إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

التطرف البغيض من التكفير إلى التفجير (الحقلة الأولى)

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • التطرف البغيض من التكفير إلى التفجير (الحقلة الأولى)

    التطرف البغيض من التكفير إلى التفجير (الجزء الأول)

    بسم الله الرحمن الرحيم
    عبر امتدادات التاريخ الإسلامي، كان المتطرفون أقل من القليل، وأذلّ من الذليل، منبوذين، ملاحقين، مرفوضين من جمهور الأمة، فأمة رسول الله صلى الله عليه وسلم والحمد لله لا تجتمع على ضلالة.

    ثم إن أعظم نعم الله علينا هي نعمة الإيمان، فبها تكون النجاة من الخلود الأبدي في نار جهنَّم. والإيمان لا يثبت إلا باعتقاد العقيدة التي دعا إليها كل الأنبياء من أوَّلهم آدم إلى خاتمهم محمَّد عليهم الصلاة والسلام.

    وهذه العقيدة هي نفسها التي أعز الله بها المسلمين الأوائل من السلف الصالح إلى الخلف الصالح، حتى وصلت إلينا ناصعة بيضاء واضحة، مؤيَّدة بالأدلة والبراهين العقلية والنقلية.

    ولقد تميزت عقيدة المؤمنين الأوائل بالاعتدال ونبذ التطرف وعدم تكفير أحد من أهل القبلة بذنب ما لم يستحلَّه، فلم يعتبر المسلمون من ارتكب معصية ولو كانت من الكبائر كافرًا يحلّ دمه، وعلى هذا كان السلف الصالح. كما لم تحثّ على الانحلال وارتكاب الذنوب، بل من قواعدها أن المؤمن يكون بين الخوف والرجاء، يخاف عقاب الله له على ذنوبه، ويرجو مغفرته لذنبه. ولم تُبِح إنزال العقوبة بالمذنب في الغالب إلا للحاكم ومن يفوّضه من القضاة حتى لا يكون الأمر فوضى، فكفلت حفظ المجتمعات من الظلم ومن استباحة دماء الأبرياء. هذا وإن مرَّت البلاد في مراحل انتشر فيها ظلم، فمردّ ذلك إلى أن بعض الحكام لم يطبّق التعاليم الدينية الصحيحة. أما حين يطبقونها فسرعان ما تظهر الآثار الحسنة على المجتمعات، بَيْدَ أنه لم تسلم بلاد المسلمين من فرق شذّت فانحرفت عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك لجريان عادة الله في خلقه، أن جعلهم على أهواء مختلفة وآراء متباينة، فمنهم من يعجبه العيش في كنف مجتمع هادئ مطمئن، ومنهم من يميل إلى الشذوذ والتشدّد في غير محله إلى حدّ اتهام الآخر بما يبيح به لنفسه ماله ودمه، ومنهم من يميل إلى الانحلال والتسيّب. فالفريقان الثاني والثالث هما طرفا إفراط وتفريط، والفريق الأول طرف الاعتدال والوسطية.

    إن معاناة المجتمعات الإسلامية من المتطرفين الغلاة وعلى مر العصور قد تراوحت بين مد وجزر تقوى حينًا، وتضعف أحيانًا، فكلما اشتد سعي علمائنا في نشر تعاليمهم بين العامة زادت العوائق في وجه انتشار التطرف، لأن المواجهة تصبح بين فئة قليلة منحرفة وبين عامة المسلمين. وكلما شاع الجهل وجد التطرف له سبيلاً هيّنًا لغزو فكر البعض ليكونوا أداة تهديم لبلادهم، لذلك ينبغي الإسراع لتحصين أمثال هؤلاء، والوصول إليهم لحمايتهم قبل أن يصل إليهم المتطرفون.

