إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الصبر على المصيبة

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الصبر على المصيبة

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته




    الصبر على المصيبة


    فإن الله ـ تعالى ـ جعل الله الموت حتماً على جميع العباد من الإنس والجان، وجميع الحيوان فلا مفر لأحد ولا أمان, كل من عليها فان, ساوى فيه بين الحر والعبد والصغير والكبير والذكر والأنثى والغني والفقير وكل ذلك بتقدير العزيز العليم:{وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}
    فالكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت و الحازم من بادر بالعمل قبل حلول الفوت, والمسلم من استسلم للقضاء والقدر, والمؤمن من تيقن بصبره الثواب على المصيبة والضرر
    وأي مصيبة أعظم بعد الدين من مصيبة الموت، ملأ الله ـ تعالى ـ قلوبنا صبراً، ورفقاً وتسليماً.
    أخي المسلم: كرب الزمان وفقد الأحبة خطب مؤلم, وحدث مفجع, وأمر مهول مزعج, بل هو من أثقل الأنكاد التي تمر على الإنسان نار تستعر, وحرقة تضطرم تحترق به الكبد ويُفت به العضد إذ هو الريحانة للفؤاد والزينة بين العباد, لكن مع هذا نقول:

    فلرب أمـر محـزن *** لك في عواقبه الرضا
    ولربمـا اتسع المضيق *** وربما ضاق الفضـا

    كم مسرور بنعمة هي داؤه, ومحروم من دواء حرمانه هو شفاؤه, كم من خير منشور وشر مستور, ورب محبوب في مكروه, ومكروه في محبوب قال تعالى:{وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }.
    (لو استخبر المنصف العقل والنقل لأخبراه أن الدنيا دار مصائب وشرور, ليس فيها لذة على الحقيقة إلا وهي مشوبة بكدر, فما يُظن في الدنيا أنه شراب فهو سراب, وعمارتها وإن حسنت صورتها خراب, والعجب كل العجب في من يده في سلة الأفاعي كيف ينكر اللدغ واللسع؟!)

    وأعجب منه من يطلب ممن طُبع على الضر النفع.

    طُبعت على كدرٍ وأنت تريدها *** صفواً من الأقذاء والأكدارِ

    هل رأيت؟بل هل سمعت بإنسانٍ على وجه هذه الأرض لم يصب بمصيبة دقت أو جلت؟
    الجواب معلوم: لا وألف لا, ولولا مصائب الدنيا مع الاحتساب لوردنا القيامة مفاليس كما قال أحد السلف.

    ثمانية لا بـد منها على الفتى *** ولا بد أن تجري عليه الثمانية
    سرور وهم, واجتماع وفرقة *** وعسر ويسر, ثم سقم وعافية

    (أخي إن مما يكشف الكرب عند فقد الأحبة التأمل والتملّي والتدبر والنظر في كتاب الله عز وجل وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم, ففيهما ما تقر به الأعين, وتسكن به القلوب وتطمئن له تبعاً لذلك الجوارح مما منحه الله, ويمنحه لمن صبر ورضي واحتسب من الثواب العظيم والأجر الجزيل, فلو قارن المكروب ما أخذ منه بما أعطى لا شك سيجد ما أعطي من الأجر والثواب أعظم من فوات تلك المصيبة بأضعاف مضاعفة ولو شاء الله لجعلها أعظم وأكبر وأجل، وكل ذلك عنده بحكمة وكل شيء عنده بمقدار).
    فلنقف مع آيات من كتاب الله عز وجل، وفي ثاني سور القرآن الكريم، وكفى بها واعظاً، وكفى بها مسليةًً، وكفى بها كاشفةًً للكروب، ومذهبة للهموم.
    قال الله {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ{155} الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ{156} أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}.
    {إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ} علاج من الله عز وجل لكل من أصيب بمصيبة دقيقة أو جليلة, بل إنه أبلغ علاج وأنفعه للعبد في آجله وعاجله، فإذا ما تحقق العبد أن نفسه وماله وأهله وولده ملك لله عز وجل قد جعلها عنده عارية فإذا أخذها منه فهو كالمعير يأخذ عاريته من المستعير فهل في ذلك ضير؟ لا؛ والذي رفع السماء بلا عمد
    ثم إن ما يؤخذ منك أيها العبد المصاب المبتلى محفوف بعدمين, عدم قبله فلم يكن شيئاً في يوم من الأيام, وعدم بعده فكان ثم لم يكن, فملكك له متعة مستودعة في زمن يسير ثم تعود إلى موجدها ومعيرها الحقيقي سبحانه وبحمده: {ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ }
    فمصير العبد ومرجعه إلى الله مولاه الحق, لا بد أن يخلِّف الدنيا وراء ظهره يوماً ما, ويأتي ربه فرداً كما خلقه أول مرة بلا أهل ولا عشيرة ولا مال، ولكن بالحسنات والسيئات نسأله حسن المآل، هل علمت هذا أخي المصاب المكروب؟
    فمن امتثل أمر الله ـ تعالى ـ بالصبر على البلاء كانت مثوبة الله عز وجل له: {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً{71} ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً}? [
    فعن أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من عبدٍ تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها, إلا آجره الله في مصيبته، وأخلف له خيراً منها " قالت: فلما توفي أبو سلمة؛ قلت: ومن خيرٌ من أبي سلمة؟ صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم عزم الله علي فقلتها؛ فما الخلف؟! قالت: فتزوجت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن خير من رسول الله صلى الله عليه وسلم).

    وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب ولا همٍ ولا حزن ولا أذىً ولا غم, حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها خطاياه).

    وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" لا يموت لأحدٍ من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم" يشير إلى قوله تعالى: {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً{71} ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً}.
    وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال أتت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم بصبيٍ لها فقالت : يا نبي الله! ادعُ الله له، فلقد دفنت ثلاثةً, قال صلى الله عليه وسلم: "دفنت ثلاثة؟" ـ مستعظماً أمرها صلى الله عليه وسلم ـ قالت: نعم؛ قال: " لقد احتضرتِ بحضارٍ شديدٍ من النار")
    أي لقد احتميتِ بحمىً عظيمٍ من النار، فما أعظم الأجر، وما أكمل الثواب، وما أجدر أن يُستعذب العذاب في طلب هذا الثواب.
    وجاء في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالإذا مات ولد العبد، قال الله عز وجل لملائكته: "أقبضتم ولد عبدي؟" فيقولون: نعم؛ فيقول وهو أعلم: "أقبضتم ثمرة فؤاده؟" فيقولون: نعم.فيقول:"ماذا قال عبدي؟" فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله عز وجل: "ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسمّوه بيت الحمد").
    يا لها من بشارة عند موت الولد مع الإيمان، لأن الله إذا أمر ببناء بيت لأحد من عبيده فلابد لذلك العبد من سكنى هذا البيت في يومٍ من الأيام.
    روى الإمام أحمد من حديث معاوية بن قرة عن أبيه أنه كان رجل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ومعه ابن له, فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أتحبه؟" فقال: يا رسول الله, أحبك الله كما أحبه؛ فتفقده النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ما فعل ابن فلان؟" فقالوا: يا رسول الله مات, فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبيه:"أما تحب أن تأتي باباً من أبواب الجنة إلا وجدته عليه ينتظرك؟" فقال رجل: يا رسول الله, أله خاصة أم لكلنا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "بل لكلكم ").
    أخي المبارك: فهم السلف الصالح ـ رضوان الله عليهم ـ ذلك فهماً عميقاً، فتمنوا أن يقدموا أولادهم وأحبتهم ثم يرضوا بذلك ويحتسبوا لينالوا الأجر العظيم من الرب الكريم.

    هاهو أبو مسلم الخولاني(ت62هـ) ـ رحمه الله تعالى ـ يقول لأن يولد لي مولود يحسن الله عز وجل نباته, حتى إذا استوى على شبابه، وكان أعجب ما يكون إليّ قبضه مني؛ أحب إليّ من أن يكون لي الدنيا وما فيها).
    وكان للمحدث إبراهيم بن إسحاق الحربيّ(ت285هـ) ـ رحمه الله تعالى ـ ابن له إحدى عشرة سنة حفظ القرآن ولقّنه من الفقه جانبًا كبيرًا, ثم مات الولد, قال محمد بن خلف: جئت أعزيه فقال:الحمد لله، والله لقد كنت على حبي له أشتهي موته؛ قلت له: يا أبا إسحاق, أنت عالم الدنيا تقول ذلك في صبيٍ قد حفظ القرآن ولقنته الحديث والفقه؟ قال: نعم, أو يخفى عليك أجر تقديمه؟
    ثم قال: وفوق ذلك, فلقد رأيت في منامي وكأن القيامة قامت وكأن صبياناً في أيديهم قلالفيها ماء يستقبلون الناس فيسقونهم وكان اليوم حاراً شديد حرّه.
    قال فقلت لأحدهم: اسقني من هذا الماء، قال: فنظر إلي، وقال: لست أبي، قال قلت: من أنتم؟ قال: نحن الصبية الذين متنا واحتسبنا آباؤنا، ننتظرهم لنستقبلهم فنسقيهم الماء, قال: فلهذا تمنيت موته.
    وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقول الله عز وجل: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيّه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة).
    يا له من جزاءٍ فعندك اللهم نحتسب أصفياءنا وأصدقاءنا وأحبابنا وآباءنا وأمهاتنا وأنت حسبنا ونعم الوكيل، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
    أخي المسلم: إن مما يسلي المصاب، ويذهب همه، ويصبر نفسه، ويرضي قلبه، ويعينه على مصابه، ويخفف آلامه، هو تذكر موت النبي صلى الله عليه وسلم، فما أصيبت الأمة بمصيبة أعظم، ولا أجل من مصيبة فقد النبي صلى الله عليه وسلم، وانقطاع نزول الوحي، فإذا علمت هذا هانت عليك كل مصيبة، وسكنت نفسك واطمأنت لكل بلية وخطب.
    قال صلى الله عليه وسلم: "إذا أصيب أحدكم بمصيبة فليذكر مصيبته بي فإنها من أعظم المصائب".
    قال أبو العتاهية:

    اصـبر لكـل مصيبة وتجلـدِ *** واعلم بأن المـرء غير مخلـــد
    أو مـا ترى أن المصـائب جمة *** وتـرى المنية للعبـاد بمـرصـد
    من لم يصب ممـن ترى بمصيبة *** هـذا سبيل لسـت عنه بأوحـد
    فإذا ذكرتَ محمـداً ومصـابه *** فاجعـل مصابك بالنبي محمــدِ

    واعلم يا أخي الكريم: أن البلاء يصيب المؤمن على قدر إيمانه، فإن كان في إيمانه صلابة زيد في بلائه، وإن كان في إيمانه رقة خُفف في بلائه، حتى ما يتجلى عنه البلاء، ويذهب إلا وقد حطت خطاياه كلها، ويمشي على الأرض ليس عليه خطيئة.
    فعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس أشد بلاءً؟ قال:"الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل, يُبتلى الناس على قدر دينهم, فمن ثخن دينه اشتد بلاؤه, ومن ضعف دينه ضعف بلاؤه, وإن الرجل ليصيبه البلاء حتى يمشي في الناس وما عليه خطيئة).
    قال ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ (ت751هـ) والله سبحانه إذا أراد بعبد خيرًا سقاه دواء من الابتلاء والامتحان على قدر حاله يستفرغ به من الأدواء المهلكة، حتى إذا هذبه ونقاه وصفاه، أهَّلَه لأشرف مراتب الدنيا، وهي عبوديتُه، وأرفع ثواب الآخرة، وهو رؤيته وقربه).
    وفي سنن الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلمما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله, حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة).

