مدخرات في بنك التقوى( د/ عبلة الكحلاوى)

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • مدخرات في بنك التقوى( د/ عبلة الكحلاوى)


    قال تعالى :[ ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ] . وقال الرسول صلى الله عليه وسلم
    ( أعمل للدنيا على قدر مقامك فيها واعمل للآخرة على قدر بقائك فيها واعمل لله على قدر حاجتك إليه واعمل للجنة على قدر شوقك إليها وأعمل للنار على قدر صبرك عليها).
    يحسب الناس بأقدارهم و بما لديهم من مدخرات في المؤسسات المالية وبما شيدوه من قصور عامرة . وربما ننسى في زحمة الأيام أننا قد نبني ما لا نسكن ونجمع ما لا نأكل ونزرع ما لا نحصد . فالدنيا ما هي إلا ميقات زماني يتسم بالحينية كما قال الحق ( ولكم في الأرض مستقر و متاع إلى حين ) وكما قال الإمام على [ ما ابن آدم إلا أيام معدودة إذا مضى يومه مضى بعضه ] . وفي المرحلة القصيرة يمر الإنسان بمراحل شتى من طفولة وصبا وشباب وكهولة، وكل مرحلة تبنى على سابقتها ، فالإعداد النفسي والجسماني والعقلي في سني الطفولة ، يؤثر تأثيراً مباشرا على المراحل التي تليها . فالطفل الذي نشأ في بيئة سوية خالية من العقد النفسية يصبح رجلا صالحا سويا ، يدرك ما له وما عليه في سلاسة ودعه . بينما من ينشأ في بيئة دون ذلك سواء مع والده منفصلة عن الأب منصرفة لمتطلباتها الخاصة أو مع والد يشعر دوما بأنه عبء ثقيل ، أو مع أي قريب أو قريبة يحملا بطاقة والده بديلة أو والد بديل . هنا لابد أن تؤثر هذه التنشئة الموجعة على سلوكياته عندما يصبح شابا مسئولا إنه حتما سيحمل مدخراته النفسية في حقبة الذاكرة، وناهيك عن رد الفعل سواء على المحيطين به أو على نفسه .
    لهذا وضع المشرع الحكيم الضوابط ذات الفعاليات المؤثرة على الأسرة عموما من حيث مبتدأ الاختيار لكل من الزوجين ومن حيث كم الحقوق والواجبات لكل منهما حتى في الطلاق الذي عده تشريعاً استثنائيا إن تعذرت الحياة الزوجية .
    لذا وضع المشرع الحكيم، الإجراءات المضادة التي تحول دون وقوعه حتى لا يُحرم الأبناء من البيئة الطبيعية التي لابد وأن تحتويهم وهم بعد زغب ألحوا صل. وحتى إن لم يكن سوى الطلاق مطببا لجراحات الأسرة . فقد وضع المشرع العليم عبارات نديه لما بعد الطلاق . منها السراح الجميل ، التسريح بالإحسان ، والفراق بالمعروف ، وما ذلك إلا حفاظا على مدخرات الأبناء النفسية والعقلية فتبقى لوالديه مكانتهما الداعية للبر دوما ، وتحتفظ الأسرة الكبيرة بدورها في الرعاية والحب، لتبقى الصلة الرحيمة كما أرادها الله وإلا ورث الصغير كراهية أمه وجده وخالته من أب كاره ، أو أرضعته الأم لُبان القطيعة لوالده وجدته وعمه .
    إن الأيام وعاء السلوك والنفوس تلك التي تحفظ موروثا موجعا وآخر مضيعا وربما تحيلها عذابات الطفولة إلى نفس أمارة بالسوء . وإذا كانت المرحلة الأولى قدر كُتب علينا ليس لنا فيه ناقة ولا جمل . فإن علينا أن نتعامل بحرص، في مرحلة اكتمال الشخصية ( مرحلة النضج والتكامل ) وخاصة بعد ما أضحى الإعداد المدخر للغد مسئولية شخصية، حتى لا نقع في دائرة ظلم لأنفسنا أو لغيرنا ( كما ظلمنا) . فنبدأ من الآن بإعداد جملة المدخرات التي تمكننا من حياة طيبة في الدنيا ورصيدا مدخراً يمنحنا بطاقة دخول للجنة إن شاء الله في الآخرة . فهناك من يبلغ الشيخوخة وهو بعد في سني الرشد والشباب ، وهناك من يرفل في حلل الشباب النفسي والروحي والجسماني و هو في مرحلة الشيخوخة سنا ، عموما الشيخوخة حالة نفسية وعقلية وجسمية لا تخضع لبلوغ عمر زمني معين . إذ الشيخوخة النفسية لا تتواءم بالضرورة مع المتغيرات الجسمية التي تحدث في هذه السن وما بعدها . فقد تحدث مبكرة في الرشد المتأخر . وقد تتأخر كثيرا وكل هذا يتوقف على ما أدخره في شبابه ومدى استثماره لطاقاته المعرفية والوجدانية والاجتماعية بل والجسمانية ، ويتوقف أيضاً على مدى سيطرته على رغباته وأهوائه ونوعية خبراته وأصدقائه أيضاً .
