إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

لماذا لانتفاعل مع الجنة والنار مثلما تفاعل معها الصحابة رضوان الله تعالى عليهم

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • لماذا لانتفاعل مع الجنة والنار مثلما تفاعل معها الصحابة رضوان الله تعالى عليهم

    لا بد إذن، لا بد لنا من وقفة نتساءل فيها:
    لماذا لا نتفاعل مع الجنة والنار كما كان يتفاعل صحابة النبي صلى الله عليه وسلم؟
    نعم نحن نحب الجنة ونخاف من النار، ولكن هل تملأ قضية الجنة والنار علينا حياتنا كما كانت تملأ على الصحابة حياتهم؟
    وهل نعايشها المعايشة التي كان يعايشها صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
    جلست أفكر في هذه القضية، وقلت لعل الأمر يرجع إلى نقص في معلوماتنا عن الجنة، وما من شك أن من يعرف تفصيلات الجنة يشتاق إليها بصورة أكبر من الذي يعرف الجنة إجمالًا، وأنها شيءٌ جميل وحسب، وأن النار شيءٌ صعب وخطير فقط، وأن من لديه تفصيلات أكثر فمن المؤكد أنه يشعر بالمعاني أكثر.
    أقل أهل الجنة منزلة
    تعالوا بنا نسمع عن الجنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تحيرت كثيرًا في اختيار الأحاديث التي تتحدث عن الجنة، مئات من الأحاديث، أو أكثر جاءت في وصف الجنة، اخترت منها حديثًا يذكر أقلّ أهل الجنة نصيبًا، وأقلهم نعيمًا، وكل أهل الجنة أكثر من هذا الرجل ملكًا ونعيمًا.
    روى الإمام مسلم بسنده عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
    آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ، فَهْوَ يَمْشِي مَرَّةً، وَيَكْبُو مَرَّةً، وَتَسْفَعُهُ النَّارُ مَرَّةً، فَإِذَا مَا جَاوَزَهَا الْتَفَتَ إِلَيْهَا- - أي أن هذا الرجل بعد أن خرج من النار نظر إليها- وإلى هيئتها- وعظمتها- وجبروتها- فَقَالَ:
    تَبَارَكَ الَّذِي نَجَّانِي مِنْكِ، لَقَدْ أَعْطَانِي اللَّهُ شَيْئًا مَا أَعْطَاهُ أَحَدًا مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ- فهو يظن أنه لا أحد في مثل ما هو فيه من نعيم النجاة من النار، ولا يعلم أن كثيرًا من المؤمنين يتنعمون في الجنة منذ سنين، وسنين- فَتُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ، فَيَقُولُ:
    أَيْ رَبِّ أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، فَلِأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا.
    فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:
    يَا ابْنَ آدَمَ لَعَلِّي إِنَّ أَعْطَيْتُكَهَا سَأَلْتَنِي غَيْرَهَا.
    فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ.
    وَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ؛ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الْأُولَى، فَيَقُولُ:
    أَيْ رَبِّ أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ لِأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، وَأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا. فَيَقُولُ:
    يَا ابْنَ آدَمَ أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا؟
    فَيَقُولُ: لَعَلِّي إِنْ أَدْنَيْتُكَ مِنْهَا تَسْأَلُنِي غَيْرَهَا.
    فَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ؛ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الْأُولَيَيْنِ، فَيَقُولُ:
    أَيْ رَبِّ أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ لِأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا. فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا؟
    قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، هَذِهِ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا.
    وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ؛ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهَا، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَإِذَا أَدْنَاهُ مِنْهَا فَيَسْمَعُ أَصْوَاتَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ:
    أَيْ رَبِّ، أَدْخِلْنِيهَا.
    فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ مَا يَصْرِينِي مِنْكَ- أي ماذا يقطع مسألتك عني، والمعنى متى تكف عن السؤال- أَيُرْضِيكَ أَنْ أُعْطِيَكَ الدُّنْيَا.