    وتجدر الإشارة إلى أن أهل التطرف يحتجون بآيات من القرآن وأحاديث نبوية يحملونها على غير محملها للإيقاع بالناس. فالطالب الذي لم تتأسس عنده المعارف الأولية التي يميّز بها بين ما يوافق العقل والنقل وبين الشبهات التي يدّعيها أهل الغلو حجة، قد يقول في نفسه: هؤلاء يحتجون بالقرآن والحديث، فلا بد أن يكونوا على الحق، فيكون عرضة للانجراف في تيار التطرف والغلو، وهو يظن بنفسه أنه يلتزم بالشرع الإسلامي ويخدم دينه.

    لذلك نقول بكل صراحة: إن رفع شعار إغناء الجامعات والمعاهد بتعددية العقائد المتناقضة ومن ثم ترك الخيار للطلاب لانتقاء ما يعجبهم، دون بيان أحقية المنهج المعتدل وسبل معرفته وبيان مفاسد عقائد الفرق الشاذة، هو مقدمة لتفريق الطلاب الذين تعقد عليهم الآمال بقيادة البلاد في المستقبل موحدة آمنة مستقرة. فالاختيار مسموح حيث أباح الشرع الحنيف، كاختيار مسألة فقهية اختلف فيها مجتهدان، أما إعطاء الخيار لطالب العلم بين أمر أجمعت عليه الأئمة استنادًا للأدلة الشرعية من القرآن والسنة وأمر آخر يناقضه، فهذا فَتْحُ باب من أبواب الفساد.

    فينبغي تسليك طالب العلم مسلكًا واضحًا يوصله إلى طريق السلامة، ألا وهو المسلك الذي سلكه النبيّ محمد عليه الصلاة والسلام لصحابته الكرام، فتآلفت قلوبهم، واتحدت جهودهم، لهدف واحد، فنشروا العلم والمعرفة في كثير من البلاد، ونفعوا كثيرًا من العباد.

    وهذا الطريق نفسه الذي سلكه علماؤنا الأفاضل على مرّ الزمان، وهو ما عليه السواد الأعظم من الأمة على مدار أربعة عشر قرنًا، فلمَ السعي للتغيير الآن؟ لتغيير عقيدتنا المأخوذة أصلاً بالسند المتصل عن السلف الصالح إلى عقائد جديدة وغريبة عن مجتمعاتنا مما يثير الريب والقلاقل بين أفراد المجتمع الواحد.

    فالعقيدة الأشعرية هي العقيدة التي كان ولا يزال عليها جمهور الأمة المحمدية حكامًا ومحكومين، علماء وعامة، وخاصة في بلدنا المغرب الحبيب كما قال في خطابه الملك محمد السادس حفظه الله من كل سوء أمام جمع من الفقهاء والعلماء ورجال الدولة من أمراء وجنود وضباط وغيرهم، فالتشكيك بها ووصمها بما ليس فيها تحت عنوان التجديد أو اللامذهبية أو اتّباع السلف ما هو إلا محاولة للدخول على من لم يحصّن نفسه بالعلوم الضرورية لحفظ عقيدته، ومن ثَمَّ نشر الغلو والتطرف في العامة، وتفتيت المجتمعات بجعل أفرادها أعداءً لا إخوانًا.

    وإذا نُحِّي الماضي جانبًا وبُحث في العصر الحديث، ودُرست ظاهرة جماعات التكفير المطلق في ظل تشنجات الدول المتصادمة معهم كفعل وردة فعل، سيظهر أنه لا بد من التنبيه إلى خطورة ما يجري على الساحة الإسلامية من تضليل لكثير من الشباب المتحمّس تحت شعار ودعوى الدعوة إلى الحكم بما أنزل الله. وقد سبَّب هذا النوع من التطرف للوطن العربي سلسلة حوادث دموية بدأت في مصر مرورًا بسوريا ولبنان والأردن والجزائر والمغرب واليمن وغيرها، وأخذ الخراب يتوسع والتفجيرات تنتقل من قطار إلى مطار إلى أسواق شعبية، تطال المواطنين والضباط وأفراد القوى الأمنية وغيرهم باسم الإسلام كذبًا وزورًا.

