إلى من يفر المسلم ...

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • إلى من يفر المسلم ...

    الفرار إلى الله تعالى


    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ‏
    أما بعد :‏
    ‏ فإن قلوب العباد أوعية لما أودع فيها من العلوم، وظروف لما جعل فيها من المعارف بالأمور، ‏
    وهي مع ذلك تصدأ إذا أُهملت كما يصدأ الحديد، وتضطرب وتفور كما يفور المرجل إذا فتحت
    ‏أبوابها للوساوس والشكوك والشهوات والشبهات، ويعلوها الران إ ذا تركت نهبا لإبليس وجنوده،
    ‏حتى إنها لتصير من أثر ذلك معتمة لا تتمكن من الإبصار ومعرفة الحقائق حتى لو كانت في
    غاية ‏الوضوح ، ويزداد الإعتام كلما بعد الناس عن ربهم حتى تصل إلى درجة الإغلاق التام ،
    قال الله تعالى ‏‏:"كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون" فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه
    عن رسول الله صلى ‏الله عليه وسلم قال :"إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء،
    فإذا هو نزع واستغفر ‏وتاب سقل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه،
    وهو الران الذي ذكر الله :كلا بل ران على ‏قلوبهم ما كانوا يكسبون"‏ ‏ [المطففين : 14]
    قال الطبري :"فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الذنوب إذا ‏تتابعت على القلوب أغلقتها،
    وإذا أغلقتها أتاها حينئذ الختمُ من قبل الله عز وجل والطبع، فلا يكون ‏للإيمان إليها مسلك
    ولا للكفر منها مخلص"‏ ، وعن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال :
    سمعت رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم يقول :"تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا،
    فأي قلب أشربها نكت ‏فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء،
    حتى تصير على قلبين :على أبيض مثل ‏الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض،
    والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا لا يعرف ‏معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه"‏ ‏.‏
    ‏ ولا يتمكن العبد من النجاة من ذلك إلا بالفرار إلى الله تعالى والرجوع إلى ربه والإنابة إليه،
    ‏والذل والخضوع والانكسار بين يديه، والاستغفار والتوبة، والاعتماد عليه تعالى في الأمور كلها
    ، فهو ‏ربه ومليكه، وخالقه ورازقه، يعطي ويمنع وهو على كل شيء قدير،
    قلبه بين يديه يقلبه كيف يشاء، ‏وهذا هو الفرار إليه الذي طلبه الله منا
    بقوله تعالى :"ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين" فهو ‏سبحانه الملاذ والملجأ
    وهو المغيث، ولا ملجأ منه تعالى إلى إليه، بقول ابن جرير :"فاهربوا أيها الناس ‏من
    عقاب الله إلى رحمته بالإيمان به، واتباع أمره، والعمل بطاعته"، والفرار لا يكون
    إلا إلى الله تعالى ‏ولا يكون إلى أحد من خلقه، فإن الله تعالى هو رب العالمين
    وهو الفعال لما يريد، والخلق بأجمعهم لا ‏يقدرون على شيء إلا ما شاءه الله تعالى
    :"وما تشاؤون إلا أن يشاء الله"، ومن فرَّ إلى غيره لم يمتنع ‏منه،
    حتى يفر الإنسان من نفسه التي بين جنبيه إلى ربه خالقه ومولاه،
    فراحة الإنسان وأنسه وسعادته ‏وأمنه واطمئنانه إنما تكون بالفرار مما سوى الله إلى الله تعالى.‏
    ‏ وقد عبر القرآن عن الرجوع إلى الله تعالى بلفظ الفرار لبيان الحزم
    والجدية والفورية التي ينبغي ‏أن يتعامل بها مثل هذا الأمر فهو ليس
    أمرا على التراخي، فشأن المخالفة والمشاققة لله ولرسوله أمر ‏جلل
    مخوف حقه أن يُفَرَّ منه ويقلع عنه بأقصى ما يمكن، والتعبير بلفظ الفرار
    يدل على شدة القيود ‏التي تكبل الإنسان أو على شدة المغريات التي تأسره
    حتى يحتاج إلى الفرار وإلا لم يستطع أن يخرج من ‏دائرة تأثيرها،
    كما أن التعبير بالفرار ؛ يفصح عن سرعة الإهلاك والعذاب التي تنظر
    المتواني أو ‏المتباطئ، فالأمر لا يحتمل الإبطاء في الرجوع إلى الله تعالى،
