الشرك تعريفه الوانه صوره

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الشرك تعريفه الوانه صوره

    ان الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا وأشهد ان لا اله الا الله وأشهد ان محمدا عبد الله ورسوله ثم أما بعد ..
    هذا موضوع
    قد أعاننى الله على جمعه وهو فى تعريف الشرك وفيه رد على من يجوزون الدعاء والاستغاثة بغير الله أسأل الله ان ينفع به المسلمين
    وان يهدي به التائهين في ظلمات الشرك والمشركين .
    تعريف الشرك من كتب علماء السلف

    - قال الزهري الشافعي (( والشرك أن تجعل لله شريكاً في ربوبيته )) تهذيب اللغة (10 /12(

    - وقال الراغب الاصفهانى ( الشرك العظيم هو إثبات شريك لله تعالى يقال أشرك فلان با لله وذلك أعظم كفر )) المفردات للاصبهاني
    -وقال الحافظ ابن كثير (( الشرك الأعظم أن يعبد مع الله غيره )) سورة يوسف آية (106) التفسير (2/512)
    يستفاد مما تقدم أن الشرك : هو أن تجعل شريكا لله تعالى في ربوبيته أو إلهيته والغالب الإشراك في الألوهية بأن يدعوا مع الله غيره أو يصرف له شيئاً من أنواع العبادات كالذبح والنذر والخوف والرجاء والمحبة وغيرها من العبادات والقربات .

    - قال ابن كثير (( فإن غالب الأمم كانت مقرة بالصانع ولكن تعبد معه غيره من الوسائط التي يظنونها تنفعهم أو تقربهم من الله زلفى )

    - قال الإمام الطبري عند قوله تعالى:
    [ وَإِذَا مَسَّ الإنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ)
    إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن
    قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ
    [الزمر8].(تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارقال الطبري « كانت العرب تقر بوحدانية الله غير أنها كانت تشرك به في عبادته » (تفسير الطبري 1/128(

    - وقال الإمام ابن كثير عند تفسير قوله تعالى (( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون )) قال ابن عباس من إيمانهم أنهم إذا قيل لهم : من خلق السموات ومن خلق الأرض ومن خلق الجبال ،قالوا الله وهم مشركون به . وكذا قال مجاهد وعطاء وعكرمة.

    - وفي الصحيحين: أن المشركين كانوا يقولون في تلبيتهم لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك

    - وفي صحيح مسلم أنهم كانوا إذا قالوا لبيك لا شريك لك. قال رسول اللهـ صلى الله عليه وسلم ـ (( قد قد )) أي حسب حسب لا تزيدوا على هذا )) سورةيوسف آية (106) (3/512)

    - وقال الحافظ ابن حجر (( وقال عكرمة في قوله تعالى (( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ))
    قال يسألهم من خلقهم و من خلق السموات و ألأرض؟
    فيقولون الله , فذلك إيمانهم وهم يعبدون غيره )) وذكر نحوه عن ابن عباس كما مر معنا سابقاً الفتح (13/ 490)
    باب قوله تعالى (( فلا تجعلوالله
    أنداداً
    )) وراجع تفسير ابن كثير عند قوله تعالى (( ولئن سألتهم من خلقالسموات والأرضليقولن الله )9 الزخرف .

    - وهذا الإيمان الذي أقرت به غالب الأمم أطلق عليه العلماء توحيد الربوبية : وهو إفراد الله بالخلق والملك والتدبير .
    وإيمانهم بتوحيد الربوبية فقط لا يكفي لذلك لم يدخلهم في الإسلام .
    والتوحيد الذي نازع فيه المشركون الرسلَ هو توحيد الالوهيه : وهو إفراد الله بالعبادة.
    ** وهذا هو معنى لااله إلا الله أي لا معبود بحق إلا الله. قال تعالى ( ولقد بعثنا في كل أمة رسول أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت )

    قال الإمام ابن كثير عند قوله تعالى (( ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس و القمر ليقولن الله فأنى يؤفكون)) آية ( 61 )
    [ يقول تعالى مقرراً أنه لا إله إلا هو لأن المشركين الذين يعبدون غيره معترفون بأنه المستقل بخلق السموات والأرض و الشمس والقمر وتسخير الليل والنهار وأنه الخالق الرازق لعباده ومقدر آجالهم ..... فذكر أنه المستقل بخلق الأشياء المنفرد بتدبيرها فإذا كان الأمر كذلك فلم يُعبد غيره ؟ ولم يتوكل على غيره ؟
    فكما أنه الواحد في ملكه فليكن الواحد في عبادته،


    - وكثيرا ما يقرر تعالى مقام الإلهية بالإعتراف بتوحيد الربوبية وقد كان المشركون يعترفون بذلك كما يقولوا في تلبيتهم لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك )).

    معنى لا إله إلا الله

    - قال الخطيب الشربيني عند شرحه لمقدمة كتاب المنهاج (لا إله) أي لا معبود بحق في الوجود إلا الله ) مغني المحتاج(1/13)

    - وقال السيوطي عند تفسير آية الكرسي (الله لا إله إلا هو)(أي لا معبود بحق في الوجود إلا هو ) .

  • #2
    من صور والوان الشرك التي مارسها الجاهليون الاولون ويمارسها كثير من المنتسبين :

    1-من جَعلَ ُ بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة

    قال تعالى ( والذين اتخذوا من دون الله أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) الزمر(3 )
    - قال الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية أي إنما يحملهم على عبادتهم لهم أنهم عمدوا إلى أصنام اتخذوها على صورة الملائكة المقربين في زعمهم فعبدوا تلك الصور تنزيلا لذلك منزلة عبادتهم الملائكة ليشفعوا لهم عند الله تعالى في نصرهم ورزقهم وما ينوبهم من أمور الدنيا فأما المعاد فكانواجاحدين له كافرين له ،قال قتادة والسدي ومالكعن زيد بن أسلم وابن زيد (( إلا ليقربونا إلى الله زلفى )) إي ليشفعوالنا ويقربونا عنده منزلة ولهذا كانوا جاحدين له كافرين يقولون في تلبيتهم إذاحجوا في جاهليتهم لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك ،وهذه الشبهة هي التي اعتمدها المشركون في قديم الدهر وحديثه وجاءتهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين بردها والنهي عنها والدعوة إلى إفرادالله وحده لا شريك له وأن هذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم لم يأذنالله فيهولا رضي به، بل أبغضه ونهى عنه.
    وأخبر أن الملائكة التي في
    السموات منالملائكة المقربين وغيرهم كلهم عبيد خاضعون لله لا يشفعون عنده إلا بإذنه لمن ارتضى وليسوا عنده كالأمراء عند ملوكهم يشفعون عنده بغيرإذنهم فيماأحبه الملوك وأبوه ((فلا تضربوا لله الأمثال )) تعالى الله عنذلك علواًكبيرا .



    - وذكر التفتازاني أن شرك المشركين وقع حين « مات منهم من هوكاملالمرتبة عند الله اتخذوا تمثالاً على صورته وعظموه تشفعاً إلى الله تعالىوتوسلاً» (شرح المقاصد4/ 41).


    - وهذا ما يؤكده العلماء دائماً أن نوع شرك المشركين السابقين: هو شرك تشفع وتوسل بالصالحين ليقربوهم إلى الله زلفى. [ يونس \ 1]
    [ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ)



    - وقال الفخر الرازي الشافعي رحمه الله في تفسيره (17/59 (
    ((اختلفوا في أنهم قالوا في الأصنام أنهم شفعاؤنا عند الله.....
    فذكر صور منها قوله : ((... ورابعها أنهم وضعوا هذه الأصنام والأوثان على صورةأنبيائهم وأكابرهم وزعموا متى اشتغلوا بعبادة هذه التماثيل فإن أولئك الأكابر تكون شفعاء لهم عند الله ونظيره في هذا الزمان اشتغال كثير من الخلق بتعظيم قبور ألأكابر على اعتقادهم أنهم إذا عظموا قبورهم فإنهم يكونون لهم شفعاء عند الله ) .


    - وقال أيضاً في تفسيره (25/254): (( واعلم أن المذاهب المفضية إلى الشرك أربعة......) فذكر ثلاثة ثم قال ( و رابعها قول من قال :أن نعبد الأصنام التي هي صور الملائكة ليشفعوا لنا . فقال تعالى في إبطال قوله ( ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له )) فلا فائدة لعبادتكم غير الله فإن الله لا يأذن في الشفاعة لمن يعبد غيره فبطلبكم الشفاعة تفوتون على أنفسكم الشفاعة)
    فتأمل :أن من طلب الشفاعة فوت على نفسه الشفاعة التي تكون يوم القيامة لأنها لا تنال إلا بالتوحيد.

    - وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى (( وأن الوثني إذا قال:لا إله إلاالله فإن كان يزعم أن الوثن شريك لله تعالى صار كافرا وإن كان يرى أن الله تعالى هو الخالق ويعظم الوثن لزعمه أنه يقربه إلى الله تعالى لم يكن مؤمناً حتى يتبرأ من عبادة الوثن ))(7/303) كتاب الردة من كتاب روضة الطالبين للإمام النووي.

    تعليق


    • #3
      3- الســـجود لغير الله

      قال البقاعي في نظم الدرر - (2 / 1103)
      فمن ذبح لغيره من حيوان أو جماد كالصنم على وجه التعظيم والعبادة لم تحل ذبيحته , وكان فعله كفراً كمن سجد لغيره سجدة عبادة .