    وعندما تصفحت النظرية الإسلامية في بناء الفرد المسلم وجدت منهج الوسطية والاعتدال ينظم هذه المدخرات بسلاسة وقد آثرت أن أبدا هذه المدخرات بالمدخر الروحي الذي يمكن الإنسان من مواجه غده، دون شعور بالخوف من المجهول، وذلك لو أعد نفسه إيمانياً، بأن يؤمن بالله، ويرضي بقضائه، ويسعى لمرضاته، ويؤدي المطلوبات التعبدية، ويصبر على المحرمات، ويدرك الحكمة من أداء هذه التكليفات .
    فالصلاة ترويض للنفس على الخشوع والاستكانة وبالتسليم والتواضع لله . فهي الصلة الدائمة بين الإنسان وخالقه وهي المتنفس الهادي المنظم الذي يحمي رئة الأيام من الران والخبث وهي الوسيلة العظمى لتزكية النفس . والصوم : ترك ما نحب إلى ما يحب ومعايشة للحرمان ومشاركة للمحروم وطريقة تربوية منفردة لتقوية الإرادة وإضعاف جبروت إلف العادة . فإن أمر بالحمية لمرض ، أو كبر فهو معد قبلا للامتثال للأمر .والزكاة : تدريب يدور مع كل كسب على مفارقة أحلى ما يحب طواعية مع يقين إيماني ثابت أنه مفارق لما جمع لمن يحب ومن لا يحب وهي مطهر فعّال للنفس من ذميمة الشح ونقيصة البخل فإن قربت المفارقة وأوشكت رحلته على المغيب فهو آمن لأنه مطمئن أدخر في بنك التقوى ، لأنه اكتسب حلال وأنفق قصدا وقدم فضلا .
    والحج : إعلان عملي عن حقيقة الإسلام الذي تلبس به المسلم، إذ تفرد دون سائر العبادات بمشقة الانتقال أو السفر . وهو مقولة رامزة لرحلة الحياة والموت والسلام والصبر والتلاحم والتعارف ، يعايش فيه المرء رحلة الحياة من مبادئها إلى مساربها . فيبدأ الرحلة كمن جاءه الأمر بالسفر لخالقه، اغتسال وصلاة ورداء بسيط يشبه الكفن ووداع للأهل والأحباب ووقوف بعرفة يشبه يوم الحشر ، ثم رمي الجمار يشبه التوبة والخلوص من الآثام و المعاصي، ثم عود للأهل مرة أخرى وفي ذلك تذكير باليوم الذي يفارق فيه بلا عودة. و في الحج يقف الإنسان أيضا قبالة نفسه فيصدقها فترقى من نفس أمارة لترقي إلى اللوامة ثم الملهمة ثم المطمئنة ثم المرضية.
    فتشتد خشيته فهو عامل بالنهار ذاكر عابد في الليل . يقول تعالى عنهم ( تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون ) . فهو على يقين إن الموت خَلّقُ جديد يقول الحق ( الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) . والخلق ضد العدمية وأنه بعد عبور جزيرة الحياة وجزيرة الموت ليحيا حياة أبدية في عالم النور ( الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحيكم ). ترى أي مدخر أبقى وأحفظ في الآخرة من إيمان صادق و عمل صالح .
    و صدق الحق حين قال (والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا و خير أملا )
    الحافظة الفكرية … لابد للإنسان أن يعتاد التفكر والبحث ليساير فطرته التي ميزها الله عن كل ما سواها، وألا يقبل عقليا كل ما يفترض عليه. وأن يظل حريصا على طلب العلم، باحثا عن كل ما يثري عقله وفكره .فالتأمل و التفكر فريضة في الإسلام .
    فمن تكاسل صدأ عقلة، و هذه تعد بداية النهاية، ويتبع ذلك افتقاده لاستقلاله السيكولوجي إذا ما ركن إلى الاعتماد على الآخرين ، ثم يتحول شيئا فشيئا إلى أنماط سلوكية مبكرة من السلوك
    الطفو لي. (رعاية الشيخوخة،يوسف ميخائيل أسعد) و صدق الله العظيم حين قال ( ومن نعمره ننكسه ) . وهذا يبرز المعنى العظيم لقوله تعالى ( لكيلا يعلم من بعد علم شيئا ) . فالتعلم والرغبة في الإستذاده، دليل على القوة حتى ولو تقدم به العمر فعلى الإنسان ألا يبرح جوهرة التفكر والتدبر و خاصة أنهما عبادة مطلوبة. وكم زيلت الآيات الكريمات بقوله تعالى أفلا يتدبرون …أفلا يعقلون…..
