لفظ عام لكل مكان يسجد فيه المصلي من ذكر أو أنثي. لو كنت استحضرت هذا لبذلت الجهد في الاستعداد للصلاة بالحسن من الطيب والثياب ( [19] ) .
    واعلمي أن احتسابك بهذا يأتي بالخشوع، فالحسنة تجر الحسنة، كما أن اللبس النظيف والريح الطيب يجعل صاحبه في راحة نفسية بخلاف اللباس الوسخ المليء بالعرق والرائحة الكريهة، فإنه يجعل صاحبه في نفسية متضايقة، ولا يستوي من يصلي مرتاح النفس ومن يصلي وهو متضايق.
    وكما أن اللباس يحسن أن يكون نظيفًا، فإنه يحسن أن يكون مريحًا؛ لأن اللباس إذا لم يكن مريحًا – كأن يكون ضيقًا – فلن تستطيعي أخذ راحتك عند الركوع والسجود والجلسة بين السجدتين عند الجلوس للتشهد، فإذا جلست وأنت غير مرتاحة فستعجلين في الصلاة ولن تجلسي للتشهد لتقوليه بتمامه كما ينبغي، وإن قلته تامًا لفظًا فلن تستشعري معانيه، ولن تتمكني من الدعاء بعده بقلب خاشع خاضع، والضيق لا يتأتى معه الخشوع لذلك نهي عنه في الصلاة والمصلي يدافع الخبث أو الجوع أو غيره، وسيأتي ذكر مدافعة الخبث.
    وإني ألحظ من بعض الأخوات أنها إذا كانت تهم بالذهاب لزواج أو حفلة ما، استعدت بلبس أجمل الملابس محتملة ما يكفلها هذا الملبس الضيق، وهي لا تحتمل أن تلبس عليه حجاب صلاتها، ولكنها مضطرة للصلاة في وقتها فتجدينها تتعجل بالصلاة محتملة هذه الدقائق التي تصلي فيها وكأنما قد قيدت بقيود تستعجل الخلاص منها بالسلام.
    وكذا إذا وضعت مساحيق على وجهها، فهي تسارع إلى الصلاة خشية أن ينتقض وضوؤها فتعجل بالصلاة، كأنها حمل ثقيل لترتاح منه، أما إذا كانت ممن تضع في شعرها ما يسمى «باللفافات» فحدث ولا حرج عن ضيقها حين تضح حجاب صلاتها على رأسها، أو حين تسجد، أو حين تركع، هذا إذا استطاعت أن تمكن جبينها من الأرض.
    فلنتقي يا أخواتي من نقف بين يديه أن يأخذنا بغتة فلا تستطيع بعد الصلاة صلاة.
    وإذا أدركتك الصلاة وأنت على هذه الحال السالفة، فلا تتكاسلي عن خلع ما يضايقك واستبداله بما يريحك واحتسبي الأجر من الله – ولا يزين لك الشيطان وأنت على هذه الحالة فتقولين أتحمل خمس دقائق وأصلي، ثم تصلين صلاة كصلاة الخائف-.
    واعلمي أنك لو أرغمت نفسك على نبذ ما لا يريحك عند الصلاة – مهما كلفك – لو مرة واحدة لسهل عليك الأمر وعرفت كيف أن الصلاة تحتاج منك إلى استعداد.
    ثالثًا: الاستعداد بإحكام ستر العورة:
    إن من شروط صحة صلاتك أختي، ستر عورتك في الصلاة وهي جميع جسدك عدا الوجه والكفين إذا لم يكن بحضرة رجال أجانب، وقد تقولين ما علاقة ذلك بالخشوع؟
    الجواب هو : أن ستر العورة سترًا تامًا بإحكام يهيئ لك وضع كل عضو في مكانه أثناء الصلاة؛ لأنك إن لم تحكمي ستر العورة، فإنه قد يسقط خمارك أو يوشك فتنشغلين بإصلاحه الحين والحين، وقد يفوت عليك ذلك بعض السنن في الصلاة كرفع اليدين عند التكبير أو الرفع من الركوع أو وضع اليدين على الفخذين عند التشهد أو غير ذلك، وأنت مع هذا قد تذهبين بعض الطمأنينة التي لا تصح الصلاة إلا بها وهي مطلوبة في جميع الأركان.
    أو قد تتعجلين إنهاء الصلاة خشية أن تنكشف عورتك بظهور بعض شعرك، فتسلمين قبل أن تدعي، وأي خشوع سيكون وأي حضور قلب وأنت لاهية في شيء آخر.
    رابعًا: الاستعداد بإبعاد كل ما يشغلك سواء كان أمامك أو تلبسينه أو تسجدين عليه:
    وذلك بأن تختار مكانًا هادئًا قليل الأثاث والزخارف فلا تصلي أمام جدار مزخرف بالديكور والألوان.