    وفي أواخر القرن العشرين نشأت ناشئة في بعض البلاد الإسلامية تعتنق مذهب الخوارج من جديد، فوجدنا من يعتقد كُفْرَ من يرتكب معصية من المعاصي، بل منهم من كفَّر جميع المسلمين وإن صلوا وصاموا وزكوا وحجوا، باعتبارهم ليسوا من جماعتهم، وحكموا على مجتمعات المسلمين المعاصرين بأنها مجتمعات جاهلية، ومن ثَمَّ حكموا على ديارهم الإسلامية بأنها دار كفر؛ والعياذ بالله تعالى من الضلال والإضلال، فكفَّروا الحاكم والمحكومين، مستشهدين بقول الله تعالى:﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص/8].

    وهذه الحركات المتعددة جماعات منفصلة ومستقلة بعضها عن بعض، لا تربطها في بعض الأحيان جبهة ظاهرة موحدة ولا قيادة مركزية رغم التشابه والتماثل في ما بينها، وفي أحيان أخرى تربطها جبهة أو جبهات موحدة وهيكليات تنظيمية تحمل الطابع الإقليمي أحيانًا، والطابع الدولي أحيانًا أخرى، وفي أحوال عديدة تستغل بعض الدول هؤلاء الشبان لتوظيفهم لحسابها.

    وعليه، فإن هذا التطرف القائم في هذه المجموعات ما هو إلا امتداد لجذور ابتدأت من الخوارج وإفرازاتها الخطيرة، حيث قام مبدؤهم على فكرة الحاكمية، وتقول هذه النظرية: إن من حكم بغير الإسلام ولو في مسألة واحدة فهو كافر مطلقًا من غير تفصيل. ومن تأمل لا يجد سلفًا لهؤلاء إلا طائفة يقال لها البيهسية[1] منفردين عن سائر فرق الخوارج بقولهم: إن الملِك إذا حكم بغير الشرع صار كافرًا ورعاياه كفارًا من تابعه ومن لم يتابعه.

    نسـتخلص من ذلك كله أن الأفكار تتكرَّر، وأن الأسماء هي التي تتغير. ثم إن من دواعي التطرفِ الإفراطَ في الدين والجهلَ به، وبعض هذا يوقع في الكفر، كمن حرم أن تذبح المرأة الحائض الشاة مثلاً، أو أن تطبخ الطعام، أو ادّعاء أن سيدنا محمَّدًا صلى الله عليه وسلم يَعْلَمُ كلَّ ما يعلمه الله، والعياذ بالله.

    أما التفريط في الدين فسببه أيضًا الجهل بالشريعة، وينتج عنه مثلاً تحريف لفظ الجلالة الله عند بعض أدعياء التصوف، وإبدال كلمة الله بلفظ اللا أو آه، أو التيمم بغبار مقاعد السيارة أو سجادة العتبة بداعي عدم وجود التراب، وهذا حرام. وبعض التفريط يصل إلى الخروج من الدين كالطعن بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والتنقيص لقدره الشريف.

    ولْيُعلم أن الانقضاض على الأمة الإسلامية وانتهاك مقدساتها، وتفتيت وحدة أراضيها، وشرذمة مجتمعاتها عبر إفساد عقائد بَنِيها أو تشريدهم وتقتيلهم كان دومًا هدفًا رئيسًا للغزو الاستعماري الغاشم لبلادنا من قبل القوى الحاقدة على الإسلام والمسلمين منذ البعثة المحمدية.

    فالهجمات الاستعمارية الشرسة كانت الغاية منها محاربة الإسلام ومقاتلة أتباع النبي الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام. ولا ينبغي لنا أن نَغفل عن دور الحركة الصهيونية في نشر المكائد وبث بذور التفرقة بين المسلمين سابقًا وحديثًا، وبعض متطرفي هذا الزمن عرفوا أو لم يعرفوا يمثلون امتدادًا لأفكار واعتقادات ومخططات ومكائد يهود خيبر وخوارج الماضي. فمن هنا، كان تعاظم نمو الحركات المتطرفة المتسترة باسم الإسلام في النصف الثاني من القرن العشرين يأتي منسجمًا تمام الانسجام مع ما يخطط له أعداء الأمة من أجل ضربها وإضعافها وزرع بذور الخلاف في صفوفها، وبإمكاننا القول إن هذه الحركات المتطرفة الهدامة هي مرتكز أساس في هذا المخطط الاستعماري التفتيتي.

