موضوع أبكاني (جزء 2)

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • موضوع أبكاني (جزء 2)

    أثناء الصلاة
    إن أول ما يبدأ به المصلي في صلاته بعد استقبال القبلة والدنو من السترة حتى لا يكون بينه وبينها سوى ثلاثة أذرع حال قيامه وممر شاة حال سجوده - أول ما يبدأ به تكبيرة الإحرام.
    أما كيفية الخشوع بتكبيرة الإحرام فإن عليك أيتها المصلية أن ترفعي يديك حذو منكبيك أو حيال أذنيك متوجهة بباطن الكفين إلى القبلة ممدوة الأصابع ضامة لها - وتشعرين وأنت بهذا الحال بالاستسلام التام لرب العباد، وتخيلي لو أحدًا أراد منك أن تذعني له وتستسملي، فأمرك برفع يديك ومدها، لارتعدت مفاصلك خوفًا من بطشه بك، وهو بشر مثلك، فكيف بمن بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه - سبحانه - وكيف بمن الأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمنه، يأمرك بأن تستسلمي وتقفي بين يديه ذلاً وخضوعًا له رافعة يديك معلنة التسليم التام له، متخلية عن كل شيء في يديك تملكينه فالأمر أعظم من أن تستمسكي بشيء من أمور الدنيا فهذا وقوف بين يدي من بيده كل شيء. كيف يمر عليك التكبير والحال هكذا بسهوله!! ويذهب معنى التكبير ومراده من نفسك وتبقى حركته وإشارة اليدين به، أو ليس الله بقادر على أن يأخذك بغتة أتأمنين ذلك؟ إذا تألق الخيال مثل هذه المعاني وأنت ترفعين يديك لتكبيرة الإحرام، فإن الخشوع سيمتلك قلبك والخضوع سيسيطر على جوارحك ولن تنفكي من أن تنطقي تكبيرة من فؤادك معلنة البراءة من كل شيء فالله عندك أكبر من كل شيء.
    ولم يأمرك الله بالتكبير والاستسلام إلا ليعلم تسليمك وموافقتك على بيع الدنيا الزائلة بالآخرة الباقية، فله الحمد ما أعظمه وله الحمد ما أكرمه، وحري بنا أن نستسلم طائعين راغبين فرحين مغتبطين.
    ثم يحلق العقل في ملكوت الله وبينما هو كذلك، إذ تنطق كلمة التسبيح والحمد لمن هذا شأنه، فتقولين: «سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك، وتعالى جدك ولا إله غيرك».
    وأنت في قيامك هذا تقفين موقف الذليل الخاضع، تضعين يدك اليمنى على اليسرى على صدرك بكل استكانة لمن أوقفك هذا الموقف، وسيوقفك الموقف الرهيب يوم القيامة تنظرين موضع سجودك بكل إطراق وتفكر فيما ترددين من ألفاظ مقتدية بنبيك محمد r الذي كان: «إذا صلى طأطأ رأسه ورمى ببصره نحو الأرض» ( [33] ) تخشين أن ينصرف الله عنك وتستحضرين قوله r : «فإذا صليتم فلا تلتفتوا، فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يتلفت» ( [34] ) . وقوله: « لا يزال الله مقبلاً على العبد وهو في صلاته ما لم يلتفت، فإذا صرف وجهه انصرف عنه» ( [35] ) .
    وتخيلي أنك ترددين هذه الكلمات بين يدي الله يوم القيامة واقفة بين يديه، والكل ينظر إليك؛ ليعلم أي منقلب تنقلبين وإلى أي دار تصيرين، وإذا بك تسبحين الله تنزيهًا له عن كل نقيصة، وتحمدينه على كل نعمة وأعظم نعمة هي نعمة الإيمان الذي أوقفك هذا الموقف بين يديه؛ لتنالي رضاه وتفوزي بجناته، ثم تقرين وتعترفين أن كل ما ذكر اسم الله عليه أو فيه تبارك اسمه، وذلك لبركة اسمه، فهذه صلاتك تبدأ بذكر الله، فإذا بها يتبارك ثوابها، فتكون الحسنة بعشر أمثالها وتكون عن عشر صلوات، فأي بركة بعد هذه البركة، وإذا قلت: وتعالى جدك أيقنت أن الله – سبحانه – عالٍ مقامُه مستغنٍ بنفسه عن عباده وخلقه.