      وفي حاشية البجيرمي على الخطيب – (12 / 413) باب الردة :
      قَوْلُهُ : ( وَسُجُودٌ لِمَخْلُوقٍ كَصَنَمٍ ) إلَّا لِضَرُورَةٍ بِأَنْ كَانَ فِي بِلَادِهِمْ مَثَلًا وَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ وَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ وَخَرَجَ بِالسُّجُودِ الرُّكُوعُ فَلَا يَكْفُرُ بِهِ مَا لَمْ يَعْتَقِدْ التَّشْرِيكَ أَوْ قَصَدَ بِالرُّكُوعِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعْظِيمَهُ كَتَعْظِيمِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ...
      وَسُجُودُ غَيْرِ أَسِيرٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِحَضْرَتِهِمْ لِصَنَمٍ , وَخَرَجَ بِالسُّجُودِ الرُّكُوعُ لِوُقُوعِ صُورَتِهِ لِلْمَخْلُوقِ عَادَةً وَلَا كَذَلِكَ السُّجُودُ نَعَمْ يَتَّجِهُ أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فَإِنْ قَصَدَ تَعْظِيمَ مَخْلُوقٍ بِالرُّكُوعِ كَمَا يُعَظِّمُ اللَّهَ بِهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي الْكُفْرِ حِينَئِذٍ ا هـ حَجّ .
      وَالْحَاصِلُ أَنَّ الِانْحِنَاءَ لِمَخْلُوقٍ كَمَا يُفْعَلُ عِنْدَ مُلَاقَاةِ الْعُظَمَاءِ حَرَامٌ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ أَوْ قَصْدِ تَعْظِيمِهِمْ لَا كَتَعْظِيمِ اللَّهِ وَكُفْرٌ إنْ قَصَدَ تَعْظِيمَهُمْ كَتَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى .


      وفي مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر - (4 / 205)
      [ وفي التنوير وتقبيل يد نفسه مكروه كتقبيل الأرض بين يدي العلماء والسلاطين فإنه مكروه والفاعل والراضي آثمان لأنه يشبه عبادة الوثن هذا على وجه التحية فلو كان على وجه العبادة يكفر وكذا من سجد له على وجه التحية لا يكفر ولكن يصير آثما مرتكبا للكبيرة . وفي الظهيرية أنه يكفر بالسجدة مطلقا وقال شمس الأئمة السرخسي السجود لغير الله تعالى على وجه التعظيم كفر . وفي الاختيار ومن أكره على أن يسجد للملك أفضل أنه لا يسجد لأنه كفر . ولو سجد عند السلطان على وجه التحية لا يصير كافرا . وفي القهستاني الإيماء في السلام إلى قريب الركوع كالسجود . وفي العمادية ويكره الانحناء لأنه يشبه فعل المجوس وفي القهستاني يكره عند الطرفين إلا عند أبي يوسف . .

      وفي الدرر السنية في الأجوبة النجدية - (10 / 156)
      ومن أنواع العبادة: الصلاة، فلا يصلى إلا لله، ولا يسجد ولا يركع إلا لله وحده، قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ} ، الآية وقال تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}
      ومن أنواع العبادة: النسك وهو الذبح، فلا يجوز أن يتقرب العبد بالذبح لأحد سوى الله تعالى، قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ} 4 الآية، وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} أي: أخلص لربك الصلاة والنحر، بلا شريك له في ذلك، وقال النبي: صلى الله عليه وسلم " لعن الله من ذبح لغير الله ".وقد قرن الله بين هاتين العبادتين: الصلاة والنسك ، في هاتين الآيتين ؛ فإذا كان من صلى لغير الله، أو ركع لغير الله، أو سجد لغير الله، فقد أشرك في عبادة الله غيره، فكذلك من ذبح القربان لغير الله، فقد أشرك في عبادة الله غيره.

      وفي مجموعة الرسائل والمسائل النجدية - (2 / 428)
      فصل : وأما كلام الحنفية فقال في كتاب تبين المحارم المذكورة في القرآن: باب الكفر: .... واعلم أن ما يلزم به الكفر أنواع: فنوع يتعلق بالله -سبحانه-، ونوع يتعلق بالقرآن وسائر الكتب المنزلة، ونوع يتعلق بنبينا صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء والملائكة والعلماء، ونوع يتعلق بالأحكام. فأما ما يتعلق به -سبحانه- إذا وصف الله -سبحانه- بما لا يليق به، بأن شبه الله -سبحانه- بشيء من المخلوقات، أو نفى صفاته، أو قال بالحلول، أو الاتحاد، أو معه قديم غيره، أو معه مدبر مستقل غيره، أو اعتقد أنه -سبحانه- جسم أو محدث، أو غير حي، أو اعتقد أنه لا يعلم الجزئيات، أو سخر باسم من أسمائه، أو أمر من أوامره، أو وعده ووعيده، أو أنكرهما، أو سجد لغير الله تعالى، أو سب الله -سبحانه-، أو ادعى أن له ولداً أو صاحبة، أو أنه متولد من شيء كائن عنه، أو أشرك بعبادته شيئاً من خلقه، أو افترى على الله -سبحانه وتعالى- الكذب بادعائه الإلهية والرسالة .. ]

      4_ الذبح لغير الله

      والذبح لغير الله شرك هو الذبح للغير تعبداً أو تقرباً لهكالذبح للأولياء و الصالحين وأما الذبح للغير بنيه إكرامه فلا شيء فيه بلهو مأمور به وأما الذبح بنية الاستمتاع باللحم فهنا أقل أحواله الإباحة .


      قال الإمام النووي

      ((وأما الذبح لغير الله فالمراد به أن يذبح باسم غيرالله كمن ذبح للصنم أو الصليب أو لعيسى أو لموسى (صلى الله عليهما ) أوللكعبة ونحو ذلك فكل هذا حرام ولا تحل هذه الذبيحة سواء كان الذابح مسلماًأو نصرانياً أو يهودياً نص عليه الشافعي واتفق عليه ألأصحاب فإن قصد مع ذلك تعظيم المذبوح له غير الله تعالى والعبادة له كان ذلك كفراً ، فإن كان الذابح مسلماً قبل ذلك صار بالذبح مرتداً]

      وقال الإمام الرافعي الشافعي في شرحالوجيز 12/84

      ((اعلم أن الذبح للمعبود و باسمه نازل منزلة السجود له وكل واحد منهما نوع من أنواع التعظيم والعبادة المخصوصة بالله تعالى الذي هو المستحق للعبادة )




      5 - النذر لغير الله :

      قال العلامة القاسمي في محاسن التأويل :
      القول في تأويل قوله تعالى :
      { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } [ 5 ]
      قال الطبري : أي : لك ، اللهم نخشع ونذل ونستكين . إقراراً لك بالربوبية لا لغيرك - قال - والعبودية عند جميع العرب أصلها الذلة ، وأنها تسمِّي الطريق المذلل الذي قد وطئته الأقدام ، وذلّلته السابلة : معبّداً ، ومنه قيل للبعير المذلل بالركوب في الحوائج : معبّد ، ومنه سمي العبد : عبداً ؛ لذلته لمولاه انتهى .
      وفيه إعلام بما صدع به الإسلام من تحرير الأنفس لله تعالى وتخليصها لعبادته وحده . أعني : أن لا يشرك شيئاً ما معه ، لا في محبته كمحبته ، ولا في خوفه ، ولا في رجائه ، ولا في التوكل عليه ، ولا في العمل له ، ولا في النذر له ، ولا في الخضوع له ، ولا في التذلل والتعظيم والسجود والتقريب ، فإن كل ذلك إنما يستحقه فاطر الارض والسماوات وحده ، وذلك أن لفظ العبادة يتضمن كمال الذل بكمال الحب ، فلا بد أن يكون العابد محبّاً للإله المعبود كمال حب ، ولا بد أن يكون ذليلاً له كمال الذل ، وهما لا يصلحان إلا له وحده . فهو الإله المستحق للعبادة ، الذي لا يستحقها إلا هو ، وهي كمال الحب والذل والإجلال والتوكل والدعاء بما لا يقدر عليه إلا هو ، تعالى . ]



      _ وقال ايضاً رحمه الله تعالى عند اية 75 من الاسراء :
      من الفوائد الجليلة في هذه الآية ، أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك ، بعد القدرة على هدمها وإبطالها يوماً . فإنها شعائر الكفر والشرك . وهي أعظم المنكرات ، فلا يجوز الإقرار عليها مع القدرة البتة . وهكذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثاناً وطواغيت تعبد من دون الله . والأحجار التي تقصد للتعظيم والتبرك والنذور والتقبيل ، لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض ، مع القدرة على إزالته . وكثير منها بمنزلة اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ، وأعظم شرك عندها وبها . فإن اللات - على ما نقله ابن خزيمة عن مجاهد - رجل كان يلت لهم السويق فمات . فعكفوا على قبره يعبدونه ويعظمونه . ولم يقولوا : إن اللات خلقت السماوات والأرض ، بل كان شركهم باللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى كشرك أهل الشرك من أرباب المشاهد بعينه ، من النذور لها ، والشرك بها ، والتمسح بها ، وتقبيلها ، واستلامها . وما طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مجرد مس آلهتهم ، كما قالوا نؤمن بك إن تمس آلهتنا ، وما التمسوا منه إلا التمتيع باللات سنة من غير عبادة ، فتوعد بهذا الوعيد الشديد والتهديد الأكيد أن لو ركن إليهم . فالرزية كل الرزية ما ابتلي به القبوريون من أهل هذا الزمان . فإنهم لم يدعوا شيئاًً مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام ، إلا فعلوه بالقبور . ]