    وقد تعددت الأساليب والوسائل التي يستخدمها أعداء الحق في محاربتهم للإسلام، ولكن الأسلوب الأخطر الذي اتبعه الحاقدون هو أسلوب التشويش على عقائد المسلمين عن طريق استخدام أدواتهم المحليين المنتسبين ظاهرًا إلى الإسلام ممن ألبسوهم زي العلماء ليفسدوا على الناس دينهم، ويموهوا عليهم لنشر عقائد الضلال والفساد باسم العلم والعلماء.

    ولا بد من الإشارة إلى أنه ينبغي أن نميز بين التدين الذي هو الالتزام بأحكام الدين والتطرف الذي هو غلو وتجاوز وبُعْد عن معاني الشريعة السَّمحَة، وقد اتضحت الصورة لكثير من الكتَّاب فسارعوا للتحذير من مخاطر المتطرفين المتسترين بالدين، إلا أن بعضًا من المؤلفين والكتَّاب قد أسرفوا كثيرًا في وضع المدلولات للتطرف، ورموا به الكثيرين من محبي الالتزام بأحكام الشرع الحنيف، فاتحين ثغرة يتسلل عبرها أدعياء التدين من المتطرفين، حيث يتوجهون إلى العوام محبي الدين ويصورون لهم هؤلاء الكتَّاب كأعداء الإسلام، بينما يصورون أنفسهم مدافعين عنه مجاهدين لنشره محاربين لذلك، فيكسبون عطف العوام ومؤازرتهم ليتمكنوا رويدًا رويدًا فيما بعد من دس سمومهم في عقولهم وعقائدهم. فكان من المناسب والضروري التنبيه إلى خطورة رمي محبّي الالتزام بأحكام الشرع الحنيف باسم التطرف، لمخالفته الصواب والحقّ، ولأنه يتّخذ سلّمًا وذريعة من قبل المتطرفين أنفسهم لتعميم نظرة التشاؤم لدى محبي الدين، وأخذهم بالاتجاه الذي يخطّطون له.

    إن المتطرف إنسان يبحث عن الآراء والأفكار المتشددة البعيدة عن الصواب ويحاول إلزام الناس بها بالتمويه والتعمية والاستدراج مستغلًا الجهل حينًا، وبعض الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية أحيانًا، مع لفت الانتباه إلى أن العديد من التنظيمات المتطرفة انطلقت شرارتها الأولى من صفوف الدراسة في المدارس والجامعات، والفراغ الذي يعانيه الكثير من الشباب، وضعف التوعية السليمة، وعدم نشر مفاهيم الإسلام المعتدلة التي تشكل حصنًا حقيقيًّا في وجه المبادئ المتطرفة ومضامين الغلو ومظاهره. فالتطرف بكل أشكاله يخفي وراءه الحقيقة التي تؤكد وجود خطر أسود وداهم ومدمر. وإن جزءًا من خطر جماعات التطرف يكمن في تسمياتها، فهي تطلق على نفسها أسماء رنانة لا تعكس مضمونها المتطرف لترويج بضاعتها الفاسدة، وأفكارها المسمومة من خلال التستر باسم الإسلام.

    كما أن المراقب لخط سير التطرف المتستر بالإسلام يجد أننا قد دخلنا مرحلة خطرة جدًّا. فلقد أصبح القتل عندهم عادة يقومون بها بكل سهولة ويسر وأعصاب باردة ونفس لا تعرف الرحمة، وبفكر تحريضي بغيض وحقد دفين.



    [1] نسبةً إلى هيصم بن جابر الضبعي أبي بيهس. خير الدين الزركلي، الأعلام.

  • #2
    يتبع بعون الله تعالى

    تعليق

    المتواجدون الآن 1. الأعضاء 0 والزوار 1.

    أكبر تواجد بالمنتدى كان 2,525, 26-09-2016 الساعة 21:58.

    يعمل...
    X