    فإذا تذكرت أن الله يأبى الشرك وهو أغني الشركاء سارعت القول: ولا إله غيرك.
    فأي كلمات أبلغ من هذه الكلمات في مثل هذا المقام، وصلى الله وسلم على من قال: «إن أحب الكلام إلى الله أن يقول العبد سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك» ( [36] ) .
    ولما كان القلب يقسو مما اعتاد سماعه لم يكن رسول الله r يكتفي بهذا الاستفتاح فقد كان يستفتح الصلاة باستفتاحات متعددة.
    فإذا وجدت من نفسك اعتيادًا على هذا الاستفتاح حتى أصبحت تقولينه ولا تشعرين إلا بانتهائه لقوة حفظك له، فلا تستشعرين قوله ولا معناه، وبالتالي تضيعين جزءًا من الصلاة بلا خشوع فعليك باستبداله بغيره من أدعية الاستفتاح وذلك كقوله: «اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقي الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد» وكان يقوله في الفرض ( [37] ) .
    وتخيلي وأنت ترددين هذا الدعاء أنك تقفين بين يدي الله – سبحانه – وقد جمعت خطاياك منذ كلفت حتى مت فإذا بها تبلغ زبد البحر، فإذا اليد تشهد، وإذا الرجل تشهد، وإذا اللسان يشهد وإذا الجلد يشهد بما فعلت واكتسبت وأنت تنظرين للنار وتنظرين للخطايا وتتوقعين أنها سائقتك إلى النار، لا محالة، فتستغيثين بالله وتلجئين إليه فارَّةً من ذنوبك تقولين بلهف وشفقة: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب. وهذا أقصى حد للبعد تعرفينه.
    ولا تكتفين بذلك بل تلحين في الدعاء وتقولين: الله نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس وذلك خشية أن لا يكفيك بعد الذنوب عنك وخشية أن يدرك منها شيء ذلك لعلمك بكثرتها.
    وإنما اختير الثوب الأبيض دون غيره؛ لأن نقاء الأبيض الظاهي لا يكون إلا بالنقاء الحقيقي باطنًا، أما الألوان الأخرى فقد يظهر نقاؤه وهو في الحقيقة يحتفظ بشيء من الدنس، فتسألين الله أن يطهرك بالغسل بالماء والثلج والبرد.
    تخيلي نفسك تلحين بهذا الدعاء يوم القيامة، فإذا تخيلت ذلك وأنت تقرئينه في الصلاة فتخشعين بلا ريب. فإذا اعتادت نفسك على هذا الدعاء وهذا الاستفتاح فاستبدليه بغيره كقوله: «الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا وسبحان الله بكرة وأصيلاً» ( [38] ) . وإذا قرأت هذا الاستفتاح فتذكري أن أبواب السماء تفتح لها – كما ورد في الحديث أن رجلاً من الصحابة استفتح بها فقال رسول الله r : « عجبت لها فتحت لها أبواب السماء» ( [39] ) .
    أبواب السماء التي لا تفتح إلا للملائكة الأبرار المؤمنين الأخيار تفتح لكلمات قلتيها في صلاتك .. سبحان الله .. أبواب السماء بعظمتها تفتح بكلمات يقولها العبد في صلاته، كيف تعلمين أن أبوابًا تفتح بكلمات تقولينها ويبدو لك الكنز العظيم، فتتركين استغلال الفرصة بصعود كلمات أخرى تسالين الله فيها خير الدنيا والآخرة، فليست تفتح أبواب السماء لكل كلمة وليست تفتح لأي أحد، قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ } [الأعراف: 40].
    فالأمر ليس بالهين فكم ملك لا تفتح له أبواب السماء وكم غني لا تفتح له أبواب السماء، وأنت تفتح لك بكلمات، ولكن هذه الكلمات لابد من الإخلاص فيها لا بد أن تخرج من قلب واعٍ، صادق مؤمن.
    وإن وجدت من نفسك اعتيادًا على هذه الاستفتاحات فاستبدليها بغيرها مما ورد في السنة الصحيحة، أسوقها إليك هنا؛ ليسهل عليك استحضارها وقت الصلاة وحفظها.