      وقال الالوسي _ رحمه الله تعالى _ في روح المعاني - (17 / 212)
      وفي قوله تعالى : إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا الخ إشارة إلى ذم الغالين في أولياء الله تعالى حيث يستغيثون بهم في الشدة غافلين عن الله تعالى وينذرون لهم النذور والعقلاء منهم يقولون : إنهم وسائلنا إلى الله تعالى , وإنما ننذر لله عز و جل ونجعل ثوابه للولي , ولا يخفى أنهم في دعواهم الأولى أشبه الناس بعبدة الأصنام القائلين إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله الله زلفى ودعواهم الثانية لا بأس بها لو لم يطلبوا منهم بذلك شفاء مريضهم أو رد غائبهم أو نحوذلك والظاهر من حالهم الطلب ويرشد إلى ذلك أنه لو قيل : انذروا لله تعالى واجعلوا ثوابه لوالديكم فإنهم أحوج من أولئك الأولياء لم يفعلوا ورأيت كثيرا منهم يسجد على أعتاب حجر قبور الأولياء ومنهم من يثبت التصرف لهم جميعا في قبورهم لكنهم متفاوتون فيه حسب تفاوت مراتبهم والعلماء منهم يحصرون التصرف في القبور في أربعة أو خمسة وإذا طولبوا بالدليل قالوا : ثبت ذلك بالكشف قاتلهم الله تعالى ما أجهلهم وأكثر افترائهم ومنهم من يزعم أنهم يخرجون من القبور ويتشكلون بأشكال مختلفة وعلماؤهم يقولون : إنما تظهر أرواحهم متشكلة وتطوف حيث شاءت وربما تشكلت بصورة أسد أو غزال أو نحوه وكل ذلك باطل لا أصل له في الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة وقد أفسد هؤلاء على الناس دينهم وصاروا ضحكة لأهل الأديان المنسوخة من اليهود والنصارى وكذا لأهل النحل والدهرية نسأل الله تعالى العفو والعافية ] اهـ .

      وقال الامام الرازي في تفسيره ـ (4 / 184)


      قوله تعالى [ فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ( البقرة 22 ) اختلفوا في المراد بالأنداد على أقوال أحدها أنها هي الأوثان التي اتخذوها آلهة لتقربهم إلى الله زلفى ورجوا من عندها النفع والضر وقصدوها بالمسائل ونذروا لها النذور وقربوا لها القرابين وهو قول أكثر المفسرين .... ]

      _ [ و قال التهانوي (1362هـ): مبينا أن القبورية أشد خوفا من الأموات* منهم من رب البريات*: إن كثيرا من عابدي القبور، بسبب تعظيم قبور الأولياء، وإرخاء الستور عليها- حصل لهم الضرر العظيم في اعتقادهم، حتى اعتقدوا في الأولياء التأثير مع الله، فتراهم يتركون النذر لله، وأكثروا النذور للأولياء، والتقرب إليهم، ...
      ثم ذكر عن بعض علماء الروم وقضاتهم الموصوفين بالعلم والصلاح:
      أنه قال: " لو مكنت من هدم قبور الأولياء لهدمتها، كما فعل عمر بشجرة الرضوان، والمصيبة: أن فقهاء القرى يأمرون العوام عند توجه الحلف بالولي، ويقولون: إن فيه إظهارا للحق!؛ فانظر إلى هؤلاء الفقهاء [السفهاء] كيف يتوسلون إلى إظهار حق الخصم الدنيوي، بضياع الدين من أصله؛ [ لأن من نذر لغير الله ، أو حلف بغير الله، أو سجد لغير الله- فهو مشرك بالله ]. نقلا عن كتاب جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية لابي عبد الله شمس الدين الأفغاني (المتوفى : 1420هـ) - (جـ 2 / 1225)


      وفيه ايضا - (3 / 1555)

      وقال الإمام محمود الآلوسي مفتي الحنفية ببغداد (1270هـ) .وتبعه غلام الله الملقب بشيخ القرآن (1980م) ، في بيان وجود الشرك في المنتسبين إلى الإسلام وبيان فضائح القبورية ، وأن القبورية يعبدون القبور وأهلها بأنواع من العبادات ، منها النذر لها ولأهلها ، وأنه إشراك بالله تعالى ، لأنه عبادة ، وعبادة غير الله شرك ، وأن القبورية قد كثروا في هذه الأمة حتى صاروا أكثر من الدود ، وذلك في تفسير قوله تعالى : { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ } [يوسف : 106 ] ومن أولئك عبدة القبور الناذرون لها ، المعتقدون للنفع والضر [ في أهلها ] ممن الله أعلم بحاله فيها [ أي في القبور ] ، وهم اليوم أكثر من الدود ) . وقال العلامة الرباطي : (ثم اعلم أن بيان هذا المرام - أعني أن المنذورات لغير الله وكل ما أهل لغير الله به - فهو حرام قطعاً ونجس ، ليس حرمته دون حرمة الكلب والخنزير - من وجهين : الأول : أن ذلك عبادة ، وقد عرفت أن العبادة مطلقاً من حقوق الله ، فإعطاؤها لغير الله كفر صريح وشرك قبيح .
      والثاني : أن النصوص القرآنية قد وردت في تحريمها بخصوصها فكانت محرمة من هذا الوجه أيضاً) وقال الشيخ الرستمي : (فالنذر لله عبادة له تعالى ، كما قال جمهور الفقهاء ، فمن نذر لغير الله تعالى فقد عبد غير الله ، والعبادة لغير الله كفر وشرك ، والتجربة شاهدة بأن النذر إنما يكون لمن يرجى منه كشف المهمات * ودفع البليات وإنجاح الحاجات ... فمن ينذر لغير الله فهو يعتقد أن ذلك الغير يشفي مرضي ، ويجيب دعوتي وينجح حاجتي ؛ ورجاء إنجاح الحاجات من غير الله شرك . ] اهـــ .

      تعليق


      • #4
        احسن الله اليك واثابك ثوابا حسنا ..
        قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
        فأهل الإسلام في الناس غرباء، والمؤمنون في أهل الإسلام غرباء، وأهل العلم في المؤمنين غرباء، وأهل السنة -الذين يميزونها من الأهواء والبدع- فهم الغرباء، والداعون إليها الصابرون على أذى المخالفين هم أشد هؤلاء غربة، ولكن هؤلاء هم أهل الله حقاً، فلا غربة عليهم، وإنما غربتهم بين الأكثرين، الذين قال الله عز وجل فيهم : وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ {الأنعام: 116}

        تعليق


        • #5
          هذا بحث مختصر في بيان جواز التوسل والتبرك وأن ذلك ليس شركا

          بيان معنى العبادة وأن مجرد التوسل والتبرك والاستغاثة بالأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين ليس شركا وبيان مشروعية زيارة قبورهم



          بسم الله الرحمن الرحيم




          الحمد لله الذي منّ علينا برسوله، وهدانا به إلى سواء سبيله، وأمرنا بتعظيمه وتكريمه وتبجيله، وفرض على كلّ مؤمن أن يكون أحبّ إليه من نفسه وأبويه وخليله، وجعل اتباعه سببا لمحبة الله وتفضيله، ونصب طاعته عاصمة من كيد الشيطان وتضليله، ويغني عن جملة القول وتفصيله ما أثنى عليه الله في محكم الكتاب وتنزيله، صلى الله عليه وسلم صلاة دائمة بدوام طلوع النّجم وأفوله.




          إن طائفة من المتنطعين، ومن حذا حذوهم، قد أكثروا الصراخ والضجيج، وزعموا أن من زار قبرا من قبور الأنبياء أو الأولياء، وتوسل بصاحبه إلى الله أو استشفع به لديه خرج من زمرة الموحدين، ودخل في عديد المشركين، كبرت كلمة تخرج من أفواههم أن يقولون إلا كذبا، فرقوا بذلك بين جماعة المسلمين، أينما ذهبت وجدتهم يكفرون أصحاب التوسل والزيارة، بآيات حرفوها عن موضعها، فلبسوا على العامة أمر دينهم بما ألقوا إليهم من دعاوى كاذبة وأقاويل باطلة، فعظمت بهم الفتنة.

          فكان لا بد من بيان الحق من الباطل والصحيح من الزائف.




          اعلم أنه لا دليل حقيقي يدل على عدم جواز التوسل والاستغاثة بالأنبياء والأولياء في حال حياتهم أو بعد وفاتهم بدعوى أن ذلك عبادة لغير الله، لأنه لا ينطبق عليه تعريف العبادة عند علماء اللغة، لأن العبادة عندهم الطاعة مع الخضوع.

          كثر في هذا الزمن المفترون على الدين الحنيف وقد حرموا ما أحل الله تعالى وأحلوا ما حرم الله تعالى ومن الافتراءات تحريمهم التوسل والاستغاثة بالأنبياء والمرسلين، والذي أدى بهم إلى ذلك هو جهلهم بمعنى العبادة الواردة في نحو قوله تعالى :إياك نعبد وإياك نستعين وقوله تعالى حكاية عن المشركين : {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} فالعبادة في لغة العرب هي ما عرّفها به علماء اللغة، فقد عرفها الإمام اللغوي الشهير الزجاج بقوله : العبادة في لغة العرب الطاعة مع الخضوع اهـ.

          فالاعتقاد بالتوسل بالأنبياء والمرسلين بل وبالصالحين حق ثابت بالكتاب وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع الصحابة ومن قال أنه شرك فهو جاهل أو ضال ومضلّ لأن التوسل مطلوب وحسن شرعا بل هو مأمور به من الله، قال الله تعالى :{ وابتغوا إليه الوسيلة} فالوسيلة كل ما يتوسل به أي يتقرب به إلى الله تعالى ممن له منزلة عند الله أو من الأعمال الصالحة ولا شك أن الأنبياء والمرسلين والصالحين لهم عند الله قدر ومنزلة. فالتوسل هو طلب حصول منفعة أو اندفاع مضرّة من الله بذكر اسم نبي أو ولي إكراما للمتوسَّل به والله تعالى جعل أمور الدنيا على الأسباب والمسبّبات وهو قادر على تحقيقها بدون هذه المسببات. فالله تعالى هو خالق الأسباب ومسبباتها، جعل الأدوية أسبابا للشفاء، وهو خالق الأدوية وخالق الشفاء بها، كذلك جعل الله تعالى التوسل بالأنبياء والأولياء سببا لنفع المتوسل.