    انظروا الدنيا الواسعة الضخمة الكبيرة التي تمتلأ بالأملاك والحاجات يُعطاها هذا الرجل الذي هو أقل أهل الجنة منزلة وليست الدنيا فحسب بل:
    وَمِثْلَهَا مَعَهَا.
    قَالَ: يَا رَبِّ، أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ.
    الرجل ربما لم يصدق بداية ما يُعرض عليه من النعيم، والملك فهو منذ قليل كان ينتقل من شجرة لشجرة، فكيف يكون له الدنيا ومثلها معها، ومن ثم يسأل ربه مستوضحًا متعجبًا لهذا العرض العظيم قائلًا:
    يَا رَبِّ أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي، وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ.
    فَضَحِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَقَالَ:
    أَلَا تَسْأَلُونِي مِمَّ أَضْحَكُ؟
    فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَك؟
    قَالَ: هَكَذَا ضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا:
    مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟
    قَالَ: مِنْ ضِحْكِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حِينَ قَالَ: أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ. فَيَقُولُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ مِنْكَ، وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ.
    وانظر إلى هذه الزيادة في صحيح مسلم رحمه الله بسنده عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عن رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:
    سَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ:
    مَا أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً؟
    قَالَ: هُوَ رَجُلٌ يَجِيءُ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، فَيُقَالُ لَهُ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ. فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، كَيْفَ وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُمْ وَأَخَذُوا أَخَذَاتِهِمْ؟ - الرجل يظن أن الناس قد استقرّوا في الجنة منذ سنين طوية ولم يبق فيها مكان له - فَيُقَالُ لَهُ: أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ مُلْكِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا؟
    فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ.
    فَيَقُولُ لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ، فَقَالَ فِي الْخَامِسَة:
    رَضِيتُ رَبِّ.
    فَيَقُولُ: هَذَا لَكَ، وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ.
    هذا الرجل ليس الصديق أبو بكر، أو الفاروق عمر، وليس عثمان بن عفان، أو علي بن أبي طالب، وإنما هو آخر من يدخل الجنة، وأقل أهل الجنة ملكًا، ليس هذا فحسب، بل يُقال له أيضًا:
    وَلَكَ مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ، وَلَذَّتْ عَيْنُكَ.
    فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ.
    وقد عجب سيدنا موسى عليه السلام من هذا الأمر كثيرًا، فإذا كان هذا ملك أقلّ أهل الجنة منزلة فكم يكون ملك أعلاهم منزلة فسأل موسى عليه السلام ربّه قَالَ:
    رَبِّ فَأَعْلَاهُمْ مَنْزِلَةً؟
    قَالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ أَرَدْتُ، غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي، وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا، فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ.
    قَالَ- أي النبي صلى الله عليه وسلم- وَمِصْدَاقُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ:
    [فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] {السجدة:17} </span>.
    وأذكر لكم شيئًا ربما يبدو غريبًا، لا تتعجب كثيرًا لو علمت أن أهل الجنة ربما يكون نصيب الواحد منهم من الجنة بحجم المجموعة الشمسية مثلًا.
    فكّر معي قليلًا في هذا الأمر، ولا تتعجب من كلامي كثيرًا.
    مجرة درب التبانة بها أربعمائة ألف مليون مجموعة شمسية مثل مجموعتنا، فإذا كان في الكون مائتي ألف مليون مجرة مثل مجرة درب التبانة، وهذا ما تم اكتشافه حتى الآن، وكلما زادت دقة التلسكوبات، وزادت أبحاث العلماء في هذا المجال كلما اكتشفوا الجديد.