    تصفح قسم : اختر القسم رسائل طريق الإيمان ... رسائل إيمــانية ... المرأة ... الإعجاز العلمي ... ركــــن الكُتـــاب .. ... من السيرة النبوية ... النصــــح والإرشـــــاد ... في ظــلال القرآن ... مناسبات دورية ... غـزوات و معارك ... شخصيات وأعـلام ... قصص وعبر ... إعلانات واخبار ... هموم الأمة ... بقلم المشرف رياض الجنة ... مشروع رياض الجنة



    فإن الله ـ تعالى ـ جعل الله الموت حتماً على جميع العباد من الإنس والجان، وجميع الحيوان فلا مفر لأحد ولا أمان, كل من عليها فان, ساوى فيه بين الحر والعبد والصغير والكبير والذكر والأنثى والغني والفقير وكل ذلك بتقدير العزيز العليم:{وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}
    فالكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت و الحازم من بادر بالعمل قبل حلول الفوت, والمسلم من استسلم للقضاء والقدر, والمؤمن من تيقن بصبره الثواب على المصيبة والضرر
    وأي مصيبة أعظم بعد الدين من مصيبة الموت، ملأ الله ـ تعالى ـ قلوبنا صبراً، ورفقاً وتسليماً.
    أخي المسلم: كرب الزمان وفقد الأحبة خطب مؤلم, وحدث مفجع, وأمر مهول مزعج, بل هو من أثقل الأنكاد التي تمر على الإنسان نار تستعر, وحرقة تضطرم تحترق به الكبد ويُفت به العضد إذ هو الريحانة للفؤاد والزينة بين العباد, لكن مع هذا نقول:

    فلرب أمـر محـزن *** لك في عواقبه الرضا
    ولربمـا اتسع المضيق *** وربما ضاق الفضـا

    كم مسرور بنعمة هي داؤه, ومحروم من دواء حرمانه هو شفاؤه, كم من خير منشور وشر مستور, ورب محبوب في مكروه, ومكروه في محبوب قال تعالى:{وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }.
    (لو استخبر المنصف العقل والنقل لأخبراه أن الدنيا دار مصائب وشرور, ليس فيها لذة على الحقيقة إلا وهي مشوبة بكدر, فما يُظن في الدنيا أنه شراب فهو سراب, وعمارتها وإن حسنت صورتها خراب, والعجب كل العجب في من يده في سلة الأفاعي كيف ينكر اللدغ واللسع؟!)

    وأعجب منه من يطلب ممن طُبع على الضر النفع.

    طُبعت على كدرٍ وأنت تريدها *** صفواً من الأقذاء والأكدارِ

    هل رأيت؟بل هل سمعت بإنسانٍ على وجه هذه الأرض لم يصب بمصيبة دقت أو جلت؟
    الجواب معلوم: لا وألف لا, ولولا مصائب الدنيا مع الاحتساب لوردنا القيامة مفاليس كما قال أحد السلف.

    ثمانية لا بـد منها على الفتى *** ولا بد أن تجري عليه الثمانية
    سرور وهم, واجتماع وفرقة *** وعسر ويسر, ثم سقم وعافية

    (أخي إن مما يكشف الكرب عند فقد الأحبة التأمل والتملّي والتدبر والنظر في كتاب الله عز وجل وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم, ففيهما ما تقر به الأعين, وتسكن به القلوب وتطمئن له تبعاً لذلك الجوارح مما منحه الله, ويمنحه لمن صبر ورضي واحتسب من الثواب العظيم والأجر الجزيل, فلو قارن المكروب ما أخذ منه بما أعطى لا شك سيجد ما أعطي من الأجر والثواب أعظم من فوات تلك المصيبة بأضعاف مضاعفة ولو شاء الله لجعلها أعظم وأكبر وأجل، وكل ذلك عنده بحكمة وكل شيء عنده بمقدار).
    فلنقف مع آيات من كتاب الله عز وجل، وفي ثاني سور القرآن الكريم، وكفى بها واعظاً، وكفى بها مسليةًً، وكفى بها كاشفةًً للكروب، ومذهبة للهموم.
    قال الله {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ{155} الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ{156} أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}.
    {إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ} علاج من الله عز وجل لكل من أصيب بمصيبة دقيقة أو جليلة, بل إنه أبلغ علاج وأنفعه للعبد في آجله وعاجله، فإذا ما تحقق العبد أن نفسه وماله وأهله وولده ملك لله عز وجل قد جعلها عنده عارية فإذا أخذها منه فهو كالمعير يأخذ عاريته من المستعير فهل في ذلك ضير؟ لا؛ والذي رفع السماء بلا عمد
    ثم إن ما يؤخذ منك أيها العبد المصاب المبتلى محفوف بعدمين, عدم قبله فلم يكن شيئاً في يوم من الأيام, وعدم بعده فكان ثم لم يكن, فملكك له متعة مستودعة في زمن يسير ثم تعود إلى موجدها ومعيرها الحقيقي سبحانه وبحمده: {ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ }
    فمصير العبد ومرجعه إلى الله مولاه الحق, لا بد أن يخلِّف الدنيا وراء ظهره يوماً ما, ويأتي ربه فرداً كما خلقه أول مرة بلا أهل ولا عشيرة ولا مال، ولكن بالحسنات والسيئات نسأله حسن المآل، هل علمت هذا أخي المصاب المكروب؟
    فمن امتثل أمر الله ـ تعالى ـ بالصبر على البلاء كانت مثوبة الله عز وجل له: {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً{71} ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً}? [
    فعن أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من عبدٍ تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها, إلا آجره الله في مصيبته، وأخلف له خيراً منها " قالت: فلما توفي أبو سلمة؛ قلت: ومن خيرٌ من أبي سلمة؟ صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم عزم الله علي فقلتها؛ فما الخلف؟! قالت: فتزوجت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن خير من رسول الله صلى الله عليه وسلم).

    وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب ولا همٍ ولا حزن ولا أذىً ولا غم, حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها خطاياه).

    وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" لا يموت لأحدٍ من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم" يشير إلى قوله تعالى: {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً{71} ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً}.
    وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال أتت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم بصبيٍ لها فقالت : يا نبي الله! ادعُ الله له، فلقد دفنت ثلاثةً, قال صلى الله عليه وسلم: "دفنت ثلاثة؟" ـ مستعظماً أمرها صلى الله عليه وسلم ـ قالت: نعم؛ قال: " لقد احتضرتِ بحضارٍ شديدٍ من النار")
    أي لقد احتميتِ بحمىً عظيمٍ من النار، فما أعظم الأجر، وما أكمل الثواب، وما أجدر أن يُستعذب العذاب في طلب هذا الثواب.
    وجاء في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالإذا مات ولد العبد، قال الله عز وجل لملائكته: "أقبضتم ولد عبدي؟" فيقولون: نعم؛ فيقول وهو أعلم: "أقبضتم ثمرة فؤاده؟" فيقولون: نعم.فيقول:"ماذا قال عبدي؟" فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله عز وجل: "ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسمّوه بيت الحمد").
    يا لها من بشارة عند موت الولد مع الإيمان، لأن الله إذا أمر ببناء بيت لأحد من عبيده فلابد لذلك العبد من سكنى هذا البيت في يومٍ من الأيام.
    روى الإمام أحمد من حديث معاوية بن قرة عن أبيه أنه كان رجل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ومعه ابن له, فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أتحبه؟" فقال: يا رسول الله, أحبك الله كما أحبه؛ فتفقده النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ما فعل ابن فلان؟" فقالوا: يا رسول الله مات, فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبيه:"أما تحب أن تأتي باباً من أبواب الجنة إلا وجدته عليه ينتظرك؟" فقال رجل: يا رسول الله, أله خاصة أم لكلنا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "بل لكلكم ").
    أخي المبارك: فهم السلف الصالح ـ رضوان الله عليهم ـ ذلك فهماً عميقاً، فتمنوا أن يقدموا أولادهم وأحبتهم ثم يرضوا بذلك ويحتسبوا لينالوا الأجر العظيم من الرب الكريم.

    هاهو أبو مسلم الخولاني(ت62هـ) ـ رحمه الله تعالى ـ يقول لأن يولد لي مولود يحسن الله عز وجل نباته, حتى إذا استوى على شبابه، وكان أعجب ما يكون إليّ قبضه مني؛ أحب إليّ من أن يكون لي الدنيا وما فيها).
    وكان للمحدث إبراهيم بن إسحاق الحربيّ(ت285هـ) ـ رحمه الله تعالى ـ ابن له إحدى عشرة سنة حفظ القرآن ولقّنه من الفقه جانبًا كبيرًا, ثم مات الولد, قال محمد بن خلف: جئت أعزيه فقال:الحمد لله، والله لقد كنت على حبي له أشتهي موته؛ قلت له: يا أبا إسحاق, أنت عالم الدنيا تقول ذلك في صبيٍ قد حفظ القرآن ولقنته الحديث والفقه؟ قال: نعم, أو يخفى عليك أجر تقديمه؟
    ثم قال: وفوق ذلك, فلقد رأيت في منامي وكأن القيامة قامت وكأن صبياناً في أيديهم قلالفيها ماء يستقبلون الناس فيسقونهم وكان اليوم حاراً شديد حرّه.
    قال فقلت لأحدهم: اسقني من هذا الماء، قال: فنظر إلي، وقال: لست أبي، قال قلت: من أنتم؟ قال: نحن الصبية الذين متنا واحتسبنا آباؤنا، ننتظرهم لنستقبلهم فنسقيهم الماء, قال: فلهذا تمنيت موته.
    وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقول الله عز وجل: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيّه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة).
    يا له من جزاءٍ فعندك اللهم نحتسب أصفياءنا وأصدقاءنا وأحبابنا وآباءنا وأمهاتنا وأنت حسبنا ونعم الوكيل، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
    أخي المسلم: إن مما يسلي المصاب، ويذهب همه، ويصبر نفسه، ويرضي قلبه، ويعينه على مصابه، ويخفف آلامه، هو تذكر موت النبي صلى الله عليه وسلم، فما أصيبت الأمة بمصيبة أعظم، ولا أجل من مصيبة فقد النبي صلى الله عليه وسلم، وانقطاع نزول الوحي، فإذا علمت هذا هانت عليك كل مصيبة، وسكنت نفسك واطمأنت لكل بلية وخطب.
    قال صلى الله عليه وسلم: "إذا أصيب أحدكم بمصيبة فليذكر مصيبته بي فإنها من أعظم المصائب".
    قال أبو العتاهية:

    اصـبر لكـل مصيبة وتجلـدِ *** واعلم بأن المـرء غير مخلـــد
    أو مـا ترى أن المصـائب جمة *** وتـرى المنية للعبـاد بمـرصـد
    من لم يصب ممـن ترى بمصيبة *** هـذا سبيل لسـت عنه بأوحـد
    فإذا ذكرتَ محمـداً ومصـابه *** فاجعـل مصابك بالنبي محمــدِ

    واعلم يا أخي الكريم: أن البلاء يصيب المؤمن على قدر إيمانه، فإن كان في إيمانه صلابة زيد في بلائه، وإن كان في إيمانه رقة خُفف في بلائه، حتى ما يتجلى عنه البلاء، ويذهب إلا وقد حطت خطاياه كلها، ويمشي على الأرض ليس عليه خطيئة.
    فعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس أشد بلاءً؟ قال:"الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل, يُبتلى الناس على قدر دينهم, فمن ثخن دينه اشتد بلاؤه, ومن ضعف دينه ضعف بلاؤه, وإن الرجل ليصيبه البلاء حتى يمشي في الناس وما عليه خطيئة).
    قال ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ (ت751هـ) والله سبحانه إذا أراد بعبد خيرًا سقاه دواء من الابتلاء والامتحان على قدر حاله يستفرغ به من الأدواء المهلكة، حتى إذا هذبه ونقاه وصفاه، أهَّلَه لأشرف مراتب الدنيا، وهي عبوديتُه، وأرفع ثواب الآخرة، وهو رؤيته وقربه).
    وفي سنن الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلمما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله, حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة).