          وقد جعل الله سبحانه وتعالى من الأسباب المعينة لنا لتحقيق مطالب لنا التوسل بالأنبياء والأولياء في حال حياتهم وبعد مماتهم، فنحن نسأل الله بهم رجاء تحقيق مطالبنا، فنقول اللهم إني أسألك بجاه رسول الله أو بحرمة رسول الله أن تقضي حاجتي وتفرّج كربي، أو بجاه سيدي عبد القادر الجيلاني ونحو ذلك، فإنّ ذلك جائز وكذلك مناداتهم جائزة في حال حضرتهم وفي حال غيبتهم كقول : يا رسول الله أو يا سيدي عبد القادر أو نحو ذلك، فكل ذلك جائز وإن حرمه بعض من شذّ عن أهل السنّة .

          أقول إن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم جائز في كل حال، قبل خلقه وبعد خلقه، في مدة حياته في الدنيا وبعد موته، في مدة البرزخ وبعد البعث.

          فقد ورد في كل من هذه الأحوال خبر صحيح، أما الحالة الأولى قبل خلقه صلى الله عليه وسلم ما رواه الحاكم في كتابه المستدرك على الصحيحين وفخر الدين الرازي في التفسير الكبير والحافظ ابن كثير في تفسيره، في تفسير قوله تعالى : {كانوا يستفتحون على الذين كفروا}، أي كان اليهود يقولون اللهم إنا نستنصرك بحق النبي الأمي صلى الله عليه وسلم. وكذلك ما رواه الطبراني في المعجم الصغير والحاكم في كتابه المستدرك على الصحيحين عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “لما اقترف ءادم الخطيئة قال يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي، فقال الله تعالى يا ءادم وكيف عرفت محمدا ولم اخلقه، قال يا رب لأنك لما خلقتني بيدك-أي بقدرتك-ونفخت في من روحك-أي الروح التي خلقت-رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبا : لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعرفت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك. فقال الله تعالى : صدقت يا ءادم إنه لأحب الخلق إلي وإذ سألتني بحقه فقد غفرت لك ولولا محمد ما خلقتك.

          قال الحاكم :هذا حديث حسن صحيح الإسناد.

          فهذا الحديث دليل على جواز التوسل بالأنبياء وأن ذلك ليس شركا لأن المتوسل هو ءادم عليه السلام الذي هو من الأنبياء والمرسلين ولا شك أن الأنبياء والمرسلين معصومون من الشرك والكفر قبل النبوة وبعدها.

          الحالة الثانية بعد خلقه عليه الصلاة والسلام في مدة حياته، فمن ذلك ما رواه الترمذي في جامعه أن رجلا ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : أدع الله أن يعافيني، قال عليه الصلاة والسلام : “إن شئت دعوت وإن شئت صبرت، فهو خير لك“ ، قال : فادعه، قال : فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء : “اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي لتقضى لي، اللهم شفعه في“، قال الترمذي هذا الحديث حسن صحيح، ورواه النسائي والبيهقي في دلائل النبوة وابن ماجه.

          الحالة الثالثة أن يتوسل به عليه الصلاة والسلام بعد موته، فمن ذلك ما رواه الطبراني في المعجم الكبير وساق إسناده إلى عثمان بن حنيف رضي الله عنه أنه رأى رجلا يختلف إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه في حاجة له، فكان أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلقي هذا الرجل عثمان بن حنيف فشكى ذلك إليه، فقال له عثمان بن حنيف : ائت الميضأة فتوضأ ثم ائت المسجد فصل فيه ركعتين، ثم قل : اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضى لي ثم رح حتى أروح معك، فانطلق الرجل فصنع ما قال ثم أتى باب عثمان بن عفان رضي الله عنه فجاء البواب فأخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان رضي الله عنه فأجلسه على طنفسته-أي سجادته-فقال : ما حاجتك ؟ فذكر له حاجته، فقضى له حاجته وقال : ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة،ثم خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال : جزاك الله خيرا ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إليّ حتى كلمته فيّ. فقال عثمان بن حنيف : والله ما كلمته ولكن شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أتاه ضرير فشكى إليه ذهاب بصره، فقال عليه الصلاة والسلام : “إن شئت صبرت وإن شئت دعوت لك“، قال : يا رسول الله إنه شق علي ذهاب بصري وإنه ليس لي قائد فقال له عليه الصلاة والسلام : “ائت الميضأة فتوضأ وصل فيه ركعتين، ثم قل : اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضى لي“، ففعل الرجل ما قال. قال عثمان بن حنيف رضي الله عنه : والله ما تفرقنا ولا طال بنا المجلس حتى دخل علينا الرجل وقد أبصر كأنه لم يكن به ضر قط.قال الطبراني : والحديث صحيح.وهذا الحديث رواه أيضا الإمام البيهقي والإمام السبكي في كتابه شفاء السقام.

          ففي هذا الحديث دليل أن الأعمى توسل بالنبي في غير حضرته بدليل قول عثمان بن حنيف : حتى دخل علينا الرجل، وفيه دليل أيضا أن التوسل بالنبي جائز في حال حياته وبعد مماته.

          وكذلك من الأدلة على جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته ما رواه البيهقي بإسناد صحيح عن مالك الدار وكان خازن عمر قال : أصاب الناس قحط (أي وقعت مجاعة) في زمان عمر (أي لما كان الخليفة) فجاء رجل من الصحابة إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا فأتي الرجل في المنام فقيل له : أقرئ عمر السلام وأخبره أنهم يسقون، وقل له : عليك الكيس الكيس (أي عليك بالاجتهاد بالسعي في خدمة الأمة). فأتى الرجل عمر فأخبره، فبكى عمر وقال : يا رب ما ءالو إلا ما عجزت (أي سأفعل ما في وسعي لخدمة الأمة). وهذا الصحابي الذي قصد قبر الرسول للتبرك به هو بلال بن الحارث المزني ولم ينكر عليه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله.

          الحالة الرابعة التوسل به بعد البعث في عرصات القيامة بالشفاعة منه عليه الصلاة والسلام، ذلك مما قام الإجماع عليه، وتواترت الأخبار به ومن ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم : “إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم إلى بعض، فيأتون ءادم فيقولون له : اشفع لذريتك، فيقول لست لها، ولكن عليكم بإبراهيم، فإنه خليل الله، فيأتون إبراهيم، فيقول لست لها، ولكن عليكم بموسى، فإنه كليم الله تعالى، فيؤتى موسى فيقول : لست لها، ولكن عليكم بعيسى، فإنه روح الله (أي روح عيسى روح مشرفة عند الله وليس المعنى أن الله روح وأن عيسى جزء من الله لأن الله تعالى لا يشبه شيئا من خلقه، ليس كمثله شئ) وكلمته (أي بشارته التي بشر بها جبريل عليه السلام سيدتنا مريم )، فيأتون عيسى فيقول : لست لها، ولكن عليكم بمحمد. فيأتوني، فأقول : أنا لها.

          وقال عليه الصلاة والسلام : “من قال إذا خرج إلى المسجد : اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة، خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، فأسألك أن تنقذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت“، ففي هذا الحديث دليل على جواز التوسل بالأحياء والأموات لأن لفظ السائلين جمع يشمل الأحياء والأموات من كان حيا ومن كان غائبا، وفي هذا الحديث أيضا دليل على جواز التوسل بالعمل الصالح وهو ممشى الرجل إلى المسجد إبتغاء مرضاة الله تعالى.

          وأكثر ما يورد مانعوا التوسل حديث عبد الله بن عباس الذي رواه الترمذي : “إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله. فهذا الحديث ليس فيه لا تسأل غير الله ولا تستعن بغير الله وكما أن قول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه ابن حبان : ''لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي''، ليس معناه أنه يحرم مصاحبة غير المؤمن وليس معناه أيضا أنه يحرم إطعام غير التقي وقد رخص الله في القرآن الكريم في إطعام الأسير الكافر بقوله تعالى : {ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا}.

          ومما يوردونه كذلك في تأييد مدعاهم في تحريم التوسل بالميت حديث عمر رضي الله عنه أنه استسقى بالعباس، فادعوا أن عمر إنما توسل بالعباس لأن الرسول كان قد توفي. فعمر ما قال إن هذا التوسل لأن الرسول قد توفي ولا أشار العباس إلى ذلك. فتوسل سيدنا عمر بالعباس بعد موت النبي ليس لأن الرسول قد مات بل كان لأجل رعاية حق قرابته من النبي صلى الله عليه وسلم، بدليل قول العباس حين قدمه عمر : اللهم إن القوم توجهوا بي إليك لمكاني من نبيك. وقد أراد سيدنا عمر رضي الله عنه بتوسله بالعباس أن يبين جواز التوسل بغير النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الصلاح ممن ترجى بركته.

          وقد يذكر مانعو التوسل حديثا ضعيفا أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال : قوموا نستغيث برسول الله من هذا المنافق، فقال رسول الله : “إنه لا يستغاث بي، إنما يستغاث بالله“.فهذا الحديث معارض للحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري من حديث عبد الله بن عمر وفيه أن الشمس تدنو من رءوس الناس يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأذن فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم، فكيف يتركون هذا الحديث الصحيح ويتعلقون بحديث غير ثابت.