    كذا البقعة التي تصلين عليها ينبغي لك إذا أردت الخشوع أن تصلي على بقعة خالية من الزخارف والألوان، فما أحدثه الناس اليوم من الصلاة علي سجاجيد ملونة يرسم عليها الكعبة وغيرها من الصور أمر مخالف للسنة، فالسنة الصلاة على أي بقعة من الأرض دون التزام سجادة، والسنة عدم الصلاة على ما به ألوان وأعلام ونقوش كما ورد في الحديث: أن النبي r صلى في خميصة لها أعلام فنظر في أعلامها نظرة، فما انصرف قال: «اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم وأتوني بأنبجانيتة، فإنها ألهتني آنفًا عن صلاتي» ( [20] ) .
    أما إذا كنت تعلمين بنجاسة الأرض التي تصلين عليها فعليك أن تضعي عليها شيئًا تصلين عليه سواء كان سجادة أو غيرها، فإنه ثبت أن رسول الله r صلى على خمره ( [21] ) .
    ولكن لم يكن رسول الله r يداوم الصلاة عليه، بل ثبت عنه أنه قال: ما أدركتك الصلاة فصل فهو مسجد ( [22] ) وثبت عنه أيضًا إباحة الصلاة في مرابض الغنم وفي المقبرة إذا نبشت.
    وروى عن أنس بن مالك أنه قال: لما قدم رسول الله r فكان يصلي حيث أدركته الصلاة، فيصلي في مرابض الغنم، ثم أمر بالمسجد، قال: «فأرسل إلى ملأ من بني النجار فجاؤوا، فقال: « يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا، فقالوا: لا والله نطلب ثمنه إلا من الله»، قال أنس: فيه قبور المشركين، وكانت فيه خرب، وكان فيه نخل، قال فأمر رسول الله r «بقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسويت، وبالنخل فقطع»، قال «فصفوا النخل قبلة المسجد واجعلوا عضاديته حجارة» ( [23] ) .
    وأحاديث إباحة الصلاة في أي بقعة من الأرض عامة، يخص منها - أي من عمومها - أحاديث النهي عن الصلاة في المقابر والحمام ومعاطن الإبل وخلف المقبرة ( [24] ) .
    وعليك أخيتي أن تنتبهي لهذا الأمر وتتبعي سنة محمد r وتنتهي عما نهاك عنه ففي ذلك خير الدنيا والآخرة.
    وإذا كنت بمجلس من المجالس وفرشت لك سجادة؛ لتصلي عليها - وفيها نقوش - فلا يمنعك الحياء من رفعها والصلاة على الأرض ما دامت طاهرة، وبذلك تكونين قد أحييت سنة وأمت بدعة.
    خامسًا: الاستعداد باختيار مكان معتدل الحرارة وتجنب الصلاة في المكان الحار:
    إنك أخيتي إذا أردت النوم أو الأكل أو استقبال الضيوف فإنك تبحثين عن المكان المعتدل الحرارة – وتبذلين الجهد – لتبريده في الحر، ولتدفئته في البرد؛ لتؤمني لنفسك الاستمتاع بالأكل والنوم وغيره.
    إلا أنك إذا أردت أداء الصلاة فإنك أحيانًا لا تبالين بأن تصلي في أي مكان، ولسان حالك يقول: خمس دقائق أتحمل فيها الحر ولا تستحق إعمال المكيف أو البحث عن مكان بارد أصلي فيه.
    وأنت بذلك قد تحتملين ولكن على حساب خشوعك! فأي استيعاب للركوع أو السجود بل أي استيعاب للقراءة سيكون! وكأن الصلاة حركات فرض عليك عملها، تؤدينها لتخليص ضميرك فأنت تؤدين الصلاة لترتاحي منها، لا لترتاحي بها.
    واعلمي - أخيتي - أننا في هذا الزمان زمان البيوت التي تحتفظ بالحرارة - وزمان المكيفات - وزمان التحمل وعدم الاعتياد على الحر يذهب خشوعنا أكثر ممن سبقنا من الذين لم يعتادوا على المكيفات، والذين يتحملون الصيام في الصيف مع شدة الحرارة، ومع ذلك فإن رسول الله r قد نهاهم عن الصلاة في شدة الحرارة لعلمه r بذهاب الخشوع وقلة استحضار القلب في هذا الحال، وذلك بقوله: «أبردوا بالظهر» ( [25] ) .
    وحكمة هذه الرخصة – كما قال الإمام ابن القيم -: «أن الصلاة في شدة الحر تمنع صاحبها من الخشوع والحضور، ويفعل العبادة بتكره وتضجر، فمن حكمة الشارع r أن أمرهم بتأخيرها حتى ينكسر الحر، فيصلي العبد بقلب حاضر، ويحصل له مقصود الصلاة من الخشوع والإقبال على الله - تعالى -» ( [26] ) .