    فالفرار الفرار إليه يا عباد الله ، فإنه لا ‏مهرب منه إلا إليه، والإنسان في غالب شأنه
    لا يفر إلا مما يخاف منه أشد الخوف ولا قدرة له على ‏دفع ضره وأذاه،
    ولا يفر إلى شيء إلا إذا كان يجد عنده الأمن والطمأنينة
    فكان في هذا التعبير القرآني ‏الموجز أصرح الدلالة على أن الشقاء والبؤس والتعاسة
    والخسارة الكاملة التي لا ربح بعدها، في البعد ‏عن الله والفرار منه إلى غيره،
    كما أن الخير والفلاح والربح المضمون الذي لا تعقبه خسارة، في ‏القرب إلى الله والفرار إليه
    والفرار إلى الله كما يكون بالعمل بطاعته والتوبة إليه، يكون أيضا بالهجرة
    من دار الكفر إلى ‏دار الإسلام، ومن دار البدعة أو المعصية إلى دار السنة أو الطاعة، ومن أعدائه إلى أوليائه، فهو ‏متضمن للولاء والبراء والثبات على الدين،
    فالأول فرار بالقلب
    والثاني فرار بالجسد،
    والثالث فرار ‏بالقلب والجسد معا،
    وكل نوع من الفرار مطلوب من المرء كلٍّ على حسب حاله ‏
    والمسلم في حاجة دائمة إلى الفرار إلى الله تعالى والاستغفار والتوبة إليه في كل آن وحين،
    ‏فبالفرار إلى الله سبحانه وتعالى والاستغفار والتوبة يستنزل الغيث، ويستجلب المال والولد،
    ويشتد ‏الساعد وتزيد القوة التي يتمكن بها المرء من فعل ما يريد، قال الله تعالى :" {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ ‏كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ ‏أَنْهَاراً" [نوح :10-12ا]، وقال تعالى"وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعاً حَسَناً إِلَى ‏أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ " [هود:3] ‏وقال تعالى :" وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى ‏قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ" [هود :52].‏
    والفرار إلى الله تعالى ليس عملا قلبيا أو وجدانيا فحسب، ثم ينغلق المرء بعدها
    على نفسه فلا ‏يكون لذلك الفرار أثر في الواقع، ولكنَّ الفرار مبتداه من القلب ثم
    ينساح على الجوارح كلها فيغمرها ‏فيه، حتى تكون تابعة له تعمل ما يأمرها به،
    ولا تمتنع منه، كما قال رسول الله ‏‏ :" ألا وإن في ‏الجسد مضغة إذا صلحت صلح
    الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب"‏ ‏ وكما ‏قال الصحابي
    الجليل أبو هريرة رضي الله تعالى عنه :" القلب ملك وله جنود، فإذا صلح الملك ‏
    صلحت جنوده، وإذا فسد الملك فسدت جنوده"‏ ‏ وجنود القلب هي أعضاء البدن،
    فإذا كان الفرار ‏انغلاقا بالنفس عما حولها بحيث لا يؤثر فيها، فهو انسحاب من الحياة
    وهروب غير محمود، وهؤلاء ‏هم أصحاب رسول الله ‏‏ عندما فروا إلى الله غيروا
    وجه الأرض حتى عمها التوحيد والعدل بعد أن ‏غلب عليها الشرك والظلم.‏
    ‏ ولا يكون الفرار انسحابا محمودا من الحياة إلا في آخر الزمان، عند غلبة الجهل
    وفساد الناس، ‏حين لا يجدي العمل والدعوة، فيكون الفرار حينئذ حفاظا على الدين
    ورعاية له، قال رسول الله ‏‏ ‏‏:"يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها
    شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن"‏ ، ‏قال ابن حجر رحمه الله تعالى:
    "والخبر دال على فضيلة العزلة لمن خاف على دينه"‏
    وقد يقع في ذهن البعض أو الكثيرين أن الفرار إلى الله تعالى والاستغفار
    والتوبة لا تكون إلا من ‏العاصي أو عند الوقوع في المعصية، وهذا وهم غير صحيح،
    بل العبد محتاج إلى ذلك ولو كان على ‏غير معصية، بل يحتاج إليها مع الطاعة
    في كل تقلباتها :قبل الطاعة وفي أثناء الطاعة وبعد الانتهاء منها
    ‏قال الله تعالى لعباده وهم في أثناء طاعة من أجل الطاعات،
    وهي فريضة الحج:" ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ ‏أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ " [البقرة :199] فأمرهم بالاستغفار وهم يؤدون ‏النسك، كما أمرهم تعالى بالاستغفار