    «وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا [مسلما] وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم أنت الملك، لا إله إلا أنت [سبحانك وبحمدك] أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنبي جميعًا إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك والخير كله في يديك، والشر ليس إليك [والمهدى من هديت] أنا بك وإليك [لا منجى ولا ملجأ منك إلا إليك] تباركت وتعاليت أستغفرك وأتوب إليك» ( [40] ) .
    «اللهم لك الحمد، أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن، [ولك الحمد، أنت ملك السموات والأرض ومن فيهن] ولك الحمد، أنت الحق، ووعدك الحق وقولك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والساعة حق، والنبيون حق، ومحمد حق، اللهم لك أسلمت، وعليك توكلت، وبك آمنت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك تحاكمت، [أنت ربنا وإليك المصير، فاغفر لي ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت]، [وما أنت أعلم به مني]، أنت المقدم وأنت المؤخر، [أنت إلهي]، لا إله إلا أنت» ( [41] ) .
    «اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراطك المستقيم» ( [42] ) .
    ثم استعيذي بالله من الشيطان الرجيم مستحضرة معنى الاستعاذة، وهو اللجوء إلى الله والاعتصام به، فأنت تريدين الخشوع في صلاتك والشيطان يتربص لك ليوسوس لك، فإذا أردت النجاة من الشيطان ووسوسته فالجائي إلى الله فهو يكفيك، وتأكدي أن الله كافيك ما دمت قلت ذلك مؤمنة موقنة بقدرة الله وغلبته وملكوته.
    والصيغة التي يسن لك أن تستعيذي بها هي «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه، ونفخه، ونفثه» ( [43] ) .
    وكان أحيانًا يستعيذ بقوله: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه» ( [44] ) .
    ثم سمي الله قائلة بسم الله الرحمن الرحيم – ومرادك بذلك أنت تبدئين صلاتك باسم الله وتثنين بالثناء عليه بصفاته التي تليق بجلاله.
    وكل ذلك تقولينه في سرك – الاستفتاح والاستعاذة والبسملة.
    ثم تبدئين قراءة سورة الفاتحة بتلاوة حسنة تحسنين صوتك بها وتخشعين فيها.
    والطريق إلى الخشوع فيها هو بأمور:
    * قراءتها آية آية، أي تقرئين آية ثم تسكتين ثم تقرئين الآية التي بعدها، وذلك اقتداء برسولنا محمد r .
    * استشعري وأنت تقرئين كل آية أنك تخاطبين الله – سبحانه – يرد عليك كل آية، فإذا قلت الحمد لله رب العالمين قال الله – تعالى -: «حمدني عبدي»، وإذا قلت الرحمن الرحيم: قال الله – تعالى -: «أثنى عليَّ عبدي»، وإذا قلت: مالك يوم الدين، قال الله – تعالى -: «مجدني عبدي»، وإذا قلت: إياك نعبد وإياك نستعين، قال الله – تعالى -: «هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل»، وإذا قلت: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال الله – تعالى -: «هذا لعبدي ولعبدي ما سأل» ( [45] ) .
    وأنت في قراءتك للفاتحة تسكتين وتستحضرين الرد في كل آية فتكونين بذلك مشغولة الذهن. بما يزيدك خشوعًا وطمأنينة.
    واحرصي على التأمين بقولك "آمين" بعد قراءة الفاتحة، فإن معناها: "اللهم استجب". وإذا كنت في جماعة وأمنت عند تأمين الإمام فوافق تأمينك تأمين الملائكة غفر لك ما تقدم من ذنبك.
    وقد ورد ذلك في الحديث الصحيح المتفق عليه: «إذا قال أحدكم في الصلاة "آمين" والملائكة في السماء تقول: "آمين" فوافق أحدهما الآخر – غفر له ما تقدم من ذنبه».