    على هذا كم يكون عدد المجموعات الشمسية في هذا الكون العظيم؟
    بعملية حسابية بسيطة وبضرب عدد المجموعات في عدد المجرات هكذا
    400000000000 × 200000000000 يكون الناتج ثمانية أمامها اثنان وعشرين صفرًا هو عدد المجموعات الشمسية (80000000000000000000000) وهو رقم هائل وكبير جدًا.
    وهو بلا شك يفوق أعداد البشر كلهم، فلو أن أهل الأرض جميعًا دخلوا الجنة سيكون عددهم أقل من هذا الرقم.
    ومع ذلك فكل هذه المجموعات إنما هي زينة السماء الدنيا، وكل هذه المجرات تحت السماء الدنيا، ونحن لم نصل بعد إلى السماء، ولا أحد يفكر في ذلك، وأحلام العلماء لا ترقى إلى السماء، أحلام العلماء أن يروا مجرات، ومجرات، ومجرات، وكلها تحت السماء الدنيا، فما بالنا بالسموات السبع، وما بالنا والجنة عرضها السموات والأرض.
    وهذا يعني أن كل ما تحدثنا عنه إنما هو جزء من جزء من جزء بسيط جدًا من الجنة، فليس غريبًا إذن أن يكون ملك أحدنا في الجنة بحجم المجموعة الشمسية.
    ولعلنا عرفنا بهذا الوصف البسيط ماذا تعني الجنة؟
    لعلنا عرفنا كيف يكون عرضها السموات والأرض؟
    لعلنا عرفنا أيضًا لماذا لم يستطع عمير بن الحمام رضي الله عنه وأرضاه أن يصبر وقتا قصيرًا يأكل فيه بعض التمرات؟
    وكيف له يصبر على هذا الملك العظيم؟
    وهو من السابقين الأولين، ومن المجاهدين في سبيل الله، وممن بذل النفس في سبيل الله تعالى.
    أريدكم أن تتخيلوا حجم الجنة، وأن تتخيلوا عرضها السموات والأرض، وكم يصل حجم هذا العرض الهائل.
    وإذا كان هذا هو العرض، فكم يكون طولها إذن؟
    في الحقيقة لم يأت حديث صريح يحدد طول الجنة، وإن كان قد ورد من الأحاديث ما تستطيع أن تتخيل من خلاله طول الجنة.
    روى البخاري عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
    إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ.
    تخيل المسافة بين الأرض، وبين أبعد كوكب في أبعد مجرة في الكون، هذه المسافة الهائلة أقل حتمًا من المسافة بين السماء والأرض، فنحن لم نصل إلى السماء بعد، تخيل كم سنة ضوئية، بل كم ألف مليون سنة ضوئية بين السماء والأرض، وتخيل أيضًا أن الدرجة الواحدة في الجنة من نصيب المجاهدين تملأ ما بين السماء والأرض، وللمجاهدين وحدهم مائة درجة، فكيف يكون الطول، وكيف يكون العرض؟!
    هذه هي الجنة يا إخواني.واخواتي
    روى البخاري عن أبي موسي الأشعري رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
    إِنَّ فِي الْجَنَّةِ خَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ مُجَوَّفَةٍ عَرْضُهَا سِتُّونَ مِيلًا- أي حوالي مائة كيلو متر، أي من القاهرة إلى الفيوم تقريبًا، هذه شقة واحدة في الجنة، ويمكن أن يكون عندك أكثر من شقة بهذا الوصف الرائع والحجم الهائل- فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أَهْلٌ مَا يَرَوْنَ الْآخَرِينَ، يَطُوفُ عَلَيْهِمْ الْمُؤْمِنُونَ.
    فهذا هو بيتك في الجنة خَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ مُجَوَّفَةٍ، ولك أيضًا قصر آخر وفيلّا.
    وروى البخاري أيضًا عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
    إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ الْجَوَادَ الْمُضَمَّرَ السَّرِيعَ مِائَةَ عَامٍ مَا يَقْطَعُهَا.