    سادسًا: الاستعداد للصلاة في المكان البعيد عن الإزعاج والضوضاء:
    إن المصلي إذا كان بحضرة أناس يتكلمون، قد لا يحضر قلبه ولا يعقل صلاته، فيكون مشغول القلب مشغول العقل، وقد يسمع كلامًا يخصه فيصغي له، وهنا لا يعقل كم صلى ولا ما قرأ ولا بماذا دعا، وإذا عقل ذلك فإنه بالتأكيد محال أن يكون خشع في صلاته تلك.
    فاختاري أختاه لنفسك مكانًا هادئًا بعيد عن الإزعاج ما استطعت إلى ذلك سبيلاً.
    ولأجل الخشوع في الصلاة نهى رسول الله r عن التشويش على المصلي فقال: «إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه به، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن» ( [27] ) .
    فهذا رسول الله r ينهى عن الجهر بالقراءة لأجل عدم التشويش على المصلي وحفظ الخشوع له.
    فإذا أردت أختاه الصلاة بحضور قلب وخشوع فالتمسي أقصى مكان في بيتك وأبعده عن الضجة وحضور الناس ورؤيتهم وذلك أفضل فإن أم حميد - رضي الله عنه - روت أنها جاءت النبي r فقال: يا رسول الله! إني أحب الصلاة معك؟ قال: «قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي».
    فأمرت - أم حميد - فبُنِيَ لها مسجدًا في أقصى شيء من بيتها وأظلمه «وكان تصلي فيه حتى لقيت الله - عز وجل -» ( [28] ) .
    سابعًا: الاستعداد للصلاة بتفريغ قلبك من كل شغل:
    اعلمي أخيتي أن القلب يشغل بأمور كثيرة ما بين هم وخوف وحزن وفرح وغيره. فإذا أردت الإقبال على الصلاة فاستعيذي بالله من الشيطان الرجيم، استعاذة قلب لاستعاذة لسان، فإن وجدت من نفسك إقبالاً على الصلاة بقبل غافل مشغول فاقرئي آيات من القرآن لم يسبق لك حفظها، والزمي نفسك أن تقرئيها في الصلاة، حتى وإن كانت هذه الآيات قصيرة كأن تكون آيتين أو ثلاثة وذلك فيه إشغال لك عن همك بالحفظ قبل الصلاة، وإشغال لك عن همك بتذكر الآيات في الصلاة، وحينئذ تجدين نفسك قد أقبلت على الصلاة وانشغلت بها.
    وإن لم تستطيعي ذلك؛ لعسر حفظك أو لشدة غفلتك أو لشدة شغلك بهمك فعليك قراءة حديث من أحاديث الترغيب والترهيب – كأحاديث البعث أو الحساب أو النفخ في الصور أو غيرها – تجعلك تخافين الله وتشغلين بما هو أعظم فتقبلين على الصلاة بقلب خاشع.
    وإن لم تنتفعي بذلك فاقرئي من سير الصالحين في صلاتهم مما يشحذ همتك ويدفعك للاقتداء بهم، وأبشري فإنك إذا فعلت ذلك راغبة في الخشوع لله والخضوع له ومدافعة الشيطان فإن الله – سبحانه – سيعطيك مرادك وسيقترب منك أكثر مما تقتربين منه كما ورد في الحديث القدسي عن رسول الله r فيما يرويه عن ربه قال: «يقول الله – تعالى -: أنا عندي ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلي شبرًا، تقربت إليه ذراعًا، وأن تقرب إلي ذراعًا، تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة» ( [29] ) .
    ثامنًا: الاستعداد للصلاة بانتظارها:
    إن انتظار الصلاة كما يكون في المساجد يكون لك - أخيتي - في بيتك، فإذا فرغت من عملك ولم يكن عليك واجب لزوجك أو أهلك يشغلك فعليك إذا قارب وقت الصلاة أن تتوضئي وتجلسي في مصلاك تنتظرين تسبحين وتستغفرين وتهللين وتذكرين الله وتستاكين حين يؤذن المؤذن، فإذا أذن وقلت ما يقول تسألين الله لنبيه الوسيلة ثم ما شاء الله لك من الدعاء، وأنت بهذا تفوزين بخير كثير، دعاء الملائكة لك بالمغفرة والرحمة، ويكتب لك أجر الصلاة ما دام هذا حالك حتى تنصرفي أو تحدثي.
    وهذا الفعل مدعاة للخشوع، حيث يأنس القلب بذكر الله ويستنير بنوره، وفعل ذلك أجره عظيم بل هو كالرباط في سبيل الله.