          وقد ذكر العلماء في كتبهم أنه يجوز ويحسن التوسل بالأنبياء وبالصالحين، فقد روى القاضي عياض المالكي في كتابه الشفا أن أبا جعفر الخليفة العباسي ناظر الأمام مالكا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له الإمام مالك :لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإن الله تعالى أدب قوما، فقال : لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي، ومدح قوما فقال : إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله، وذم قوما فقال : إن الذين ينادونك من وراء الحجرات، وإن حرمته ميتا كحرمته حيا. فقال الخليفة للإمام مالك : يا أبا عبد الله استقبل القبلة وأدعو، أم أستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال الإمام مالك : ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك وسيلة أبيك ءادم عليه السلام إلى الله تعالى يوم القيامة، بل استقبله واستشفع به فيشفعه الله تعالى اهـ.

          فانظر إلى هذا الكلام من الإمام مالك رحمه الله وما اشتمل عليه من التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم وحسن الأدب معه.

          وقال الإمام أحمد بن حنبل في منسكه الذي كتبه للمروذي : إنه يتوسل بالنبي في دعائه أي المستسقي اهـ.

          وقال النووي في كتابه روضة الطالبين في كتاب صلاة الاستسقاء : ومنها : أن يستسقى بالأكابر وأهل الصلاح، لا سيما أقارب رسول الله صلى الله عليه وسلم اهـ. وقال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري : ويستفاد من قصة العباس استحباب الاستشفاع بأهل الخير والصلاح وأهل بيت النبوة اهـ. وقد نص علماء الحنابلة في كتبهم على جواز التوسل بالصالحين، قال ابن مفلح الحنبلي في الفروع : ويجوز التوسل بصالح اهـ، وقال البهوتي الحنبلي في كتاب كشاف القناع : لا بأس بالتوسل للاستسقاء بالشيوخ والعلماء والمتقين اهـ، وقال المرداوي الحنبلي في كتابه الإنصاف : ومنها يجوز التوسل بالرجل الصالح اهـ.

          إذا قال مانعو التوسل : كيف تخاطبون موتى لا يسمعون ولا يتصرفون بنفع أو ضُرّ، يقال لهم بل الموتى يسمعون والأنبياء أحياء ولهم تصرف وأرواحهم وأرواح الصالحين مرسلة وينفعون النفع العظيم وهذه السنّة تشهد وكلام العلماء يشهد، ولا مانع شرعا ولا عقلا من أن يسمع النبي أو الولي كلام من يتوسل به وهو في قبره، أما النبي فلأنه حي أحياه الله بعد موته كما ثبت من حديث أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : “الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون“، وقال عليه الصلاة والسلام : “من صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلى علي نائيا بلغته. الحديث الأول رواه البيهقي وصححه والثاني أخرجه أبو الشيخ في كتاب الثواب بسند جيد. و ذكر الشيخ الموفق بن قدامة المقدسي في المغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : “من صلى عليّ عند قبري سمعته، ومن صلى عليّ من بعيد علمته . وروى أبو يعلى عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : “والذي نفس محمد بيده لينزلن عيسى ابن مريم إماما مقسطا وحكما عدلا فليكسرن الصليب وليقتلن الخنزير وليصلحن ذات البين وليذهبن الشحناء وليعرضن المال فلا يقبله أحد ثم لئن قام على قبري فقال يا محمد لأجبته.

          وأما غير النبي لأنه ثبت حديث : “ما من رجل مسلم يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام . هذا الحديث صححه الحافظ عبد الحق الإشبيلي. وأما قوله تعالى :وما أنت بمسمع من في القبور ، جاء في تفسير هذه الآية أن الكفار الذين علم الله بموتهم على الكفر موتى القلوب لا ينتفعون بقول النبي صلى الله عليه وسلم أي لن يهتدوا كما أن الذي مات لا ينتفع بمسموعه.

          وروى الحافظ ابن حجر في شرح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم خاطب موتى المشركين ببدر فجعل ينادي بأسمائهم وأسماء آبائهم : “يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله ؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربّكم حقا. فقال عمر : يا رسول الله، ما تكلّم من أجساد لا أرواح لها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : “والذي نفس محمّد بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم.

          تعليق


          • #6
            هذا بحث مختصر في بيان جواز التوسل والتبرك وأن ذلك ليس شركا

            بيان معنى العبادة وأن مجرد التوسل والتبرك والاستغاثة بالأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين ليس شركا وبيان مشروعية زيارة قبورهم



            بسم الله الرحمن الرحيم




            الحمد لله الذي منّ علينا برسوله، وهدانا به إلى سواء سبيله، وأمرنا بتعظيمه وتكريمه وتبجيله، وفرض على كلّ مؤمن أن يكون أحبّ إليه من نفسه وأبويه وخليله، وجعل اتباعه سببا لمحبة الله وتفضيله، ونصب طاعته عاصمة من كيد الشيطان وتضليله، ويغني عن جملة القول وتفصيله ما أثنى عليه الله في محكم الكتاب وتنزيله، صلى الله عليه وسلم صلاة دائمة بدوام طلوع النّجم وأفوله.




            إن طائفة من المتنطعين، ومن حذا حذوهم، قد أكثروا الصراخ والضجيج، وزعموا أن من زار قبرا من قبور الأنبياء أو الأولياء، وتوسل بصاحبه إلى الله أو استشفع به لديه خرج من زمرة الموحدين، ودخل في عديد المشركين، كبرت كلمة تخرج من أفواههم أن يقولون إلا كذبا، فرقوا بذلك بين جماعة المسلمين، أينما ذهبت وجدتهم يكفرون أصحاب التوسل والزيارة، بآيات حرفوها عن موضعها، فلبسوا على العامة أمر دينهم بما ألقوا إليهم من دعاوى كاذبة وأقاويل باطلة، فعظمت بهم الفتنة.

            فكان لا بد من بيان الحق من الباطل والصحيح من الزائف.




            اعلم أنه لا دليل حقيقي يدل على عدم جواز التوسل والاستغاثة بالأنبياء والأولياء في حال حياتهم أو بعد وفاتهم بدعوى أن ذلك عبادة لغير الله، لأنه لا ينطبق عليه تعريف العبادة عند علماء اللغة، لأن العبادة عندهم الطاعة مع الخضوع.

            كثر في هذا الزمن المفترون على الدين الحنيف وقد حرموا ما أحل الله تعالى وأحلوا ما حرم الله تعالى ومن الافتراءات تحريمهم التوسل والاستغاثة بالأنبياء والمرسلين، والذي أدى بهم إلى ذلك هو جهلهم بمعنى العبادة الواردة في نحو قوله تعالى :إياك نعبد وإياك نستعين وقوله تعالى حكاية عن المشركين : {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} فالعبادة في لغة العرب هي ما عرّفها به علماء اللغة، فقد عرفها الإمام اللغوي الشهير الزجاج بقوله : العبادة في لغة العرب الطاعة مع الخضوع اهـ.

            فالاعتقاد بالتوسل بالأنبياء والمرسلين بل وبالصالحين حق ثابت بالكتاب وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع الصحابة ومن قال أنه شرك فهو جاهل أو ضال ومضلّ لأن التوسل مطلوب وحسن شرعا بل هو مأمور به من الله، قال الله تعالى :{ وابتغوا إليه الوسيلة} فالوسيلة كل ما يتوسل به أي يتقرب به إلى الله تعالى ممن له منزلة عند الله أو من الأعمال الصالحة ولا شك أن الأنبياء والمرسلين والصالحين لهم عند الله قدر ومنزلة. فالتوسل هو طلب حصول منفعة أو اندفاع مضرّة من الله بذكر اسم نبي أو ولي إكراما للمتوسَّل به والله تعالى جعل أمور الدنيا على الأسباب والمسبّبات وهو قادر على تحقيقها بدون هذه المسببات. فالله تعالى هو خالق الأسباب ومسبباتها، جعل الأدوية أسبابا للشفاء، وهو خالق الأدوية وخالق الشفاء بها، كذلك جعل الله تعالى التوسل بالأنبياء والأولياء سببا لنفع المتوسل.

            وقد جعل الله سبحانه وتعالى من الأسباب المعينة لنا لتحقيق مطالب لنا التوسل بالأنبياء والأولياء في حال حياتهم وبعد مماتهم، فنحن نسأل الله بهم رجاء تحقيق مطالبنا، فنقول اللهم إني أسألك بجاه رسول الله أو بحرمة رسول الله أن تقضي حاجتي وتفرّج كربي، أو بجاه سيدي عبد القادر الجيلاني ونحو ذلك، فإنّ ذلك جائز وكذلك مناداتهم جائزة في حال حضرتهم وفي حال غيبتهم كقول : يا رسول الله أو يا سيدي عبد القادر أو نحو ذلك، فكل ذلك جائز وإن حرمه بعض من شذّ عن أهل السنّة .

            أقول إن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم جائز في كل حال، قبل خلقه وبعد خلقه، في مدة حياته في الدنيا وبعد موته، في مدة البرزخ وبعد البعث.

            فقد ورد في كل من هذه الأحوال خبر صحيح، أما الحالة الأولى قبل خلقه صلى الله عليه وسلم ما رواه الحاكم في كتابه المستدرك على الصحيحين وفخر الدين الرازي في التفسير الكبير والحافظ ابن كثير في تفسيره، في تفسير قوله تعالى : {كانوا يستفتحون على الذين كفروا}، أي كان اليهود يقولون اللهم إنا نستنصرك بحق النبي الأمي صلى الله عليه وسلم. وكذلك ما رواه الطبراني في المعجم الصغير والحاكم في كتابه المستدرك على الصحيحين عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “لما اقترف ءادم الخطيئة قال يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي، فقال الله تعالى يا ءادم وكيف عرفت محمدا ولم اخلقه، قال يا رب لأنك لما خلقتني بيدك-أي بقدرتك-ونفخت في من روحك-أي الروح التي خلقت-رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبا : لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعرفت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك. فقال الله تعالى : صدقت يا ءادم إنه لأحب الخلق إلي وإذ سألتني بحقه فقد غفرت لك ولولا محمد ما خلقتك.