    أي أن هذه الشجرة من أشجار الجنة يظل الراكب الذي يركب جوادًا سريعًا مضمرًا أي مجهزًا للجري، يظل يسير مسرعًا في ظل هذه الشجرة مائة عام ما يقطع ظل الشجرة.
    نحن نتكلم عن شيءٍ عظيم جدًا، نحن نتكلم عن الجنة، كيف إذن يعيش الناس وكل ما يشغلهم دنياهم، وكيف يتقاتلون على هذه الدنيا.
    انظر إلى هذا المستوى العظيم الذي نتحدث عنه، وهذه المساحات الشاسعة، وهذا النعيم الكبير.
    كم هي رحمة الله بنا أن يعطينا هذا الملك العظيم الدائم على أعمال لا تساوي أي شيءٍ في ميزان الله عز وجل يوم القيامة، أعمال بسيطة للغاية، إنّ كل ما تقدمه لا يساوي شيئًا من نصيبك في الجنة، ومهما قدمت من أعمال حتى وإن بذلت المال، والنفس، والجهد، والوقت، هل تكافئ هذا النعيم العظيم؟
    إنها رحمة الله عز وجل التي يمنحنا إياها فكيف نبتعد عنها؟!
    روى البخاريُّ عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
    ... وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى الْأَرْضِ لَأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا- أي ما بين الجنة والأرض، أو ما بين السماء والأرض- وَلَمَلَأَتْ مَا بَيْنَهُمَا رِيحًا وَلَنَصِيفُهَا- يَعْنِي الْخِمَارَ- خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا.
    وقد يكون لك من مثلها واحدة، أو اثنتان، أو ثلاثة، أو أكثر، بل ربما يكون لك اثنتان وسبعون من الحور العين إن كنت من الشهداء في سبيل الله.
    ومن ثَمّ نعرف كيف كان اشتياق الصحابة للشهادة في سبيل الله؟
    إنه في الحقيقة اشتياق للجنة ونعيمها، وأنه سيترك الأرض بكل ما فيها من مشكلات، ومنغّصاتٍ، ويذهب إلى هذا النعيم المقيم.
    ثم ما هو حال من لم يدخل الجنة، وما هو البديل الذي ينتظره؟
    وفي الواقع ليس هناك بدائل أُخرى، إنه بديل واحد (النار) كما قال صلى الله عليه وسلم في أول يومٍ أعلن فيه للناس دعوته قال:
    وَاللَّهِ لَتَمُوتُنَّ كَمَا تَنَامُونَ وَلَتُبْعَثُنَّ كَمَا تَسْتَيْقِظُونَ وَلَتُحَاسَبُنَّ بِمَا تَعْمَلُونَ، وَإِنَّهَا الْجَنَّةُ أَبَدًا أَوِ النَّارُ أَبَدًا.
    تُرى ما هو حجم النار؟
    وما هو هول النار؟
    أهون أهل النار عذابا
    لقد رأينا نصيب من هو أدنى أهل الجنة منزلة، لنرى أيضًا كيف سيكون حال من هو أقل أهل النار عذابًا. للموضوع بقية

  • #2
    روى البخاري ومسلم، عن النعمان بن بشير رضي الله عنه وأرضاه قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
    إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَرَجُلٌ تُوضَعُ فِي أَخْمَصِ قَدَمَيْهِ جَمْرَةٌ يَغْلِي مِنْهَا دِمَاغُهُ.
    وفي رواية أخرى:
    جَمْرَتَانِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ كَمَا يَغْلِي الْمِرْجَلُ وَالْقُمْقُمُ.
    وصرحت بعض الأحاديث أن هذا الرجل الذي هو أهون أهل النار عذابا، هو أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم.
    هذا أقلهم عذابًا، فكيف بمن هو أكثر منه عذابًا؟
    إنه في الواقع شيء مهول جدًا.
    روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
    نَارُكُمْ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ.
    قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً.
