إن هذا ذكر مبارك

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • إن هذا ذكر مبارك




    وهذا
    ذكر مبارَك


    بقلم
    الشيخ عبد الرحمن العيسى

    حلب

    1430هـ - 2009 م


    بسم الله الرحمن الرحيم
    وهذا ذكر مبارَك
    مقدمة :
    حينما ذكر الله المسجد الأقصى , وصفه بأنه : (باركنا حوله ).
    وحينما ذكر البيت العتيق , وصفه بأنه : (للَذي ببكَّة مبارَكاً) .
    وقد ورد في القرآن المجيد, أن الله سبحانه وتعالى, بارك في الأرض والسماء , والأماكن والأشخاص ,
    والماء والأشجار , كما بارك القرآنَ نفسه , أي جعله مستقَراً ومستودَعاً لأعظم البركات , الخيّرات النيّرات , في دنيانا هذه , وفي الحياة الآخرة , وفي الجنة أيضاً ..
    حيث يقال : (اِقرأ وارْق ورتّل كما كنت ترتل في الدنيا ..) .
    وهذا بحث حثيث ,عن الذكر المبارَك : القرآن المجيد , وما أفاضه ويفيضه على الأكوان والألوان , من صنوف الخير العميم , والسكينة والتطمين , وحق اليقين ..
    ومن خلال الذكر المبارَك , أَقرأ واقع هذا العالًم المنْهك والمرهَق , والمكبَّل بأغلال المظالم الفادحة , والتجاوزات الطاغية , والسياسات المدمرة للحضارة , والمفجِّرة لبحر الدموع والدماء , وتناثر الجثث والأشلاء ..
    إذ ما الفائدة من توصيف الدواء , إذا لم يسبقه تشخيص صحيح لحالة المرض والداء ؟!.
    فالوصفات الجاهزة , لا تغني من الحق شيئا ..
    وهذا ما يتم التركيز عليه , من جراء كتاباتي , كما يبدو للقارئ والمتذكر , وإذا لم يكن أعداء مقاتلون , فلا معنىً للجهاد يُذكر !.
    كما يلاحظ أنني لا أفسر القرآن , ولا أزعم ذلك , بل كل ما في الأمر , هو أن أتمكن من أن آتيَ قومي وأمتي , بقـبَس أو جَذْوة من كتاب الله , لعلهم يستضيئون ويهتدون ..
    والله من وراء القصد , وإليه المرجع والمآب ..

    عبد الرحمن

    الذِّكر المبارَك

    التوصيف والبحث :
    يقول الله تبارك و تعالى ,في محكم القرآن المجيد : (وهذا ذِكر مبارَك أنزلناه أفأنتم له منكِرون) .الأنبياء50
    فالقرآن من حيث هو ذِكر إلهي مبارَك , كان - و لم يزل – موئل البشر جميعاً , ومرجعَهم الذي إليه يصيرون , وتذكرتَهم التي بها يتذكرون , كلما أطبقت عليهم الغفلات , و جحافل النسيان , بأوزارها المهينة , وأوضارها المسيئة , وضغوطها الهائلة , و علاقاتها المتقطعة , تماماً مثلما هو عليه واقع البشر اليوم , في أصقاع المسكونة , من غيبوبة روحية , وإلحادات فكرية , وشرود نفسي , و ضلال عقلي , وانحلال في الأخلاق و السلوكيات و الإجتماعيات ..
    أي إن القرآن بآياته و عجائبه , مصدر تذكر وذكرى , وذكرى تنفع المؤمنين , وتعصم من النسيان , الذي هو من الشيطان , وتورث في القلوب : يقظة وانتباهاً , و حفظاً دائما لمورثات الموعظة و الاعتبار والادّكـار ..
    فصيرورة البشر إلى فحوى القرآن المجيد , وإلى صيغته النبوية : الإسلامِ العظيم , أمر لا مفر منه , و لا حيْدة عنه , في هذه الأخريات من الزمن الرديئ , والانهيار الفاضح , والتداعي و السقوط , في حمْأة الموبقات , التي ترتجُّ لها السموات ..
    ليجدوا القرآن : برداً وسلاماً حقيقياً , وليذكروا ما قد فاتهم من وعيهم , وليتداركوا توبتهم و عودتهم , والعوْد أحمد , وليؤكدوا من جديد , على ما ضاع من هُويتهم وإنسانيتهم ..
    وهذا هو مقتضى ومضمون الذكر الإلهي المبارك, الذي هو القرآن : دستور الهدى والعدل و الحق , وميزان الاعتدال و التوازن , ومعيارُ كل شأن يُذكِّر بالله , وناموس كل تذكرة وذكرى , مفيدةٍ ونافعةٍ , في غمار هذه الدنيا المتصلبة والمتقلبة , التي يأبى الناس من خلالها , إلا أن يكونوا مستجيبين لدواعي الظلم والكفر , و المكر والغدر , والانتهازية والوصولية , والنفاق المكشوف , والرياء الظاهر , إلى جانب انتهاج سبيل الأوطار والمصالح الدنيئة ,والعكوفِ عليها :عبادة وذكراً وتركيزاً , من دون الله تبارك وتعالى.