    تصفح قسم : اختر القسم رسائل طريق الإيمان ... رسائل إيمــانية ... المرأة ... الإعجاز العلمي ... ركــــن الكُتـــاب .. ... من السيرة النبوية ... النصــــح والإرشـــــاد ... في ظــلال القرآن ... مناسبات دورية ... غـزوات و معارك ... شخصيات وأعـلام ... قصص وعبر ... إعلانات واخبار ... هموم الأمة ... بقلم المشرف رياض الجنة ... مشروع رياض الجنة

  • #2
    الصبر على البلاء

    --------------------------------------------------------------------------------

    السلام عليكم

    قبل ماأبدأ موضوعي احب اقول نصيحه يمكن تفيد اخواني الاعضاء

    لما تبدون بكتابتة موضوع تقدرون تضيفون لموضوعكم بعض الصور وتحصلون عليها بسهوله من موقع قوقل

    فقط اكتب اسم الشيئ الي يتكلم عنه موضوعك بمحرك البحث واختار الصوره الي تعجبك مثل ناأنا اخترت صورة لموضوعي عن الصبر

    وشكرا

    بسم الله نبدأ الموضوع


    الصبر على البلاء

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين والصلاه والسلام على سيدنا محمد اشرف المرسلين

    الصبر على البلاء

    ان من اعظم الايمان هو الصبر على البلاء وما للصابرين جزاء الا دخول الجنه بغير حساب ،
    واكثر الناس المصابين بالبلاء هم اكثرهم ثراءا
    لأن المال فتنه ، فهل هذا المال سوف يصرف للفقراء والمساكين ويدفع منه حصه الزكاه ام هذا المال يلهى صاحبه عن الاحسان وعن الذكر بالله ويجعله من المغرورين المتكبرين.

    والبلاء انواع فى الصحه ، والاولاد ، والمال ....وغيره
    لكن اهم شئ هو الصبر عليه

    فكان احد الصالحين يقول عن البلاء ان له ثلاث فوائد

    1- نجده فى ديني
    2- لم يكن اكبر منها
    3- ارجو الثواب عليها

    فكل مبتلى له ثواب اذا صبر على البلاء وحمد الله عز وجل.

    واكبر مثال للابتلاء الانبياء وعلى رأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ابتلى بوفاه ابنائه ، وابتلى بهجرته والخروج من وطنه وابتلائه بالحصار وغيره من الابتلاءات

    وموسي عليه السلام وتعبه مع اليهود

    وعيسي ، وزكريا ونوح ويونس وايوب وغيرهم من الانبياء

    ايضا مثال لعروة بن الزبير رضى الله عنه ، فهو تعرض لابتلائين فى يوم واحد وهي حين قرر الاطباء قطع قدمه ، فطابت نفسه لذلك وحمد الله عز وجل.

    وفى نفس اليوم وقع احب ابنائه الى قلبه من فوق سطح البيت فمات ، ودخل اصحابه عليه فقال:

    اللهم لك الحمد
    فأخذت واحد وتركت وابقيت سته من ابنائي
    واخذت واحد من اعضائي وتركت لى ثلاثه اعضاء
    ان كنت اخذت فقد اعطيت
    ان كنت قد ابتليت فقد غنيت

    ايضا الشاعره الخنساء فقدت ابنائها جميعا فى الحروب وصبرت

    ايضا" الدكتوره عبله الكحلاوى قالت فى احد البرامج ان احد النساء قطع اصبعها فلم تبكي ،فسألوها كيف لا تبكي ؟ قالت : لكي انال الاجر والثواب.

    فلا تحزني يامن لم تتزوجي
    فلا تحزن ايها المريض
    فلا تحزن يا من مات ابناؤك ووالديك
    فلا تحزن ايها الفقير
    فلا تحزن يا من لا تجد عمل
    فلا تحزن ايها المعاق

    وتأكد اخى المسلم الحبيب فى الله ان الله عز وجل يكون راضى عنك حين يبتليك واعلم ان الدنيا دار شقاء وتعب ، فلا تحزن واحمد ربك على كل بلاء لأن هذا البلاء ان صبرت عليك لا يكون جزائه الا الجنه ونعيمها والجنه هى دار النعيم والراحه الابديه .

    اللهم اغفر لى ولوالدي واصحاب الحقوق على والمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات .

    منقول للأفاده

    تعليق


    • #3
      معجزات الأنبياء قبل القرآن



      معجزات الأنبياء قبل القرآن

      سوف نعيش مع سلسلة من المعجزات الإلهية منذ زمن سيدنا نوح عليه السلام وحتى زمن خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، وكيف أن المعجزة تأتي في التوقيت المناسب. فالمؤمن يزداد إيماناً, والكافر عسى أن يرى من خلالها نور الحق والإيمان.


      ما هي المعجزة؟

      المعجزة هي أرقى وأقوى وسيلة لإقناع الملحد بصدق الرسالة الإلهية. وهذه هي الطريقة التي ارتضاها الله سبحانه وتعالى لأنبيائه عليهم السلام. فأيد كل رسول بمعجزة ليقيم الحجة على قومه ولتكون سنداً له وتثبيتاً في رحلة دعوته إلى الله تعالى. لذلك فانك تجد في كل عصر من العصور معجزة تناسب علوم ذلك العصر, أما معجزة القرآن فكانت هي المعجزة المناسبة لجميع العصور ولجميع الناس على اختلاف عقائدهم ولغاتهم.

