ولله في خلقه شؤون

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • ولله في خلقه شؤون

    جند الله الخفية
    الشقائق ـ جمادى الآخرة 1422 هـ :
    بقلم : د. محمد بن سعد الشويعر :
    الحمد لله القادر على كل شيء معز من أطاعه، ومذل من عصاه والصلاة والسلام على نبي الرحمة الذي أخبر عنه ربه بأنه كان بالمؤمنين رؤوفًا رحيمًا، وعلى آله وصحابته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد ..
    فيقول جل وعلا في سورة فصلت : (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد) [فصلت: 53].
    ذلك أن الله جلت قدرته يسوق عبرًا، ويهيئ آيات في هذا الكون لتدرك النفس ضآلتها وضعفها، فترجع عن غيها، وترتبط بخالقها، عبادة وعقيدة والآيات الظاهرة في الكون والمخوفة من عقاب الله إن هي إلا عظات وعبر يسوق الله مثلها في النفس البشرية، يقف أمامها المختصون بمقاييسهم منبهرين .. خذ مثلاً نماذج من الفيروسات التي أعيت الأطباء معرفة وعلاجًا فحاروا في أسمائهم وأسبابها، ولم يعرفوا كنهها ولا منشأها، فكانت النتائج بأن هذا فيروس غامض دخل الجسم وله مدة لابد أن يستكملها ثم يتلاشى ونموذج آخر سمعته من أحد كبير أطباء القلب في القاهرة منذ سنوات قال عندما أجرى عملية لمن تربطني به صلة: إننا معاشر الأطباء نقدر أمورًا فتأتي الأمور بعكسها، فكم من مريض قدرنا أن عمليته ناجحة 100 %، وأن نسبة الفشل فيها ضئيلة جدًا، فنفاجأ بأن نسبة النجاح تتحول إلى فشل، وأن المريض يصاب بمضاعفات في جسمه، فيرفض الدواء، وتحصل انتكاسات لم تكن في الحسبان، وكم من مريض أجرينا له عملية كنا نتوقعها فاشلة بنسبة كبيرة، وأن حياته ما دامت في خطر حسب معهودنا، فإن مثل هذه المخاطرة من باب التجربة فتخرج النتائج مرضية، وتتحسن حال المريض ويستجيب جسمه للعلاج، ثم يخرج من المستشفى معافى بتوفيق الله وندرك نحن الأطباء أنها عناية الله، ورأفته بعباده التي ساقت الشفاء لهذا الميؤوس منه، إنها المفاجأة الهائلة في الموقف العصيب، وسلطان الله جلت قدرته الذي يطيعه كل ما في هذا الكون.
    فالإنسان بما يصيبه من صحة ومرض، وما يعتريه من فرح وأحزان، وما ينزل به من آفات وكوارث في نفسه أو ماله أو أسرته أو أي عزيز عليه، ما هي إلا عبر من آيات الله التي تذكر النفس من بعد غفلة، وتهيئها للشكر بعد الجحود، وتعيدها للمنهج السليم بعد الانصراف.
    فمثلما أن الإنسان يتعرف إلى النواميس التي تربط أجزاء الكون المحيط به، فإنه أيضًا مدعو لسبر أغوار نفسه، وإدراك ما فيها من دقائق وعبر، وأن موجدها من العدم وفاطر كل دقيقة وجليلة لعملها بإحكام ودقة، هو سبحانه المستحق للشكر، وهو سبحانه الذي يجب أن تتجه إليه القلوب لأن كل ما يوصل إلى محبته ورضوانه هو الحق.
    يقول ريجالد يورسورث سميت أن احتياجات الإنسان الحقيقية هي احتياجاته الروحية، أيًا كان أصلها وإن لم يشبع هذه الاحتياجات لهو أعظم الحقائق بالنسبة له، وهو يعني بذلك الحاجة إلى التدبر المرتبطة بالله عز وجل.
    وعن الجسم البشري وما فيه من دقائق وعجائب، يقول الدكتور جورج إيرل نافيز إن كل ذرة من ذرات هذا الكون تشهد بوجود الله، وأنها تدل على جود الله، حتى دون حاجة إلى الاستدلال بأن الأشياء المادية تعبر عن خلق نفسها.