    ثم اقرئي بعد الفاتحة سورة أو آيات بحسب ما يتيسر لك وإذا أردت تحقيق الخشوع في صلاتك، فإن أهم ما يمكنك من الخشوع ويزيدك استشعارًا به قراءتك في قيامك، واجتهدي أن تفعلي ما يلي:
    * أن تراعي حالك قبل الصلاة ؛ فإن كنت مهمومة قلقة فاقرئي آيات تفيدك معنى تفريج الله لعبده الصابر، وإن كنت حزينة على دنيا فاتتك فاقرئي ما يزهدك فيها ويصور لك سرعة زوالها، وإن كنت تشعرين بالملل من الحياة وأنت مع ذلك تقصرين في أداء واجباتك فاقرئي ما يحثك على السعي والكسب، وإن كنت خائفة من تقصيرك وتخشين اليأس فاقرئي آيات رحمة الله وتوسعته على عبده بالعفو عنه، وإن كنت في حال مواساة في فقر أو لديك ميت حبيب لك قريب منك فاقرئي آيات نعيم الجنة ووصفها، وهكذا.
    * وأنت في ذلك تحرصين على القراءة المرتلة تقفين عند كل آية. فإن كانت آية رحمة ونعيم سألت الله من رحمته، وإن كانت آية عذاب استعيذي بالله منها، وإن كانت صفة من صفات الله سبحته، وكبرته، وإن كانت آية نعمة من نعم الله من بها على عباده حمدته على ذلك، وهكذا كانت قراءة رسول الله r فقد كان إذا قرأ { أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى } [القيامة: 40] قال: «سبحانك فبلى»، وإذا قرأ { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى } [الأعلى: 1] قال: «سبحانك ربي الأعلى» ( [46] ) .
    * وقد كانت قراءته r ترتيلاً لا هذًّا ولا عجلة بل قراءة مفسرة حَرفًا حرفًا ( [47] ) ، حتى «كان يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها» ( [48] ) .
    * كما عليك أن تحسني صوتك بالقرآن ؛ فإن رسول الله r قال: « زينوا القرآن بأصواتكم [فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنًا]» ( [49] ) .
    واعلمي أن حسن الصوت بالقرآن ليس هو تلك النغمات التي قد تخرج القرآن عن معناه كالمد في غير موضع المد، أو زيادة الغنة للحرف أكثر من حقه، وإنما حسن الصوت هو خفض الصوت في مواضع الخوف والبكاء والتباكي، وإظهار معنى الآيات بحيث يشد السامع للآيات كأنما يخاطب هو بها، وقد قال r : « إن من أحسن الناس أصواتًا بالقرآن الذي إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله» ( [50] ) .
    والحرص في المد في مواضعه يزيد القراءة حسنًا وكانت قراءة رسول الله r مدًا ( [51] ) .
    واحرصي أن تطيلي في هذه القراءة بقدر ما تستطعين، وذلك ليرقَّ قلبك وتزدادي خشوعًا، كما أن طول القراءة وطول القيام أفضل الصلاة وقد قال r : « أفضل الصلاة طول القيام» ( [52] ) .
    * عليك بتفهم ما تقرئين ؛ فما دعاك الله لفعله تعزمين على فعله والمسارعة لفعله، وما دعاك لتركه ونهاك عنه تعزمين على تركه والبعد عنه، وهذا هو التدبر الذي أمر الله به حيث قال: { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } [محمد 24].
    وقال: { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } [النساء: 82].
    واعلمي أنك إذا أردت الخشوع في الصلاة فعليك بإزالة الأقفال التي على قلبك، إذا أردت إزالة هذه الأقفال، فإنها لا تزال إلا بالتدبر لآيات الله.
    ورحم الله الحارث المحاسبي إذ يقول: «وليكن الأصل الذي تطالب من نفسك من الفهم إعظام الله – سبحانه – في قلبك وإجلاله، فإذا قرأت آية فيها تعظيم له أو تنزيه له أو خبر عمن كذب عليه فإن استطعت أن تموت فمت، وروي عن إبراهيم النُّخَعِيِّ أنه كان إذا مر بمثل قوله تعالى: { مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ } [المؤمنون: 91] خفض بها صوته تنزيهًا وخضوعًا للباري – تعالى – من كل شيء ذلك؛ لأن قلب المصلي منير بالصلاة يزداد بها بصائر.
    والذي يصلي ويفهم ما يقرأ؛ ليعرف خطأه وصوابه وعيوبه ونعم الله عليه وكيف شكره وكيف خوفه وحزنه على دينه؛ لأنه يتلو الدلائل على ذلك كله والداعي إليه.