            قال الحاكم :هذا حديث حسن صحيح الإسناد.

            فهذا الحديث دليل على جواز التوسل بالأنبياء وأن ذلك ليس شركا لأن المتوسل هو ءادم عليه السلام الذي هو من الأنبياء والمرسلين ولا شك أن الأنبياء والمرسلين معصومون من الشرك والكفر قبل النبوة وبعدها.

            الحالة الثانية بعد خلقه عليه الصلاة والسلام في مدة حياته، فمن ذلك ما رواه الترمذي في جامعه أن رجلا ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : أدع الله أن يعافيني، قال عليه الصلاة والسلام : “إن شئت دعوت وإن شئت صبرت، فهو خير لك“ ، قال : فادعه، قال : فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء : “اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي لتقضى لي، اللهم شفعه في“، قال الترمذي هذا الحديث حسن صحيح، ورواه النسائي والبيهقي في دلائل النبوة وابن ماجه.

            الحالة الثالثة أن يتوسل به عليه الصلاة والسلام بعد موته، فمن ذلك ما رواه الطبراني في المعجم الكبير وساق إسناده إلى عثمان بن حنيف رضي الله عنه أنه رأى رجلا يختلف إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه في حاجة له، فكان أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلقي هذا الرجل عثمان بن حنيف فشكى ذلك إليه، فقال له عثمان بن حنيف : ائت الميضأة فتوضأ ثم ائت المسجد فصل فيه ركعتين، ثم قل : اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضى لي ثم رح حتى أروح معك، فانطلق الرجل فصنع ما قال ثم أتى باب عثمان بن عفان رضي الله عنه فجاء البواب فأخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان رضي الله عنه فأجلسه على طنفسته-أي سجادته-فقال : ما حاجتك ؟ فذكر له حاجته، فقضى له حاجته وقال : ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة،ثم خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال : جزاك الله خيرا ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إليّ حتى كلمته فيّ. فقال عثمان بن حنيف : والله ما كلمته ولكن شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أتاه ضرير فشكى إليه ذهاب بصره، فقال عليه الصلاة والسلام : “إن شئت صبرت وإن شئت دعوت لك“، قال : يا رسول الله إنه شق علي ذهاب بصري وإنه ليس لي قائد فقال له عليه الصلاة والسلام : “ائت الميضأة فتوضأ وصل فيه ركعتين، ثم قل : اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضى لي“، ففعل الرجل ما قال. قال عثمان بن حنيف رضي الله عنه : والله ما تفرقنا ولا طال بنا المجلس حتى دخل علينا الرجل وقد أبصر كأنه لم يكن به ضر قط.قال الطبراني : والحديث صحيح.وهذا الحديث رواه أيضا الإمام البيهقي والإمام السبكي في كتابه شفاء السقام.

            ففي هذا الحديث دليل أن الأعمى توسل بالنبي في غير حضرته بدليل قول عثمان بن حنيف : حتى دخل علينا الرجل، وفيه دليل أيضا أن التوسل بالنبي جائز في حال حياته وبعد مماته.

            وكذلك من الأدلة على جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته ما رواه البيهقي بإسناد صحيح عن مالك الدار وكان خازن عمر قال : أصاب الناس قحط (أي وقعت مجاعة) في زمان عمر (أي لما كان الخليفة) فجاء رجل من الصحابة إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا فأتي الرجل في المنام فقيل له : أقرئ عمر السلام وأخبره أنهم يسقون، وقل له : عليك الكيس الكيس (أي عليك بالاجتهاد بالسعي في خدمة الأمة). فأتى الرجل عمر فأخبره، فبكى عمر وقال : يا رب ما ءالو إلا ما عجزت (أي سأفعل ما في وسعي لخدمة الأمة). وهذا الصحابي الذي قصد قبر الرسول للتبرك به هو بلال بن الحارث المزني ولم ينكر عليه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله.

            الحالة الرابعة التوسل به بعد البعث في عرصات القيامة بالشفاعة منه عليه الصلاة والسلام، ذلك مما قام الإجماع عليه، وتواترت الأخبار به ومن ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم : “إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم إلى بعض، فيأتون ءادم فيقولون له : اشفع لذريتك، فيقول لست لها، ولكن عليكم بإبراهيم، فإنه خليل الله، فيأتون إبراهيم، فيقول لست لها، ولكن عليكم بموسى، فإنه كليم الله تعالى، فيؤتى موسى فيقول : لست لها، ولكن عليكم بعيسى، فإنه روح الله (أي روح عيسى روح مشرفة عند الله وليس المعنى أن الله روح وأن عيسى جزء من الله لأن الله تعالى لا يشبه شيئا من خلقه، ليس كمثله شئ) وكلمته (أي بشارته التي بشر بها جبريل عليه السلام سيدتنا مريم )، فيأتون عيسى فيقول : لست لها، ولكن عليكم بمحمد. فيأتوني، فأقول : أنا لها.

            وقال عليه الصلاة والسلام : “من قال إذا خرج إلى المسجد : اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة، خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، فأسألك أن تنقذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت“، ففي هذا الحديث دليل على جواز التوسل بالأحياء والأموات لأن لفظ السائلين جمع يشمل الأحياء والأموات من كان حيا ومن كان غائبا، وفي هذا الحديث أيضا دليل على جواز التوسل بالعمل الصالح وهو ممشى الرجل إلى المسجد إبتغاء مرضاة الله تعالى.

            وأكثر ما يورد مانعوا التوسل حديث عبد الله بن عباس الذي رواه الترمذي : “إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله. فهذا الحديث ليس فيه لا تسأل غير الله ولا تستعن بغير الله وكما أن قول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه ابن حبان : ''لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي''، ليس معناه أنه يحرم مصاحبة غير المؤمن وليس معناه أيضا أنه يحرم إطعام غير التقي وقد رخص الله في القرآن الكريم في إطعام الأسير الكافر بقوله تعالى : {ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا}.

            ومما يوردونه كذلك في تأييد مدعاهم في تحريم التوسل بالميت حديث عمر رضي الله عنه أنه استسقى بالعباس، فادعوا أن عمر إنما توسل بالعباس لأن الرسول كان قد توفي. فعمر ما قال إن هذا التوسل لأن الرسول قد توفي ولا أشار العباس إلى ذلك. فتوسل سيدنا عمر بالعباس بعد موت النبي ليس لأن الرسول قد مات بل كان لأجل رعاية حق قرابته من النبي صلى الله عليه وسلم، بدليل قول العباس حين قدمه عمر : اللهم إن القوم توجهوا بي إليك لمكاني من نبيك. وقد أراد سيدنا عمر رضي الله عنه بتوسله بالعباس أن يبين جواز التوسل بغير النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الصلاح ممن ترجى بركته.

            وقد يذكر مانعو التوسل حديثا ضعيفا أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال : قوموا نستغيث برسول الله من هذا المنافق، فقال رسول الله : “إنه لا يستغاث بي، إنما يستغاث بالله“.فهذا الحديث معارض للحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري من حديث عبد الله بن عمر وفيه أن الشمس تدنو من رءوس الناس يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأذن فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم، فكيف يتركون هذا الحديث الصحيح ويتعلقون بحديث غير ثابت.

            وقد ذكر العلماء في كتبهم أنه يجوز ويحسن التوسل بالأنبياء وبالصالحين، فقد روى القاضي عياض المالكي في كتابه الشفا أن أبا جعفر الخليفة العباسي ناظر الأمام مالكا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له الإمام مالك :لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإن الله تعالى أدب قوما، فقال : لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي، ومدح قوما فقال : إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله، وذم قوما فقال : إن الذين ينادونك من وراء الحجرات، وإن حرمته ميتا كحرمته حيا. فقال الخليفة للإمام مالك : يا أبا عبد الله استقبل القبلة وأدعو، أم أستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال الإمام مالك : ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك وسيلة أبيك ءادم عليه السلام إلى الله تعالى يوم القيامة، بل استقبله واستشفع به فيشفعه الله تعالى اهـ.

            فانظر إلى هذا الكلام من الإمام مالك رحمه الله وما اشتمل عليه من التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم وحسن الأدب معه.

            وقال الإمام أحمد بن حنبل في منسكه الذي كتبه للمروذي : إنه يتوسل بالنبي في دعائه أي المستسقي اهـ.

            وقال النووي في كتابه روضة الطالبين في كتاب صلاة الاستسقاء : ومنها : أن يستسقى بالأكابر وأهل الصلاح، لا سيما أقارب رسول الله صلى الله عليه وسلم اهـ. وقال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري : ويستفاد من قصة العباس استحباب الاستشفاع بأهل الخير والصلاح وأهل بيت النبوة اهـ. وقد نص علماء الحنابلة في كتبهم على جواز التوسل بالصالحين، قال ابن مفلح الحنبلي في الفروع : ويجوز التوسل بصالح اهـ، وقال البهوتي الحنبلي في كتاب كشاف القناع : لا بأس بالتوسل للاستسقاء بالشيوخ والعلماء والمتقين اهـ، وقال المرداوي الحنبلي في كتابه الإنصاف : ومنها يجوز التوسل بالرجل الصالح اهـ.