    إن العبر والآيات التي يراها الإنسان في فنسه وفي يديه ظاهرًا وباطنًا من الكفرة بحيث لا يستطيع أن يدركها أسماء أو يحصيها أجزاء، فضلاً عن إدراكها أعمالاً دقيقة، وأجهزة عاملة منتظمة، ولنأخذ أبسطها أثرًا عندما يصاب رأس الأصبع بجرح، فإن الإنسان يتأثر من الدم الخارج، ويسعى جاهدًا لإيقافه بأي أسلوب علاجي وبأنواع من الضمادات، خوفًا من خطر وإشفاقًا على الدم المفيد للجسم أن يهدر، وخشية من أي جسم غريب في الهواء أن ينفذ لباطن الجسم، وقد يغيب عنه ما هيأ الله لهذا الجرح من مصالح وفوائد ومدافعه تحميه من كل خطر لكن هذه الأصبع قد يصعب استعماله في دقائق العمال التي كان يؤديها من قبل، فالكتابة تتعثر، والاعتبارات الأخرى تتبدل مقاييسها واللمس تتعطل حاسيته .
    فهذا من أبسط الأمور التي يرى الإنسان فيها قدرة الله، ويبرز له فضله لأن النفس البشرية سمتها الغفلة، ولكن العاقل هو من يدرك من كل سبب نتيجة و من كل أثر برهانًا، أذكر قبل سنوات أن شخصًا دخل السوق ليشتري تمراً فجاء إلى البائع وعنده تنكة قد قسمها نصفين، لكن جزءًا أكبر من الآخر، فسأل عن القيمة قال: هذه بخمسين وتلك بخمسة وخمسين ريالاً فحاول أن تكون الكبرى بخمسين لكن البائع رفض فاشترى الصغرى وفي هذه الأثناء وقبل الانصراف جاء زبون آخر فاشترى الجزء الأكبر بخمسين بعد موافقة البائع لكن المشتري الأول غضب. وقال أنا أحق بها وأخذها وعندما حملها إلى سيارته، شق طرف التنكة إصبعه شقًا كبيرًا، فذهب مسرعًا للمستشفى، حيث أسعف في غرف العمليات بخمس غرز توقفت الحركة في يده بسببها مدة طويلة .. فكان يقول لمن يزوره (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ..) [فصلت: 53] إن هذه العبرة جاءتني بتصرفات خطأ من نفسي لأن أخطأت في حق المشتري الآخر. فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ولا يبيع بعضهم على بيع بعض، وأما أخذتها منه وقد اشترى. والرسول يقول البيعان في الخيار ما لم يتفرقا فكان من المنتظر أن عيد عيله ما باعني أو يخفض لي، والله يقول: (وما أصابك من سيئة فمن نفسك) [النساء: 79]، وأنا الذي جنبت على نفسي فأرجو من الله المغفرة.
    وهكذا يدرك المؤمن أن ما يمرّ به في نفسه، وما يعمل فيها أو يؤثر في مجرى حياتها ما هي إلا دروس تعطى له ليستفيد منها عظة وعبرة، وما يمر به بين فينة وأخرى من أحاسيس ومؤثرات. ما هي إلا جرعات منشطة كالجرعات التي يصفها الطبيب المريض، رغبة في محاصرة المرض، أو السيطرة على مسالكه في الجسم، وهذه الجرعات تفيد الجسم في تقوية الإيمان، وتأصيل العقيدة، مع حسن المعرفة وإدراك سبب الغفلة كما يفيد الدواء إذا كان الطبيب متأكدًا من نوعية المرض أما العكس فيأتي مثل حالة الطبيب القاصر في فهم عمله فهو يصف دواء لمرض آخر، وقد يتضاعف المرض وتكبر المشكلة.
    يقول صاحب الظلال عندما مرّ بهذه الآية الكريمة : ولم تكن فتوح العلم والمعرفة في أغوار النفس بأقل منها في جسم الكون، فقد عرفوا عن الجسم البشري وتركيبه وخصائصه وأسراره الشيء الكثير، عرفوا عن تكييفه وتركيبه ووظائفه وأمراضه، وغذائه و تمثيله ، وعرفوا عن أسرار عمله وحركته ما يكشف عن خوارق لا يصنعها إلا الله .
    وعرفوا عن النفس البشرية شيئًا أنه لا يبلغ ما عرفوه عن الجسم لأن العناية كانت متجهة بشدة إلى مادة هذا الإنسان وآلية جسمه ، أكثر مما كانت متجهة إلى عقله وروحه، ولكن أشياء قد عرفت تشير إلى أشياء ستجيء وما زال الإنسان في الفريق، ووعد الله ما يزال قائمًا (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) [فصلت: 53].

  • #2
    شكرا على المرور

    تعليق


    • #3





      تعليق

      المتواجدون الآن 1. الأعضاء 0 والزوار 1.

      أكبر تواجد بالمنتدى كان 2,525, 26-09-2016 الساعة 21:58.

      شاركي الموضوع

      تقليص

      يعمل...
      X