    ريادة فكرية :
    إن ريادة فكرية أصيلة , لمنهج ذِكر مبارَك , من كتاب الله , وبعناية فائقة من الله , هي التي يبحث عنها, ويدور حولها هذا العالَم , الذي طال بلاؤه وشقاؤه , ووقع ضحية المجانين والمهووسين , من أكابر المجرمين , ولم تزده حضارة الحديد والنار , وخِدماتها المتطورة جداً , إلا قهراً وضياعاً , وظلماً صارخاً , وقسوة وحقداً , وإرهاباً وعذاباً , وتحجرت الأفئدة والمشاعر , وسالت دماء المستضعفين أنهاراً !.
    وفي النهاية , إنهارت كل القيم والعقائد والشعارات والاستراتيجيات , والأمنيات والتنميات ,التي قيل إنها ستحقق الجنة الموعودة على ظهر هذه الأرض , وستكون البديل والعوض لقيم الحق والإيمان والقرآن ..
    فنشهد اليوم , أضخم المهازل والمخازي , والاختلالات السافرة والفاجرة , على مسرح السياسة العالمية الكافرة ..
    حيث المتصهينون الجُدد , فتكوا بالعالم الإنساني , فتك الذئاب بالغنم , وأشعلوها ناراً في هشيم الحياة المهتريء ..
    وهذا كله يؤكد مصداقية القرآن المجيد , حينما حذر وأنذر من هذه المألات الفاضحة , وبشر المؤمنين والموحِّدين , باستعادة الوعي , وانتصار الدين , وأن العاقبة للمتقين المناضلين , الذين يأبوْن الاعتراف بالهزيمة , أمام الأعداء الألداء الحاقدين .. وإن الله مع الصابرين ..
    لا بد للزمان من تنفيس :
    وفي مسيرة الزمان الدؤوبة , فتراتُ استرحام واستجمام , لتستروح النفوس , وتهدأ الخواطر , ويستبين الهدى , ويتبينَ الرشد من الغي , ويعود البشر إلى مواطن الذكر والذكرى من جديد ..
    وعندها يجدون أنفسهم , ويتبينون كل شيء على حقيقته : الخيطُ الأبيض من الخيط الأسود , ويتلقى أعداء الله والحياة : رداً ملائماً يردعهم , فلا غَرر ولا تغرير , ولا سلب للحرية , وانتهاك لحرمة العقل والعرض , ولا مصادرة للكيان و الكرامة والإرادة ..
    وكم في التاريخ , من شواهدَ على الفرج بعد الشدة, والنصر بعد الصبر , والسراء بعد الضراء , والعودة الحميدة والإقدام , بعد الإدبار والانهزام ,على وفق السُّنن , والعناية الإلهية الفائقة..
    وإن حكمة الله العليا , تقضي بتداول المُلك , ومداولة الأيام بين الناس , وإنشاء العهود والأدوار , وإخراج الحياة من الموت , والوجودِ من العدم , وتنزيل الغيث المغيث , بعد القحط الجارف , والقنوط الشديد ..
    و في ذلك يقول الله سبحانه : (وتلك الأيام نداولها بين الناس) . ويقول أيضاً وهو الذي يُنَزِّل الغيث من بعد ما قـنَطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد ) .
    مسؤولية هذه الأمة :
    هذا وإن أمتنا الإسلامية الغالية – والعرب طليعتها – أعني أمةَ الإجابة والإنابة , هي الجديرة بكل هذا الخير المرتقَب والمؤمَّل , الذي لا ينفد عطاؤه الحضاري والإحساني , ومساهمتُه الفعالة , في تسوية الوضع الإنساني المتدهور , والسياسي العالمي الجائر والظالم ..