    وينبغي أن يخاف أن يكون ممقوتًا إذ يجد نفسه مخالفة لأشياء من الطاعات وعاملة لأشياء من المعاصي قد اشتبهت عليه، أو ناسيًا الرحمة، إذ لا بد أن يكون قد عمل طاعة قد من الله – عز وجل – بها فيشكره عليها، فكفى للنفس زجرًا تفهمها لما تتلو وتفكرها فيه.
    قال الحسن: «من أحب أن ينظر من هو فليعرض على نفسه القرآن». والمرتل في صلاته مع ما يناله من الرقة وصلاح قلبه لن تخلو من فائدة تلاوته؛ إما معنى تنبه له عقله، أو علم يفيده، أو بصيرة في دينه، ولن يخلو من حجة له أو عليه...» ( [53] ) .
    * إن الصلاة فرصة لتعلم القرآن وحفظه ؛ حيث حثنا على ذلك رسول الله r فقال: « تعلموا كتاب الله وتعاهدوه واقتنوه، وتغنَّوْا به، فوالذي نفسي بيده، لهو أشد تفلتا من المخاض في العقل» ( [54] ) .
    ولكي تحوزي بالخشوع في الصلاة أقول لك: «إياك أن تجعلي قراءتك للآيات مقصورة على قصار السور طوال عمرك، وأنت قادرة على الحفظ فإن الحفظ يورث من الخشوع ما لا يوصف وذلك أنك إذا حرصت على قراءة جديدة من حفظك في صلاتك، فإن صلاتك سيكون لها في نفسك أثر آخر وذلك أنك ستشعرين بمغالبة نفسك وشد ذهنك إلى ما حفظته حديثًا؛ لأنك لا تستطيعين استحضاره بدون ذهن مركز على التذكر وفي ذلك تستطيعين بكل سهولة التخلص من التفكير في غير الصلاة، أما ما حفظته من قصار السور واعتاد عليه لسانك فإنك تستطيعين قراءته بكل سهولة وذلك؛ لأنه لا يحتاج إلى تذكر ولا إلى ذهن حاضر. وبهذا ينطلق لسانك بقراءة قصار السور في الصلاة بينما ينطلق عقلك في واد آخر، فلا تشعرين بمعني الآيات ولا تدركين خشوعًا في صلاتك.
    وإذا كنت عازمة على تعلم القرآن وحفظه فأحسن وسيلة لذلك وأسهلها أن تجلسي في مصلاك قبل الصلاة بعشر دقائق تحفظين آيتين أو ثلاثة بما يعادل سطرين أو ثلاثة أو أربعة، وإذا حفظت هذه الآيات فاقرئيها في صلاتك، وبهذا تحوزين أجر انتظار الصلاة، وأجر الحفظ، وأجر الخشوع حيث تخشعين بما تقرئين من حفظك الجديد أكثر من خشوعك بما اعتدت على حفظه من قصار السور، وقبل أن تبدئي بذلك أذكرك أن لك بكل حرف حسنة والحسنة بعَشر أمثالها، لا أقول "ألم" حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف، فإذا تذكرت ذلك أقبلت بهمة ونشاط وحرص، واعلمي أنك لو فعلت ذلك لاستطعت حفظ القرآن في سنتين، ثم إذا حفظت فعليك بتحري إتباع السنة في القراءة كقراءة الأعراف في المغرب، وقراءة السجدة والدهر في فجر الجمعة، وقراءة المؤمنون في الفجر وهكذا» ( [55] ) .