    قَالَ: فُضِّلَتْ عَلَيْهِنَّ بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا، كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا.
    من هنا نفهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه الإمام مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
    يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً- أي يُؤتي بملك ظالم، أو سلطان متكبر، أو حاكم جبار، رجل كان يعيش في نعيم كبير في الدنيا، لكنه من أهل النار- ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ- ضاعت يا إخواني متعة المال، ومتعة الملك، ومتعة النساء، ومتعة السلطة، كل هذا ذهب مع هذه الغمسة في الجحيم، لقد نسِيَ كل شيء مما كان يتمتع به غاية التمتع في الدنيا- وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ- فقير معدم معذب مظلوم مبتلى مريض محروم مصاب في ماله وأهله وولده وعمله ووطنه في كل شيء مجروح أو مقتول- فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ، وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ.
    لماذا إذن لا ننشغل بالجنة؟
    ولماذا لا نخاف من النار؟
    إننا عندما نعرف جيدًا، ونتدبر حجم الجنة، وحجم النار، وقيمة الجنة، وخطورة النار، نستطيع أن نفسّر مقولة الصحابي الجليل حرام بن ملحان رضي الله عنه وأرضاه، هذه الكلمة العجيبة التي أوقفتني أمامها طويلًا أفكر في معناها إنها كلمة في منتهى الغرابة، روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما طعن حرام بن ملحام رضي الله عنه وأرضاه يوم بئر معونة، وفي رواية حتى أنفذه بالرمح، أي أن الرمح اخترق الظهر وخرج من الصدر، لنتخيل هذا الموقف، ونعيشه جيدًا، هذا في عرف الناس مُنْتهي تمامًا، فقد كل شيء، ولكننا نجده يقول:
    الله أكبر، فزت ورب الكعبة.
    أي فوز هذا؟!
    لقد فَقَدَ الرجل حياته في عُرْف الناس، لكنه فاز بالجنة التي تحدثنا عنها منذ قليل، وفاز أيضًا بالنجاة من النار، والتى وصفنا بعضًا منها في السطور الأخيرة، لقد تيقن رضي الله عنه من هذا الفوز، لماذا؟
    نفذ الرمح في جسده، وتأكد أنه سينال الشهادة، ويفوز بوعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسينتقل من أرض المعركة إلى الجنة مباشرة، يغفر للشهيد في أول دفعة من دمه، وهذا ما كان يريده حرام بن ملحان رضي الله عنه وأرضاه، أن يغفر له في أول دَفعة
    [فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الغُرُورِ] {آل عمران:185}.
    فهذا هو الفوز الحقيقي، ولهذا قال رضي الله عنه:
    الله أكبر، فزت ورب الكعبة.
    ربما نكون لا نعرف كل هذه المعاني العظيمة، ربما لا نعرف الكثير عن الجنة والنار، ينبغي علينا أن نقرأ عن الجنة، ونتعايش مع ما نقرأه عنها، أو نسمعه، وأيضًا ينبغي أن نقرأ عن النار، ونظلّ خائفين من عذابها، ومن هولها، وكأننا قريبين منها، نخاف من النار كخوف عبد الله بن رواحة رضي الله عنه وأرضاه، والذي ذكرناه قريبًا مع أنه كان خارجًا للجهاد في سبيل الله.
    قد يقول البعض إنه يعرف كل هذه المعلومات التي ذكرناها، ومع هذا كله فإنه لا ينشغل بالجنة، ولا يفكر في النار.