      المعجزة سلاح الأنبياء

      منذ زمن سيدنا نوح عليه السلام وحتى يومنا هذا لغة الإلحاد واحدة, فالملحد يطلب باستمرار الدليل المادي والمباشر على وجود الله جل جلاله ويطلب البرهان الملموس على صدق الرسالة الإلهية

      لقد أتى الله عز وجل سيدنا نوحاً حجة وبلاغة في النقاش فكان يستخدم مخلوقات الله تعالى للدلالة على وجود الله, وقد استخدم الرقم سبعة كدليل على قدرة الله في خلق السماوات السبع, بأن ينظروا ويتفكروا في خلق هذه السماوات فقال لهم: (ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقاً وجعل القمر فيهن نوراً وجعل الشمس سراجاً) [نوح: 15-16].

      هذا النص الكريم مليء بالحقائق العلمية, فالقمر هو جسم بارد يعكس نور الشمس لذلك سماه الله تعالى (نوراً), فأما الشمس فهي جسم ملتهب ينتج الضوء والحرارة تماماً مثل السراج فسماها الله تعالى (سراجاً), ومع أن هذه الحقائق العلمية لم تكتشف إلا في عصرنا الحديث فإنها موجودة منذ زمن سيدنا نوح عليه السلام.

      إذن استخدم سيدنا نوح عليه السلام معجزات كونية لإثبات صدق رسالته إلى قومه ولكن ماذا كان ردهم؟ بعد مناقشات طويلة قالوا له: (قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا) [هود: 32]. لذلك فقد أغرقهم الله وأنجى نوحاً والذين آمنوا معه وهذه سنة الله في خلقه.

      وتمر السنوات ويكثر الكفر والإلحاد ويأتي زمن سيدنا إبراهيم عليه السلام حيث انتشرت عبادة الكواكب والأصنام. ويبدأ خليل الرحمن بالتفكر في هذا الكون وما فيه من كواكب, ليزداد يقيناً بالله تعالى. ويأتي البيان الإلهي متحدثاً عن هذا الرسول الكريم: (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين) [الأنعام: 75].

      وتأمل معي قوله تعالى: (وليكون من الموقنين) والذي نرى فيه الدليل على أن رؤية ملكوت الله تزيد المؤمن يقيناً بالله عز وجل. لأننا لا نستطيع رؤية الخالق سبحانه ولكن هنالك ما يدل على وجوده وعظمته, فعظمة الخلق تدل على عظمة الخالق تبارك وتعالى.

      لقد بين إبراهيم عليه السلام لقومه بأن هذه الكواكب التي يعبدونها ويسجدون لها من دون الله ليست آلهة لأنها تغيب, ولكن الله سبحانه وتعالى لا يغيب أبداً. وهذه الحجة آتاها الله لسيدنا إبراهيم ليقنع بها قومه. (وتلك حجتنا آتيناها لإبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء) [الأنعام: 83].

      أما سيدنا صالح عليه السلام فقد آتاه الله معجزة الناقة لتكون شاهداً على صدق رسالته من الله تعالى. وقد سخر الله لسيدنا سليمان الجبال والرياح والشياطين وعلمه لغة الطير والنمل ومعجزات أخرى. ويأتي سيدنا المسيح عليه السلام ليؤيده الله بروح القدس ويؤتيه من المعجزات ما يحيي بها الموتى ويخلق من الطين كهيئة الطير فتكون طيراً بإذن الله ويشف الأكمة والأبرص ومعجزات أخرى كلها لتجعل الناس مؤمنين بصدق هذا الرسول الكريم, حتى طريقة خلق هذا النبي من غير أب فيها معجزة وكلامه في المهد فيه معجزة أيضاً.

      وهكذا لكل نبي معجزة أو عدد من المعجزات, فكانت هذه المعجزات سلاحاً فعالاً في مواجهة الإلحاد والكفر, ولتثبيت الإيمان والاستمرار على الحق. ولكن كان على الدوام فريقان: فريق يؤمن بهذه المعجزة ويصدقها, وفريق يجحد بهذه المعجزة ويكذبها.

      إذن المعجزة هي وسيلة فعالة جداً ذات أهداف متعددة:

      1- لزيادة إيمان المؤمن ويقينه بالله عز وجل.

      2- تثبيت المؤمن على الحق في مواجهة الإلحاد

      3- إقامة الحجة على كل من لا يؤمن بالله تعالى.

      4- المعجزة هي أرقى وسيلة لإقناع الكافر بصدق رسالة الله تعالى. إذن المعجزة وسيلة وليست هي الهدف, وسيلة للوصول إلى مرضاة الله تعالى.

      هذه الأهداف الأربعة سوف تتجلى في معجزة سيدنا موسى عليه السلام عندما أرسله الله تعالى إلى فرعون وملئه, ولكن ما هو العصر الذي بعث فيه سيدنا موسى وهل جاءت المعجزة مناسبة لذلك العصر؟

      الإعجاز في عصر السحر

      لقد ازداد طغيان فرعون كثيراً فأفسد في الأرض وجعل من نفسه إلها وعلا علواً كبيراً بغير الحق وملأ الأرض كفراً وإلحاداً وعناداً. وفي ظل هذه الظروف ماذا فعل له الله تعالى؟ لم يخسف به الأرض فجأة, ولم يدمره دون سابق إنذار, بل أرسل له رسولاً كريماً هو سيدنا موسى عليه السلام, ليهديه إلى صراط الله المستقيم عسى أن يؤمن ويعود إلى خالفه سبحانه وتعالى. وهذه هي رحمة الله بعباده, على الرغم من كفرهم وعصيانهم يرسل إليهم من يقنعهم بالعودة إلى الله تعالى.

      ولكن فرعون أبى إلا الكفر وطلب من موسى الدليل والبرهان, فألقى موسى بعصاه فإذا هي ثعبان مبين, ماذا كان رد فعل فرعون على هذه المعجزة؟ إن عصر فرعون كان عصر السحر والسحرة لذلك وعلى الفور قال لموسى: (إن هذا لساحر عليم) [الشعراء: 34], وقام فرعون بجمع السحرة من كل بلد واجتمعوا في مشهد مهيب هم وفرعون وجنوده وقوته على جانب وعلى الجانب الآخر كان موسى وحيداً ولكن رب هؤلاء جميعاً كان معه!