    الخشوع في الركوع:
    ثم إذا هممت بالركوع بعد انتهاء القراءة ترفعين يديك حذو منكبيك أو حيال أذنيك، وتكبرين استسلامًا لله – سبحانه – حيث أمرك بالركوع واستجابة لله، وفي ذلك تتفكرين، كيف أن الله – تعالى – أمرك بالوقوف بين يديه فوقفت خاضعة مستسلمة، وتتفكرين في التكبير حيث الله أكبر من كل شيء، أكبر منك حيث أخضعك لجلاله وأكبر من أي عظيم أو كبير، فالكل لا بد أن يخضع له اعترافا ربوبيته وألوهيته ثم لا تملكين بعد هذا التكبير إلا أن تقولي سبحان ربي العظيم، وإذا قلت هذه الكلمة فتخيلي الملك الموكل بأعمالك يحسب كم تعظمين الله، فإذا عظمت الله ثلاث مرات واستشعرت أحدًا يكتب ويحسب عن يمينك فلن ترفعي بل ستزداد نفسك حرصًا أن تفتخر عند الملك بأنها تعظم الله كثيرًا، فإذا بك تعظمين الرابعة فإذا أردت الرفع جذبتك نفسك إلى الخامسة حتى يكتب الملك لك ذلك وهلم جرًا ما شاء الله.
    وما أعظمه من ركوع تكونين فيه على هذا الحال، وتذكري نعم الله عليك فسبحيه عليها واحمديه ثم اسأليه المغفرة فأعمالك لا تواجه نعماءه، مع ما عندك من الذنوب، وذلك بقول ما ورد عن النبي r : «سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي».
    واجتهدي وأنت في الركوع بتعظيم الله بجميع أنواع التعظيم لقوله r : «فأما الركوع فعظموا فيه الرب» ( [56] ) .
    ومن أنواع التعظيم التي كان يعظم بها رسول الله r في الركوع- أُورده لتحفظيه ويسهلَ عليك استرجاعُه- ما يلي:
    1- «سبوح قدوس رب الملائكة والروح» ( [57] ) .
    2- «اللهم لك ركعت، وبك أمنت، ولك أسلمت [أنت ربي] خشع لك سمعي وبصري، ومخي وعظمي» وفي رواية: «عظامي وعصبي». «وما استقلت به قدمي لله ربي العالمين» ( [58] ) .
    3- «اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، وعليك توكلت، أنت ربي، خضع سمعي وبصري ودمي وعظمي وعصبي لله رب العالمين» ( [59] ) .
    4- «سبحانك ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة» ( [60] ) .
    واحذري - أخيتي - أن تقرئي شيئًا من القرآن في ركوعك وسجودك وذلك لنهيه r حيث «كان ينهى عن قراءة القرآن في الركوع والسجود» ( [61] ) .
    وإذا سبحت الله ونزهته بما هو أهله فارفعي رأسك وأن وجله في تقصير في التعظيم وتخشين عدم القبول، فإذا قلت: «سمع الله لمن حمده» ورفعت يديك حذو منكبيك اطمأن قلبك بأن الله يسمع حمدك ولن تبخسي شيئًا فتحمدين الله على ذلك قائلة: «ربنا ولك الحمد»، حمدًا على حمدك إياه وحمدًا على سماعه لك. لذا فلا يليق بالله على هذه النعمة إلا حمد عظيم ليس بعده حمد تقولين «ملء السموات والأرض وملء ما بنيهما وملء ما شئت من شيء بعد» حمد عظيم حمد به خير المرسلين، فلا يفوتك أن تتذكري وأنت تحمدين الله به أنه لا يقابل آلاءه ولا يوازي نعمه وذلك حق الله وهو أهله فتقولين: «أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد» وهذا المقام مقام الربوبية مقام مستحق العبودية مقام الله الذي لا إله معه ولا ندَّ له.
    وذلك وارد عن رسول الله r قال r : « ملء السموات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، [اللهم] لا مانع لما أعطيت [ولا معطي لما منعت]، ولا ينفع ذا الجد منك الجد» ( [62] ) .
    وتذكري أن الملائكة يصطفون لسماع حمدك ويبتدرونه أيهم يكتبه، فقد قال رجل من الصحابة كان يصلي خلف رسول الله r : «ربنا لك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه». وذلك بعد أن قال رسول الله r «سمع الله لمن حمده» فلما انصرف رسول الله r قال: «من المتكلم آنفًا؟» فقال الرجل: أنا يا رسول الله، فقال رسول الله r : « لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها أولاً» ( [63] ) .
    ***

المتواجدون الآن 1. الأعضاء 0 والزوار 1.

أكبر تواجد بالمنتدى كان 2,525, 26-09-2016 الساعة 21:58.

شاركي الموضوع

تقليص

يعمل...
X