    وأقول: ينبغي أن نعِي جيدًا أن العلم إن لم ينفع صاحبه، فهو كالجهل تمامًا، بل هو أخطر من الجهل، لأنه أصبح حجة على صاحبه، وإذا نظرنا وتدبرنا في أمر المشركين الذين عاصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، نجد أنه ما من شك أنهم كانوا على يقين أن محمدًا صلى الله عليه وسلم على حق وأنه الصادق الأمين، وكانوا يعلمون أيضًا أن القرآن الكريم لا يمكن بحال أن يأتي به بشر من عند نفسه، فهو كلام معجز، ويعلمون يقينًا أنه من عند الله، مع هذا كله لم يستمعوا إلى نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم، ولم يعملوا بعلمهم، فهل نفعهم العلم؟
    الوليد بن المغيرة كان يقول:
    لقد نظرت فيما قال الرجل- أي رسول الله صلى الله عليه وسلم- فإذا هو ليس بشعر، والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته، وما يقول هذا بشر.
    كلام رائع وعظيم، لو لم تعرف قائله ابتداء لظننت أنه أحد كبار الدعاة، لكن هل نفع هذا العلم صاحبه، لم ينفعه على الإطلاق؛ لأنه لم يعمل به، بل لقد خرج يقاتل الوليد المسلمين في بدر ومات في المعركة.
    أبو جهل لعنه الله عندما سُئل عن القرآن:
    يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ صلى الله عليه وسلم
    فقال: ماذا سمعت، تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا، فأطعمنا، وحملوا، فحملنا، وأعطوا، فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء. فمتى ندرك هذه، والله لا نسمع به أبدًا ولا نصدقه.
    فهو يعلم يقينًا أن محمدًا صلى الله عليه وسلم رسول الله، ولكن لأنه لن يستطيع أن يكون مثله لن يؤمن به، ومن ثَم لم ينفعه علمه.
    ويقول عتبة بن ربيعة عن القرآن:
    سمعت قولًا، والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانه، يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل، وبين ما هو فيه، فاعتزلوه، فوالله، ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم.
    ومع علمه هذا خرج يحارب المسلمين في بدر، وقُتل أيضًا على شركه وكفره، فلم ينفعه علمه.
    نحن لا نريد أن نكون مثل هؤلاء، ولا نريد أن تظل حياتنا على ما هي عليه مع ما علمناه عن الجنة والنار.
    كيف نعرف قيمة الدنيا، وقيمة الجنة، وخطورة النار، ثم نعيش للدنيا؟
    إنها حياة واحدة، طالت، أو قصرت، صعبت، أو تيسرت، عشت فيها حاكمًا، أو محكومًا، غنيًا، أو فقيرًا، ظالمًا، أو مظلومًا، طائعًا، أو عاصيًا.
    إنها في النهاية حياة واحدة محدودة جدًا، وليس فيها زيادة، أو نقصان، ولن تستطيع بحال أن تأخذ رزق أحد، أو عمرًا إضافيا من أحد.
    يا إخواني ويا أخواتي:
    [وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ] {البقرة:197} </span>.
    يا إخواني ويا أخواتي:
    هلمّوا إلى ربكم، فإن ما قلّ وكفى، خير مما كثر وألهى.
    يا إخواني ويا أخواتي:
    مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلََّا مَا كُتِبَ لَهُ، وَمَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ نِيَّتَهُ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ.
    يا إخواني ويا أخواتي:
    إذا كنتم تريدون الجنة حقا، فاعلموا أن ثمنها غالٍ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ، والله عز وجل لا يبيع سلعته بثمن بخس، دراهم معدوات، هذا مستحيل، إنما ثمنها الذي يريد سبحانه وتعالى هو النفس والمال وكل شيءٍ [إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ] {التوبة:111} </span>.
    اللهم اجمع لنا أمرنا، ولا تفرّقه علينا، واجعل غنانا في قلوبنا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، واجعل الجنة هي دارنا، ومستقرنا، آمين، آمين، وصل اللهم، وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم، والحمد لله رب العالمين.

    تعليق


    • #3
      chokran

      تعليق

      المتواجدون الآن 1. الأعضاء 0 والزوار 1.

      أكبر تواجد بالمنتدى كان 2,525, 26-09-2016 الساعة 21:58.

      يعمل...
      X