    ويجب التنويه بأنني أضرب الذِكر صفحاً , عن الأمة الغُثاء , وعن الذين أهمتهم أنفسهم , فليسوا معنيين أصلاً , إلا بخمرهم وسكرهم , وأن حركة التاريخ لهم , وتوقفت عندهم !..
    وعلى أمة الرسالة والدعوة , والفكر والقلم , تقع مسؤولية هداية البشر , إلى التي هي أقوم وأعدل , وأسمى وأمثل , ولدى كتابها العزيز : القرآن المجيد , أسباب الوقاية والعلاج , والبلسم والترياق , من كل هذه السموم والاختلاطات , وكبرى التحفظات ..
    وهؤلاء , هم المشحونون بطاقة النور والإيمان والمرابطة , والصبر والمصابرة , تحت مجاري الأقدار, وتصاريف الليل والنهار , حتى يحكم الله أخيراً وهو خير الحاكمين , وهو الواحد القهار ..
    ويقول سبحانه : (واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين) ..
    غياب القيم الصالحة :
    ألا إن غياب القيم الصالحة ,والسياسات المتوازنة , عن مسرح الحياة العملية , وأحداثها التاريخية , هو الذي أودى بأمن هذا العالم واستقراره ,واهتداء شعوبه , مشكلاً هذا الغيابُ الآن : حالة استغاثة واستدعاء واسترحام , يعبر عنها البشر بدموعهم الجارية , ودمائهم المسفوكة ,وأعراضهم المسفوحة , وأمراضهم وآلامهم الكبرى , وآمالهم المحطَّمة , التي ذهبت بدداً في طوفان هذا العصر العاصف , واعصاره المدمِّر , واباحيته السياسية والجنسية الكاسحة ..
    ويعيش العالَم اليوم , والمسلمون فيه , فراغاً كبيراَ, أتاح كل فرصة , وأحدث كل ثُغرة , لتسرب السلبيات السالبة روحَ الحياة , والناهبةِ لبقايا العهد والأمانة, والشعور بالعزة والمسؤولية والكرامة ..
    الإسلام : إجابةُ القرآن :
    وليس أمام العالم اليوم , من إجابة مجيبة وقريبة , إلا ما يكون من أمر الإسلام العظيم , الذي لا يمتلك الرد المسعف والمتدارِك سواه ..
    فيقدم ذلك : إنجازاتٍ حضاريةً راقية , من القيم العادلة والفاضلة , والمفاهيم الفكرية والروحية : المتفوقة والمتقدمة , والعلاقاتِ الإنسانية المتكافئة , والسلوكيات النبوية الرائعة , التي مِلؤها النضج والرحمة , والكمال والنعمة , والعطاء والانصاف , وقيادةُ سفينة النجاة , إلى شاطئ الهداة ..
    الإجابة الإسلامية الحقة , على كل التساؤلات القلقة, والاحتياجات الملحة , والاعتراضات الواردة , تكمن في مقدرة هذا الدين , على المرونة والوفاء والإيفاء , والتكيف مع الأحداث الزمانية المستجدة , وتحدياتها الـمُـرة : رَتْـقاً و وصلاً , وصيانة وصقلاً , وإسعافاً سريعا , وإيلاءً لجانب المعروف , والرأفة والرفق بالخلق , وأنْ لا إكراه في الدين , وأن الالتزام بالإسلام:مسؤوليةُ المسلم والمسلمة أولاً وقبل كل شيء..