    بعدما أمرهم بكثير من الأعمال الصالحة والواجبات
    فقال تعالى ‏‏:"فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ ‏خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" [المزمل :20]، وقد ‏نادى الله تعالى المؤمنين باسم الإيمان وأمرهم بالتوبة فقال :" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً ‏نَّصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي ‏اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ‏إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" [التحريم :8] وقال تعالى :" وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ ‏تُفْلِحُونَ" [النور :31]، وهذا رسولنا الكريم
    الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يقول لأصحابه ‏‏:" يا أيها الناس توبوا إلى الله،
    فإني أتوب في اليوم إليه مائة مرة"‏ ‏ ويقول :" والله إني لأستغفر الله ‏وأتوب إليه
    في اليوم أكثر من سبعين مرة"‏ ‏ .‏
    لقد كان الفرار إلى الله تعالى هو مصدر القوة والعزة والمنعة التي كان يعشها
    المسلمون الأولون، ‏وهو الذي كان سببا في انتصارهم وظهورهم على
    من ناوأهم ممن خالفهم وعاداهم حتى إن أحدهم ‏ليسرع الفرار إلى الله
    ولو كان في ذلك موته، فعندما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
    في غزوة ‏بدر للمسلمين محرضا لهم على القتال:"قوموا إلى جنة
    عرضها السموات والأرض قال عُمير بن الحُمام ‏الأنصاري يا رسول الله
    جنة عرضها السموات والأرض! قال :نعم قال :بخ بخ،
    فقال رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم :ما يحملك على قولك بخ بخ؟
    قال :لا والله يا رسول الله إلا رجاءة أن أكون ‏من أهلها، قال :
    فإنك من أهلها، فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن،
    ثم قال :لئن أنا حييت ‏حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة،
    قال :فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل"‏ ،
    وتقدم ‏رضي الله عنه للقتال مسرعا وهو يرتجز ويقول :"
    ركضا إلى الله بغير زاد *
    إلا التقى وعمل المعاد ‏
    والصبر في الله على الجهاد
    * وكل زاد عرضه النفاد
    غير التقى والبر والرشاد"
    والركض إلى الله تعالى ‏هو الفرار إليه.‏
    ثم تغير الحال وضعف المسلمون وصار كثير منهم يفرون إلى عدو الله وعدو المسلمين،
    مسارعة ‏فيهم والتماسا للقوة والعزة منهم،
    حتى إن منهم من ينصر الكفار على المسلمين من أجل ذلك،
    وقد ‏نهى الله تعالى المؤمنين عن هذا المسلك
    فقال :"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ‏تلقون إليهم بالمودة" وبين حقيقة من يسلك هذا السبيل فقال :" فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ‏يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ ‏عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ" [المائدة :52]، وقال :" بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً الَّذِينَ ‏يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً" [النساء :139-‏‏138]،
    فلا عز لنا ولا نصر ولا كرامة، إلا أن يكون الفرار إلى الله تعالى وحده لا شريك له،
    دون ما ‏سواه من خلقه أجمعين، اللهم اجعلنا ممن يفرون إليك. ‏

    منقول



  • #2
    فلا عز لنا ولا نصر ولا كرامة، إلا أن يكون الفرار إلى الله تعالى وحده لا شريك له،
    دون ما ‏سواه من خلقه أجمعين، اللهم اجعلنا ممن يفرون إليك. ‏
    جزاكي الله خيرا اخيتي على الموضوع الرائع اللهم تبتنا واحسن خاتمتنا يارب ..








    تعليق


    • #3
      أمين أختي الغالية محبة رسول الله
      جعلنا الله واياكن من الفارين له في السراء والضراء


      تعليق

      المتواجدون الآن 1. الأعضاء 0 والزوار 1.

      أكبر تواجد بالمنتدى كان 2,525, 26-09-2016 الساعة 21:58.

      شاركي الموضوع

      تقليص

      يعمل...
      X