    وإذا كنت قد فعلت ذلك فاحرصي أن تحفظي في انتظارك للصلاة آيات من القرآن الكريم تكون لك عونًا على الخشوع في الصلاة التي ستؤدينها، واعلمي أنك إذا قدمت على الصلاة، فإن قلبك يكون معلقًا بآخر شيء تركتيه أو كنت عليه قبل الصلاة، فإذا كان آخر شيء كنت عليه قبل الصلاة ذكر الله والتعلق به فسيكون قلبك معلقًا في الصلاة بالله، وكيف لا يخشع قلب معلق بالله، وهو وأما إذا نهتك نفسك وأبت أن تجلسي للصلاة، ولم يكن لديك عمل يشغلك فأرغميها على الانتظار وجاهديها حتى تقبل راغمة، فإذا أقبلت اليوم راغمة فستقبل غدًا راغبة والله يقول: { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ } [العنكبوت: 69].
    واستعيني على مجاهدة نفسك بتذكيرها بفضل انتظار الصلاة الذي جاء في الحديث: « لا يزال العبد في صلاة ما كان في مصلاه ينتظر الصلاة، والملائكة تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، حتى ينصرف أو يحدث» قيل: ما يحدث؟ قال «يفسو أو يضرط» ( [30] ) .
    «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويكفر الذنوب؟» قالوا: بلي يا رسول الله! قال: «إسباغ الوضوء على المكروهات وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط» ( [31] ) .
    تاسعًا: الاستعداد للصلاة بالنظر في حاجة جسمك الشاغلة وقضائها قبل الشروع في الصلاة:
    أن الجسد له متطلبات فالجوع يتطلب الأكل، والعطش يتطلب الشرب، والحقن والحقب يتطلب التخلي وإزالة الأذى، وليس شيء أشد إزعاجًا للمصلي من مدافعة ذلك، فإن وقع به شغله فأما أن يقطع صلاته أو يتمها بعجلة وألم، فيكون أذى نفسه ولم يتقن صلاته.
    ولهذا عد رسول الله r من صلى وهذا حاله لم يصل حيث قال: «لا صلاة بحضرة الطعام ولا وهو يدافع الأخبثين» ( [32] ) .
    واحذري أخيتي من الشيطان، فإنه يزين لك الصلاة بهذا الحال ليفوت عليك الخشوع وذلك بأن يخوفك فوات الوقت تارة، ويخوفك إعادة الوضوء تارة أخرى، وأنت بين هذا وذاك تستسلمين للشيطان، وتكبرين وأنت تقولين ليست حاجتي ماسة، فإذا كبرت وألحت عليك حاجتك فلن تستطيعي دفعًا ولا صبرًا بل ستعجلين في صلاتك مفوتة الاطمئنان وهو من الأركان، والخشوع وهو لب الصلاة والمقصود منها، ولو أنك إذا رأيت من نفسك هذه العجلة في الصلاة وعدم الاطمئنان ألزمت نفسك إعادة الصلاة لتعلمت أن الصلاة التي يكون هذا شأنها ستعاد فتتركين الصلاة مع الحاجة، وتصلين بعد قضاء حاجتك بخشوع واطمئنان.
    وسأنصحك بما يفيدك في التغلب على نفسك حين كسلها عن إعادة الوضوء والمبادرة للصلاة قبل انتقاض الوضوء.
    أولاً: تذكري أنك إذا صليت بهذا الحال فكأنما لم تصلِّ وأنك ستعيدين الصلاة، وذلك لما ورد في الحديث المتقدم «لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافع الأخبثين».
    ثانيًا: عوِّدي نفسك الوضوء بعد كل حدث، وفائدة ذلك إصابة السنة أولاً، وقطع التحسر على وضوئك ثانيًا، فإنك إذا علمت أنك متوضئة بعد الحدث لا محالة سواء أردت الصلاة أم لا فإنك لن تهتمي بنقض الوضوء ولن تتحسر نفسك على وضوئك.
    وبذلك يزول من نفسك دافع اغتنام فرصة كونك على وضوء.
    ثالثًا : باستحضار الأحاديث المرغبة في الوضوء وكثرته وإسباغه.
    وأرجو أن تسألي الله بعد هذا كله بأن يمن عليك بالخشوع بين يديه، فهي منة عظيمة من نالها نال السعادة والراحة والهناء.
    فإذا خرج العبد من صلاته التي قد خشع فيها فكأنما خرج من نهر قد اغتسل فيه من جميع أوساخه.
    والله المستعان،،،




    ***

المتواجدون الآن 1. الأعضاء 0 والزوار 1.

أكبر تواجد بالمنتدى كان 2,525, 26-09-2016 الساعة 21:58.

شاركي الموضوع

تقليص

يعمل...
X