            إذا قال مانعو التوسل : كيف تخاطبون موتى لا يسمعون ولا يتصرفون بنفع أو ضُرّ، يقال لهم بل الموتى يسمعون والأنبياء أحياء ولهم تصرف وأرواحهم وأرواح الصالحين مرسلة وينفعون النفع العظيم وهذه السنّة تشهد وكلام العلماء يشهد، ولا مانع شرعا ولا عقلا من أن يسمع النبي أو الولي كلام من يتوسل به وهو في قبره، أما النبي فلأنه حي أحياه الله بعد موته كما ثبت من حديث أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : “الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون“، وقال عليه الصلاة والسلام : “من صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلى علي نائيا بلغته. الحديث الأول رواه البيهقي وصححه والثاني أخرجه أبو الشيخ في كتاب الثواب بسند جيد. و ذكر الشيخ الموفق بن قدامة المقدسي في المغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : “من صلى عليّ عند قبري سمعته، ومن صلى عليّ من بعيد علمته . وروى أبو يعلى عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : “والذي نفس محمد بيده لينزلن عيسى ابن مريم إماما مقسطا وحكما عدلا فليكسرن الصليب وليقتلن الخنزير وليصلحن ذات البين وليذهبن الشحناء وليعرضن المال فلا يقبله أحد ثم لئن قام على قبري فقال يا محمد لأجبته.

            وأما غير النبي لأنه ثبت حديث : “ما من رجل مسلم يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام . هذا الحديث صححه الحافظ عبد الحق الإشبيلي. وأما قوله تعالى :وما أنت بمسمع من في القبور ، جاء في تفسير هذه الآية أن الكفار الذين علم الله بموتهم على الكفر موتى القلوب لا ينتفعون بقول النبي صلى الله عليه وسلم أي لن يهتدوا كما أن الذي مات لا ينتفع بمسموعه.

            تعليق


            • #7
              وروى الحافظ ابن حجر في شرح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم خاطب موتى المشركين ببدر فجعل ينادي بأسمائهم وأسماء آبائهم : “يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله ؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربّكم حقا. فقال عمر : يا رسول الله، ما تكلّم من أجساد لا أرواح لها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : “والذي نفس محمّد بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم.

              وأما الحي الغائب فإنه يدل على صحة سماعه خطاب من يناديه من بعيد قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ندائه وهو بالمدينة جيشه الذي كان بأرض العجم بآلاف الكيلومترات بقوله لقائد الجيش وكان سارية بن زنيم : يا سارية الجبل الجبل، فسمعه سارية، فانحاز بجيشه إلى الجبل فانتصروا. هذه القصة صححها الحافظ الدمياطي في جزء ألفه لهذه، ووافقه الحافظ السيوطي على ذلك.

              ومن تمويهات مانعي التوسل قولهم : إن كثيرا من الناس يزورون على عقيدة فاسدة كاعتقاد أن أصحاب الأضرحة يجلبون المنفعة لمن يزورهم ويدفعون المضرة عنهم، وعلى اعتقاد أنهم يستحقون بهذا غاية التذلل.

              نقول : لأجل ظن حصول من نيتهم هكذا هل يحرم على الجميع بمن فيهم من نياتهم صحيحة ولا يعتقدون هذا، إنما يعتقدون أن الله جعلها سببا لحصول بعض المنافع عند الدعاء عندهم، فمثل هذا كمثل السوق فإن الرسول سماها شر البلاد ومع ذلك لا يحرم على جميع الناس دخولها إنما يحرم على من يذهب ليغش الناس أو يسرق أو لمقصد محرم، فلم يحرم الرسول دخولها على الإطلاق.


              وأما الحي الغائب فإنه يدل على صحة سماعه خطاب من يناديه من بعيد قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ندائه وهو بالمدينة جيشه الذي كان بأرض العجم بآلاف الكيلومترات بقوله لقائد الجيش وكان سارية بن زنيم : يا سارية الجبل الجبل، فسمعه سارية، فانحاز بجيشه إلى الجبل فانتصروا. هذه القصة صححها الحافظ الدمياطي في جزء ألفه لهذه، ووافقه الحافظ السيوطي على ذلك.

              ومن تمويهات مانعي التوسل قولهم : إن كثيرا من الناس يزورون على عقيدة فاسدة كاعتقاد أن أصحاب الأضرحة يجلبون المنفعة لمن يزورهم ويدفعون المضرة عنهم، وعلى اعتقاد أنهم يستحقون بهذا غاية التذلل.

              نقول : لأجل ظن حصول من نيتهم هكذا هل يحرم على الجميع بمن فيهم من نياتهم صحيحة ولا يعتقدون هذا، إنما يعتقدون أن الله جعلها سببا لحصول بعض المنافع عند الدعاء عندهم، فمثل هذا كمثل السوق فإن الرسول سماها شر البلاد ومع ذلك لا يحرم على جميع الناس دخولها إنما يحرم على من يذهب ليغش الناس أو يسرق أو لمقصد محرم، فلم يحرم الرسول دخولها على الإطلاق.

              وكما يجوز التوسل بالأنبياء والأولياء فكذلك يجوز التبرك بهم لأن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يتبركون بآثار النبي صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد مماته وكذلك العلماء كانوا يتبركون بالأفاضل والصالحين، ولا زال المسلمون بعدهم إلى يومنا هذا على ذلك.

              فقد روى البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رمى الجمرة ونحر نسكه وحلق، ناول الحالق شقه الأيمن فحلق، ثم دعا أبا طلحة الأنصاري فأعطاه شعره ثم قال له عليه الصلاة والسلام : “اقسمه بين الناس . فهذا فيه دليل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم أرشد أمته إلى التبرك بآثاره ومن آثاره شعره. الشعر لا يؤكل إنما قسمه رسول الله على الناس ليتبركوا به وكذلك روى الإمام أحمد في مسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قلم أظفاره وقسمها بين الناس، ولا شك أن الأظفار لا تؤكل.

              فهذا خالد بن الوليد رضي الله عنه كانت له قلنسوة وضع في طياتها شعرا من شعر النبي صلى الله عليه وسلم، فكان يلبسها يتبرك بها في غزواته. روى ذلك الحافظ ابن حجر في المطالب العالية. وروى الإمام مسلم أن أسماء بنت أبي بكر كانت تغسل جبة النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بعد وفاته عليه الصلاة والسلام، و تسقي ماءها للمرضى تستشفي بها.

              وعلى هذا كان علماء أهل السنة والجماعة كالإمام الشافعي والإمام أحمد بن حنبل وغيرهما، فقد روى الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد أن الإمام الشافعي كان يتوسل ويتبرك بالإمام أبي حنيفة. كان يجيء إلى ضريحه يزوره ثم يتوسل إلى الله تعالى به في قضاء حاجته فتقضى له.

              ونقل الشيخ يوسف النبهاني في شواهد الحق أن الإمام أحمد بن حنبل كان يتوسل بالإمام الشافعي حتى تعجب ابنه عبد الله بن أحمد بن حنبل من ذلك فقال له الإمام أحمد أن الشافعي كالشمس للناس وكالعافية للبدن.نقل التاج السبكي في كتابه الطبقات أنه فاح الطيب من قبر سيدنا البخاري وأخذ الناس من تراب قبره تبركا به.

              ومن تمويهات مانعي التوسل تحريمهم السفر لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الأولياء والصالحين والذي أدى بهم إلى هذا ضلال أخذهم حديث : “لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا، ومسجد الحرام، ومسجد الأقصى، على غير وجهه “. فالذي أوقعهم في هذا التحريف هو سوء فهمهم . وأما الحديث فمعناه الذي فهمه السلف والخلف أنه لا فضيلة زائدة في السفر لأجل الصلاة في مسجد إلا السفر إلى هذه المساجد الثلاثة، لأن الصلاة تضاعف فيها إلى مائة ألف وذلك في المسجد الحرام وإلى الألف وذلك في مسجد الرسول وإلى خمسمائة وذلك في المسجد الأقصى.

              فالمراد به السفر لأجل الصلاة، وليس المعنى أنه يحرم السفر إلى غير هذه المساجد الثلاثة. وإلا لحرم السفر لزيارة الأهل والأقارب والسفر لطلب القوت وكل سفر مباح.

              إخوة الإيمان اعلموا رحمكم الله تعالى أن الدليل على جواز السفر لقبر النبي صلى الله عليه وسلم وأنه قربة وذلك بالكتاب والسنة والإجماع.

              فمن الكتاب قوله تعالى :ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما فدلت هذه الآية على الحث على المجيء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم والاستغفار عنده واستغفاره لهم، وذلك وإن ورد في حال حياته، فهي رتبة له صلى الله عليه وسلم لا تنقطع بموته تعظيما له. لذلك استحب العلماء لمن أتى إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتلو هذه الآية ويستغفر الله تعالى، وحكاية الأعرابي في ذلك مشهورة، ذكرها العلماء في مناسكهم عن العتبي. قال العتبي : دخلت المدينة فأتيت قبر النبي صلى الله عليه وسلم فزرته وجلست بحذائه، فجاء أعرابي فزاره، ثم قال : يا خير الرسل إن الله أنزل عليك كتابا قال فيه : ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما وإني جئتك مستغفرا ربك من ذنوبي مستشفعا فيها فيك، ثم بكى وأنشأ يقول :




              يا خير من دفنت بالقاع أعظمه~~~ فطاب من طيبهن القاع والأكم

              نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه~~~ فيه العفاف وفيه الجود والكرم




              ثم استغفر وانصرف، فرقدت فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في نومي وهو يقول : إلحق الرجل وبشره أن الله قد غفر له بشفاعتي، فاستيقظت فخرجت أطلبه فلم أجده.