    تجليات الفضل والبركات :
    وهكذا يتجلى لنا , كيف أن القرآن المجيد , ذكر من الله مبارك وطيب , وقد باركه أيما بركة , وجعله يَنبوعاً لها , وبارك لمن تقبله , وأخذ به , واعتصم بعُروته الوُثقى , وحبله المتين ..
    لقد فاضت الخيرات والبركات الـثرّة والجمّة , على أقطار هذا الكوكب , إبّان الازدهار القرآني النبوي المشهود , حيث الجماليات المقدسة , والمعايش الدنيوية والأخروية , الفائضةُ بالحسن والمحاسن , والتواصل البناء , والإيثار واليسار , وكلِّ أمر صالح ..
    إن استنباط المفاهيم القرآنية : الـفـذّةِ والأصيلة , والعالية المستوى , من آيات القرآن , على هذا النحو الفالح , هو دليل وبرهان على عظمة القرآن , في إغاثة المستغيثين , ورد لهفة الملهوفين والمتلهفين , وانتصار المظلومين والمستضعفين , في آخر المشوار والقضية , وعند انقشاع غياهب الفتن بالكلية ..

    بركات القرآن المبارك :
    إن البركات المنوطة بالقرآن المجيد , ظاهرة ومشهودة وملموسة , ومعناها : التوسعُ في الخير , المُنصَبِّ ممن بيده الخير ,والامتدادُ إلى الأجلِّ والأكثر, من النماء والكوثر , والثراء والخِصب , والكنز المكنوز : كرماً وسخاءً وجوداً , وازديادا من العطاء ملحوظاً , وفضلاً من الله غامراً ..
    وحينما يُفيض الله جل جلاله , على القرآن وبالقرآن : الخيرات المتنامية والوافية والوافرة , على الوجه الذي لا يُحصى ولا يُحصر ,فإننا نستطيع حينئذ , أن نفقه أن القرآن المجيد , كتاب الوجود والخلود , وقد أتى بالخيرات والمبرات والبركات , كما لم يأت به أي كتاب آخر .. وسعدت به الحياة ..
    وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده المتبارِكين , أي الباحثين عن ما هو زيادة وفيض وغير متناه , في مجال الأنور والأظهر , الذي به تتم النعمة , وتتنزل الرحمة , وتنبثق الطاقة ..
    ويقول سبحانهللذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) . ويقول أيضاً : (ولدينا مزيد) .
    ولعلنا ندرك الآن , مدى اضطرارنا إلى القرآن ذي الذكر المبارك , وذلك إذا لاحظنا ما نحن فيه , وما نكابده ونعانيه , من نقص ومحق و ضحالة , وتقصير مُخِلٍّ , وشعور بالفقر النفسي الخانق , رغم كثرة المواد والماديات , والشهوات العارمة ..
    فنرى الإنسان المعاصر , لا يقنع ولا يشبع , ولا يُحس بكفاية وارتواء , وهو كشارب ماء البحر , أو كلاهث خلف السراب , ويبحث عن السعادة المفقودة , بين أنقاض التباب ..
    وأخيراً :
    ويجب أن يكون معلوماً , أن ما قد كُتب في هذه المقالة , إنْ هو إلا مبررات ومسوغات وموجبات , لإمكانية أن يعود الإسلام الحق: قاعدة مكينة لهذا العالم, ووحيَ خلاص ملهِم ..
    ومن الأعلى من شأن الله , أن يتيح فرصة إخراج الناس من الظلمات إلى النور , وأن ينقذهم مرة أخرى , من شفا أكبر حفرة من النار ,ومن حالة الضياع الأكبر, إلى الهدى والبصائر والكتاب المبين ..
    وإنه تبارك وجهه , وعز سلطانه , أجل وأعلم , وهو لا يُعَلّم , ويَعلم ما يلزم , وهو علام الغيوب..





  • #2
    جزاك الله خير الجزاء وبارك فيك
    وأفاض عليك من نعمه ظاهرة وباطنة
    وأسأل الله باسمه العظيم الأعظم أن ينير بصرك و بصيرتك بنور اليقين
    وأن يجعله فى ميزان حسناتك
    sigpic

    تعليق


    • #3
      السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


      تعليق


      • #4
        بوركت أختي على هذا الموضوع القيم و جعله الله في ميزان حسناتك


        تعليق


        • #5
          السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.شكر الله لك اختي على هذا الموضوع القيم.
          اللهم ارزق أمي الفردوس الأعلى من الجنة واحفظ أبي ومتعه بالصحة والعافية وارزق أخواتي الأزواج الصالحين آمين.
          اللهم احفظ زوجي وأبنائي من كل شر وأقر عيني بهم آمين.




          تعليق


          • #6
            السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



            تعليق

            المتواجدون الآن 1. الأعضاء 0 والزوار 1.

            أكبر تواجد بالمنتدى كان 2,525, 26-09-2016 الساعة 21:58.

            شاركي الموضوع

            تقليص

            يعمل...
            X