      ويلقي السحرة بحبالهم وعصيهم ويسحرون أعين الناس ويخيل للناس أن هذه الحبال قد تحولت إلى ثعابين تتحرك, وفي هذه اللحظة يأتي الأمر الإلهي لموسى عليه السلام بأن يلقي عصاه فإذا هي ثعبان حقيقي يلتهم حبال السحرة وعصيهم ويبطل سحرهم وإفكهم.

      وتأتي اللحظة الحاسمة عندما يرى السحرة هذا الثعبان الحقيقي ليدركوا أنه ليس سحراً, فهم أخبر الناس بالسحر , ليدركوا أن هذا العمل لا يقدر عليه موسى بل هو من صنع رب موسى, ويدركوا أنهم إلى ربهم منقلبون فيسجدون لله أمام عظمة هذه المعجزة ويعلنون توبتهم وندمهم وإيمانهم ورجوعهم إلى الحق تعالى: (قالوا إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين) [الشعراء: 51].

      هذه هي عظمة المعجزة وقوتها, في ثوان معدودة قلبت السحرة الذين هم أشد كفراً ونفاقاً وإلحاداً من قمة الطغيان إلى قمة الإيمان! فبعد أن كانوا أعداء لموسى عليه السلام أصبحوا مدافعين عن رسالته بل أصبحوا عباداً أوفياء لله تعالى يدعون إلى الله.

      ومن عظمة هذه المعجزة أنها جاءت في التوقيت المناسب وتحدى بها موسى أناساً برعوا في السحر, فكانت من نوع سحرهم ليكون التحدي أبلغ, وهذا ما جعل السحرة يسارعون إلى الإيمان. ولو تحداهم بمعجزة أخرى لا يفهمونها لم يكن هنالك تأثير قوي يذكر.

      ويمكن القول: إن المعجزة هي أقوى وسيلة هيأها الله تعالى لهداية البشر وإقامة الحجة عليهم بل وزيادة إيمانهم ورجوعهم إلى الله عز وجل في كل عصر من العصور.

      هذه هي معجزة سيدنا موسى عليه السلام, وهذا هو تأثيرها في زمنها, ولكن السؤال ماذا بالنسبة لمعجزة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام؟ وما هو العصر الذي جاءت فيه هذه المعجزة؟ وكيف تحدت البشر في زمنها قبل ألف وأربع مئة سنة؟

      آخر المعجزات

      معجزة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هي آخر المعجزات، ولذلك فقد كانت قرآناً يُتلى إلى يوم القيامة، وما الإعجاز العلمي والرقمي الذي نعيشه اليوم إلا امتداد لمعجزات الأنبياء، فالأنبياء رسالتهم واحدة ومنهجهم واحد وإلههم واحد.

      لذلك ومن نعم الله علينا أننا نستطيع رؤية معجزة محمد صلى الله عليه وسلم في أي وقت نريد، وذلك من خلال قراءة مقالة في الإعجاز العلمي أو العددي أو الغيبي أو أي نوع من أنواع الإعجاز، وإذا كان أصحاب موسى هم وحدهم رأوا معجزاته، وإذا كان أصحاب عيسى هم وحدهم رأوا معجزاته المبهرة، فإننا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، أكرمنا الله تعالى وهو الرحيم الكريم بأن أي واحد منا وفي أي مكان أو زمان يمكنه رؤية معجزات القرآن العظيم، فهل نحمد الله تعالى على هذه النعمة العظيمة؟!

      يقول تعالى: (وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها وما ربك بغافل عما تعملون) [النمل: 93].
      منقول

      تعليق


      • #4
        من مواقف اليهود التي سجلها القرآن الكريم



        من مواقف اليهود التي سجلها القرآن الكريم



        كنا قد سردنا بعض مواقف اليهود التي سجلها القرآن الكريم لتكون علامة خزي وعار يلحق جبين اليهودية الضالة ، ولتعلم البشرية جمعاء مبلغ عناد وتمرد اليهود في تعاملهم مع خالقهم سبحانه ، وكيف عاقبهم الله، بأن لعنهم وجعل منهم القردة والخنازير ، وتوعدهم بسوء العذاب في الدنيا والآخرة . ولم يكن ذكر بني إسرائيل بهذه الصورة المتكررة في القرآن الكريم إلا لحكمة عظيمة ، هي تعريف الأمة المحمدية بنفسية اليهود وأخلاقهم لتكون على حذر وحيطة عندما تتعامل معهم ، فلا تغتر بعهودهم ولا بمواثيقهم ، وفائدة أخرى هي أخذ العبرة والعظة مما آل إليه أمر اليهود من مقت الخالق سبحانه لهم ، ولعن الأنبياء إياهم ، وبغض المخلوقين لهم ، وما ذلك إلا نتيجة عصيانهم ، وتكبرهم ، وعنادهم ، وتمردهم على خالقهم سبحانه ، ورسله الكرام ، ولنأت على ذكر بعض مواقف اليهود الأخرى التي سطرها القرآن حتى يكون المسلم على بينة من أخلاقهم .

        بنو إسرائيل يقولون لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا
        لقد كان خروج بني إسرائيل من مصر نصراً لهم بكل معنى الكلمة ، فقد خرجوا من العبودية إلى الحرية ، ومن الذل إلى العز ، وكل ذلك بفضل الله عز وجل وتوفيقه ورأفته بهم ، لكنهم لم ينظروا إلى هذا على أنه نعمة تستوجب الشكر ، ومِنَّة تستوجب الحمد ، بل نظروا إلى تلك النعم على أنها حق لهم ، وأن على الخالق أن يبذل المزيد في سبيل راحة شعبه ، هذه كانت نظرة بني إسرائيل للأمر ، لذلك عندما أمرهم موسى - عليه السلام - بدخول الأرض المقدسة - القدس - أجابوه بجواب غاية في الصفاقة وقلة الأدب ، جواب من استمرأ حياة الذل ، وعاف حياة العز والجهاد ، { قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ } (المائدة:24) ، فانظر إلى هؤلاء كيف ردوا أمر الله سبحانه بكل جرأة ووقاحة ، نسأل الله السلامة والعافية .