    أما الحافظة الصحية (الجسم الإنساني) : فنجد أنه يتلف سريعا نتيجة للاستعمال السيئ لهذا وجب على الإنسان ادخار عافيته وتوخى الاعتدال، وأن يفرق بين الرغبة والحاجة، وإلا دمرت صحته و بالتالي يحيا الإنسان إلى ما شاء الله عليلا، هذا إن لم توافيه المنية، نتيجة ما يعبئه في جوفه أو يتنفسه، و ها نحن نرى انتحاراً جماعيا لأكباد المصريين . ويقاس على المطعومات سائر الرغبات الأخرى، فهناك فرق بين الحاجة والرغبة. وللعلم أن الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يستنفر الرغبة، ويترك منطقة الاحتياج المسيطر عليها إلى نقطة الاستدعاء والاستنفار التي ربما توقعه في المحظور . والضوابط الشرعية تقدم الدواء الناجح ، فهي ترشد إلى طريق الاعتدال دوما سواء في المأكل والمشرب أو في النكاح . يقول تعالى [ وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ] وأيضا (كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه ) وفي الحديث الشريف ( ما ملأ ابن أدم وعاءً شراً من بطنه ) . فتناول ما فوق القدرة يضعف طاقة الجسم عن التخلص من الفضلات الضارة تلك التي تتحول بدورها إلى سموم . وكذلك لو أن المرء استجاب للتحذير من عواقب الفاحشة وسد المنافذ المؤدية إليها، وعالج الحاجة الجسمية برابطة زواج مشروعة، لضمن السلامة.
    ولعل بعض الحكمة من الزواج تتبدى ألان ، فمن أرتبط بزوجة واحدة مصاحبة له في رحلته الحياتية كان ذلك وحده، وسيلة علاجية تنظيمية هادئة لتلبية الاحتياجات الطبيعية، بحسب تقدم العمر وبحسب الحالة الصحية .
    أما الحافظة الاجتماعي : فهذا يعني أسلوب الشخص نفسه ومعاملته لأسرته الصغيرة ثم المجتمع الخارجي من أصدقائه ورؤساء . ثم الصورة الذهنية عنه لدى الآخرين عند تذكرة أو رؤيته . أن التوجيهات الشرعية تشكل في مجموعها الصورة الطيبة للإنسان الصالح الذي فاز بمقام القرب من الله ثم المحبة من الناس . فعندما يؤمر باختيار ذات الدين التي لا تقف عند مفردات الالتزام وإنما تنحو نحو عمق الإلزام . هذه المرأة الصالحة يمتد صلاحها إلى احتواء زوجها عند الملمات من مرض وافتقار وصحة وغني ويسار.
    والشيخوخة أهم فترة احتياج للزوجة الصاحب بالجنب لهذا يختار من تصلح أما لأبنائه بل ويختار أرملته أيضاً . تلك التي تقوم على تربية أولاده ولا تفتأ تدعو له . ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم [ الدنيا متاع وخيرُ متاعها المرأة الصالحة ] . ثم يؤمر الزوج بحسن عشرتها لقول الحق [ وعاشروهن بالمعروف ] و في الحديث( اتقوا الله في النساء أخذتموهن بأمانة الله … استحللتم فروجهن بكلمة الله) . وكذلك تختار المرأة الرجل الصالح لحديث [ إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه ] ثم تحسن عشرته، فحسن تبعل المرأة لزوجه، يعدل الجهاد وشهود الجماعة والحج .وحتما ستجني ثمار ما قدمت . وفي معاملتها لأبنائها لابد من إتباع المنهج القويم في حضانتهم ورعايتهم وتربيتهم تربية صحيحة . فإذا بهم يجدون أبناء يبرونهم.
    و في معاملة المرء لأقرانه لابد أن يحرص على ديمومة العلاقة الطيبة ، ولا ينخدع بمركز مآله إلى الزوال ولنتدبر قول الحق ( ولو كنت فظا غليظ القلب لا نفضوا من حولك ) . ولا تغرنة أعراض الدنيا، فينخدع بأطماع لا تنتهي فيبيع لأجل عرض زائل صداقة عمر أو قرابة رحم . وليتبع قول الحق [ والكاظمين الغيظ والعافيين عن الناس ] وحديث الحبيب (ص)
    ( ليس الشديد بالصرعة وإنما الشديد من يملك نفسه عند الغضب ).
    ومن الآداب التي يجب اتباعها عند التعامل مع الآخرين لإذكاء روح المحبة ما جمعه الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله ( حق المسلم على المسلم خمس رد السلام وعيادة المريض وإتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس ).
    وأن يكثر من الصدقات والعطايا والهبات فإن فعل المرء ذلك ضمن مدخرات طيبة يجد أثرها في الدنيا والآخرة . و صدق الحق حين قال (والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا و خير أملا )
    د/ عبلة الكحلاوى
    عميد كلية الدراسات العربية والإسلامية بور سعيد

المتواجدون الآن 1. الأعضاء 0 والزوار 1.

أكبر تواجد بالمنتدى كان 2,525, 26-09-2016 الساعة 21:58.

شاركي الموضوع

تقليص

يعمل...
X