              أما السنة، ما رواه الدارقطني والبيهقي وغيرهما من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “من زار قبري وجبت له شفاعتي “، وروى البزار في مسنده من حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم : “من زار قبري حلت له شفاعتي “، وروى الطبراني في معجمه الكبير والدارقطني في أماليه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : “من جاءني زائرا لا تعلمه حاجة إلا زيارتي، كان حقا علي أن أكون له شفيعا يوم القيامة “، وروى الدارقطني في سننه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : “من حج فزار قبري بعد وفاتي، فكأنما زارني في حياتي .

              وهذه الأحاديث دليل على جواز زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم بخصوصه، وفي السنة الصحيحة المتفق عليها الأمر بزيارة القبور. قال عليه الصلاة والسلام : "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزروها “، والحديث رواه الحاكم وابن ماجه.

              فقبر النبي صلى الله عليه وسلم سيد القبور داخل في عموم القبور المأمور بزيارتها.

              وأما الإجماع فقد قال القاضي عياض المالكي في كتابه الشفا : وزيارة قبره صلى الله عليه وسلم سنة بين المسلمين مجمع عليها، وفضيلة مرغب فيها اهـ، ونقل الإجماع أيضا الإمام السبكي في كتابه شفاء السقام في زيارة خير الأنام، ثم أفاض في نقل استحبابها عن بعض علماء المذاهب الأربعة، فنقل ذلك عن المالكية : عن أبي عمران الفاسي، والشيخ ابن أبي زيد القيرواني الملقب بمالك الصغير، في كتاب النوادر، وعبد الحق الصقلي في كتابه تهذيب الطالب، وعن الشافعية : عن الحليمي، والماوردي، والروياني، والشيرازي، وعن الحنابلة : عن أبي الخطاب الكواذاني في كتاب الهداية، وعن أبي عبد الله السامري في المستوعب، وعن الحنفية : عن الكرماني في مناسكه، وعبد الله بن محمود في شرح المختار وغيرهم.

              إنّ جواز ذلك لم يزل قديما وحديثا، وكتب العلماء طافحة بالأدلة على جواز زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبر غيره من الأنبياء والأولياء والصالحين.

              وهاك بعض أقوال علماء أهل السنة في مشروعية ذلك : قال العبدي المالكي في شرح الرسالة : إن المشي إلى المدينة لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من المشي إلى الكعبة وبيت المقدس اهـ، وقال سيدي محمد ابن أحمد ميارة المالكي في شرح المرشد المعين : فإن زيارته عليه الصلاة والسلام سنة مجمع عليها وفضيلة مرغب فيها،……إلى أن قال : ويستحب أن يزور البقيع والقبور المشهورة فيه اهـ، وقال الشيخ أبو حامد بن مرزوق العربي التبان السطيفي المالكي في كتاب التوسل بالنبي والصالحين نقلا عن كتاب شفاء السقام للإمام السبكي : فيما ورد في السفر إلى زيارته صلى الله تعالى عليه وسلم صريحا وبيان أن ذلك لم يزل قديما وحديثا، وممن روى ذلك عنه من الصحابة بلال ابن أبي رباح مؤذن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ورضي الله عنه سافر من الشام إلى المدينة لزيارة قبره صلى الله تعالى عليه وسلم اهـ.

              وممن ذكر قصة زيارة بلال رضي الله عنه لقبر النبي صلى الله عليه وسلم الحافظ بن عساكر، والحافظ عبد الغني المقدسي في كتابه الكمال في ترجمة بلال والمحدث أبو الفضل عبد الله الغماري الطنجي في كتابه الرد المحكم المتين. فالقصة أن بلالا رضي الله عنه وهو بالشام في زمن خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، رأى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه وهو يقول له : ماهذه الجفوة يا بلال، أما آن لك أن تزورني يا بلال، فانتبه حزينا وجلا خائفا، فركب راحلته وقصد المدينة فأتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يبكي عنده ويمرغ وجهه عليه، فأقبل الحسن والحسين رضي الله عنهما فجعل يضمهما، ويقبلهما فقالا له نشتهي نسمع أذانك الذي كنت تؤذن به لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، ففعل، فعلا سطح المسجد فوقف موقفه الذي كان يقف فيه، فلما أن قال : الله أكبر الله أكبر ارتجت المدينة، فلما أن قال : أشهد أن لا إله إلا الله ازدادت رجتها، فلما أن قال : أشهد أن محمدا رسول الله خرجت العواتق من خدورهن، وقالوا : أبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما رأى يوما أكبر باكيا ولا باكية بالمدينة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك اليوم. فماذا يقولون هؤلاء في مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أيحكمون عليه بالشرك والكفر لأنه قصد قبر النبي صلى الله عليه وسلم ؟.

              وفي كتاب المعيار لأبي العباس أحمد بن يحيى الوانشريسي المالكي ما نصه :وسئل بعض القرويين عمن نذر زيارة قبر رجل صالح أو حي فأجاب : يلزمه ما نذر……إلى أن قال :وتوقف بعض الناس في زيارة القبور وءاثار الصالحين، ولا يتوقف في ذلك لأنه من العبادات غير الصلاة اهـ. وقال ابن الحاج المالكي في كتابه المدخل :وهذه صفة زيارة القبور عموما فإن كان الميت المزار مما ترجى بركته فيتوسل به إلى الله تعالى اهـ. وألف مفتي فاس السيد المهدي الوزاني المالكي رسالة في جواز التوسل، وكذلك العلامة الشيخ المشرفي المالكي ألف رسالة سماها إظهار العقوق ممن منع التوسل بالنبي والولي الصدوق، وكذلك العلامة الشيخ الطيب بن كيران وكذلك محدث الديار المغربية أبو الفضل عبد الله الغماري ألف رسائل.

              وأكثر ما يوردونه في تحريم الزيارة حديث أبي داود : “ولا تجعلوا قبري عيدا. قال الإمام السبكي في شرح هذا الحديث :

              1 يحتمل أن يكون المراد به الحث على كثرة زيارة قبره عليه الصلاة والسلام، وأن لا يهمل حتى لا يزار إلا بعض الأوقات كالعيد الذي لا يأتي في العام إلا مرتين.

              2 ويحتمل أن يكون المراد لا تتخذوا له وقتا مخصوصا لا تكون الزيارة إلا فيه، وزيارة قبره عليه الصلاة والسلام ليس لها يوم بعينه بل أي يوم كان.

              3 ويحتمل أن يراد أن يجعل كالعيد في العكوف عليه وإظهار الزينة والاجتماع وغير ذلك مما يعمل في الأعياد، بل يؤتى إلا للزيارة والسلام والدعاء ثم ينصرف عنه.

              فقد أجاد الإمام العلامة تقي الدين السبكي وشفى وكفى.

              واستدل مانعو الزيارة أيضا بقول الإمام مالك أنه كره زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم. نقول لهم إن علماء مذهبه أي مذهب المالكية أعلم بأقوال إمامهم منكم، فمراده أنه كره أن يقال زرت قبر النبي لإضافته عليه الصلاة والسلام إلى القبر وأنه لو قيل زرنا النبي لم يكرهه وهذا تأدبا مع النبي صلى الله عليه وسلم كما بين ذلك علماء المالكية كالقاضي عياض المالكي في كتابه الشفا.

              ومن تمويهاتهم أيضا تحريمهم الصلاة في مسجد فيه قبر واحتجوا بحديث البخاري : “لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد “، والحديث محمول على من يقصد الصلاة إلى القبر لتعظيمه. وأما مجرد وجود قبر في مسجد لم يقصده المصلي بالصلاة إليه فلا ينطبق عليه الحديث المذكور. ومما يدل على عدم التحريم ما ورد بإسناد صحيح أن مسجد الخيف قبر فيه سبعون نبيا، حتى إن قبر ءادم على قول هناك قرب المسجد، وهو مسجد كان يصلى فيه زمن الرسول صلى الله عليه وسلم إلى وقتنا هذا، وهذا الحديث أورده الحافظ ابن حجر في المطالب العالية.

              فهؤلاء عمت أبصارهم وذهب من قلوبهم تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم حتى إنهم لا يوقرون النبي صلى الله عليه وسلم فتراهم يقولون -قطع الله لسانهم- قال محمد كذا وفعل محمد كذا من غير سيادة ولا صلاة بل ويحرمون قول سيدنا محمد والعياذ بالله تعالى، ولا يدرون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الصحيح : “أنا سيد ولد ءادم يوم القيامة. وأن الصحابة كانوا لا يذكرونه باسمه المجرد إمتثالا لقوله تعالى : ولا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا. نعوذ بالله من حال هؤلاء.

              وما ذكرناه في هذا البحث إلا بعض أدلة أهل الحق على جواز التوسل والتبرك بالرسول صلى الله عليه وسلم وبالصالحين وزيارة قبورهم، ولو أردنا بسطها لكلت الأقلام عنها وضاقت الصحف وما حواها هذا الشريط ولكن فيما ذكرناه كاف وشاف، وكتب علماء أهل السنة السلف والخلف شاهدة على جواز ذلك فمن شاء فليطلع عليها.




              إخوة الإيمان، بعد هذا البيان لا تلتفتوا إلى أقوال هؤلاء الذين يحرمون التوسل والتبرك ويرمون المسلمين بالشرك لمجرد توسلهم وتبركهم، ويجب التحذير منهم لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب. وقد مدح الله تعالى هذه الأمة المحمدية في القرآن بقوله تعالى : كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر.

              تعليق

              المتواجدون الآن 1. الأعضاء 0 والزوار 1.

              أكبر تواجد بالمنتدى كان 2,525, 26-09-2016 الساعة 21:58.

              شاركي الموضوع

              تقليص

              يعمل...
              X