        بنو إسرائيل يستهزئون بأمر الله
        لما عصى بنو إسرائيل أمر الله عز وجل بدخول الأرض المقدسة في عهد موسى عليه السلام ، قضى الله عليهم بالتيه أربعين سنة ، فتاهوا في صحراء سيناء تلك المدة كاملة ، وكان موسى وهارون عليهما السلام قد ماتا في تلك الفترة ، فبعث الله عز وجل يوشع بن نون نبياً إلى بني إسرائيل ، وبعد انتهاء فترة التيه دخل بهم يوشع عليه السلام الأرض المقدسة - القدس - وكان أمر الله لهم أن يدخلوها خاضعين له ، سائلين أن يحطَّ عنهم خطاياهم ، لكنهم ورغم ما منَّ الله به عليهم من النصر العظيم ، إلا أنهم عصوا أمره ، وبدَّلوا ما قيل لهم ، فَبَدَلَ أن يدخلوا سجداً ، دخلوا على أستاههم - أدبارهم - وبدل أن يقولوا حطة أي حطَّ عنا خطايانا ، قالوا : - على سبيل الاستهزاء - ما حطة ؟ حبة في شعيرة ، قال تعالى :{ وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِين َ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ }( البقرة:58- 59) ، وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قال الله لبني إسرائيل :ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم ، فبدلوا ودخلوا الباب يزحفون على أستاههم ، وقالوا : حبة في شعرة )




        بنو إسرائيل يحتالون على أمر الله وشرعه :
        رأينا كيف قابل بنو إسرائيل أمر الله عز وجل لهم بدخول الأرض المقدسة ، ثم كيف استهزءوا بأمره حين أمرهم أن يدخلوها ساجدين مستغفرين ، فتلك هي طريقتهم في التعامل مع أمر الله وحكمه ، أما هذه القصة التي سنوردها الآن فهي تحكي طريقة أخرى في التعامل مع الأوامر الربانية ، طريقة التحايل على الأمر ، وكأنهم لا يتعاملون مع من يعلم خائنة الأعين ، وما تخفي الصدور ، ولما كان دين الله مبنياً على ابتلاء العبد بالتكاليف الشرعية ؛ حتى ينظر من يمتثل فينجو ، ومن يعصي فيهلك ، فقد ابتلى الله بني إسرائيل بتحريم الأعمال الصناعية عليهم يوم السبت ، ثم ابتلاهم بوفرة الصيد في ذلك اليوم ، وقلته فيما سواه من الأيام ، فماذا عمل بنو إسرائيل ؟ هل كفوا أيديهم امتثالا ؟ كلا ، فقد تفتقت أدمغة الغدر والمكر عن حيلة تدل على مدى استخفافهم بربهم ، حتى استحلوا محارمه بأدنى الحيل ، حيث نصب بنو إسرائيل الشباك قبل يوم السبت فلما جاءت الأسماك يوم السبت على عادتها في الكثرة نشبت بتلك الشباك التي وضعوها ، فلم تخلص منها يومها ذلك ، فلما كان الليل أخذوها بعد انقضاء السبت ، فلما فعلوا ذلك ، مسخهم الله ، قال تعالى : { وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ } ( الأعراف:163) وقال أيضا:{ فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ }(الأعراف:166) ، وما عِظم هذه العقوبة إلا لعظم الجريرة ، فلو أتوا الأمر عيانا لكان أهون ، لكنهم بتحايلهم ومكرهم استخفوا بربهم جل وعلا وأمره ، فانظر عاقبة الحيل والمكر .

        بنو إسرائيل يرفضون المن والسلوى ويطلبون الثوم والبصل
        إن رحمة الله عز وجل ببني إسرائيل عظيمة، فعلى الرغم من تعنتهم وتمردهم وعصيانهم إلا أنه سبحانه يرحمهم ويرأف بهم ، ففي أثناء عقوبته لهم سبحانه بالتيه في الصحراء منَّ عليهم بالغمام يظلهم من حر الشمس ، وتفضل عليهم بطعام من طعام الجنة فأنزل عليهم المن - وهو شراب حلو - والسلوى - وهو طائر ذو لحم طيب - قال تعالى مذكرا إياهم بهذه النعم :{ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } (البقرة:57) ، فهل عرف بنو إسرائيل نعمة ربهم فازدادوا له شكراً وحمداً ؟ كلا ، ولكنهم طلبوا طلباً غاية في الغرابة عند أهل العقول المستقيمة ، إذ جاءوا موسى - عليه السلام - متضجرين ساخطين على هذه النعمة، وادعوا أنهم لا يصبرون على طعام واحد ، وطلبوا منه الثوم والبصل ، فانظر إلى هذا العجب العجاب ، أيستبدل طعام الجنة بالثوم والبصل !!، قال تعالى : { وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأرض مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ }( البقرة:61)

        بنو إسرائيل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
        الذي يمكن أن يخلص إليه المرء من دراسة مواقف بني إسرائيل التي سطرها القرآن أن بني إسرائيل رقيقوا الدين، ضعيفوا التمسك به ، ومن كان هذا حاله فكيف يصبر على الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر، لذلك كان من أشدِّ ما نقم عليهم أنبياؤهم انهماكهم في المعاصي والسيئات ، وعدم قيامهم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، حتى لعنوهم وأبغضوهم على ذلك ، قال تعالى : { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } (المائدة:78-79)

        هذه هي أخلاق بني إسرائيل وتلك هي جرأتهم على ربهم ، واحتيالهم على أمره ، فهل من معتبر ومتعظ بحال أعداء الله ، وقتلة الأنبياء والرسل .

        منقول

        تعليق

        المتواجدون الآن 1. الأعضاء 0 والزوار 1.

        أكبر تواجد بالمنتدى كان 2,525, 26-09-2016 الساعة 21:58.

        يعمل...
        X