اداب الانبياء في خطابهم مع الله عزوجل

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • اداب الانبياء في خطابهم مع الله عزوجل

    كلمات اقدمهالكم اخوتي الكرام من بساتين المعرفة وحدائق العلم ، كلمات عطرة لعل الله ان ينفعبها، وهذه الكلمات لشيخ جليل وعالم كبير ، ينهل من علمه العلماء الكبار،ويشرب منمعين فهمه طلبة العلم الكبار والصغار ، ويربى على منهجه الدعاة الاخيار ، اظنكمعرفتم من اعني انه الحافظ الكبير شمس الدين ابن القيم الجوزية رحمهالله.
    ولا اريد ان اتكلم عنه او اترجم له فهو اشهر من نارعلى علم كما يقال ، ولكن انقل اليكم هذه الكلمات وهو يتحدث فيها عن ادب الانبياءصلوات الله وسلامه عليهم مع خالقهم ورازقهم ومعبودهم الحق سبحانه وتعالى.
    فتعالوا بنا مع هذه الكلمات والعبر لنقف على عتبات تلكالاخلاق العالية التي فطر الله عز وجل عليها الانبياء صلوات ربي وسلامه عليهمفكانوا احق بها واهلها بحق.

    قالالحافظ ابن القيم الجوزية رحمه الله

    فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الأدب

    الى ان قال رحمهالله:

    وتأمل أحوال الرسل صلواتالله وسلامه عليهم مع الله وخطابهم وسؤالهم كيف تجدها كلها مشحونة بالأدب قائمةبه:
    قال المسيح عليه السلام : (إن كنت قلته فقد علمته) [ المائدة : 116 ]
    ولم يقل : لم أقله وفرق بينالجوابين في حقيقة الأدب ثم أحال الأمر على علمه سبحانه بالحال وسره فقال : (تعلم ما في نفسي)
    ثم برأ نفسه عن علمهبغيب ربه وما يختص به سبحانه فقال : (ولا أعلم ما في نفسك)
    ثم أثنى على ربه ووصفه بتفرده بعلم الغيوب كلها فقال : (إنك أنت علام الغيوب)
    ثم نفى أنيكون قال لهم غير ما أمره ربه به وهو محض التوحيد فقال : (ما قلتلهم إلا ما أمرتني به : أن اعبدوا الله ربي وربكم) [ المائدة : 117 ]
    ثم أخبر عن شهادته عليهم مدة مقامه فيهم وأنه بعد وفاتهلا اطلاع له عليهم وأن الله عز وجل وحده هو المنفرد بعد الوفاة بالاطلاع عليهم فقال (وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيني كنت أنت الرقيب عليهم)[ المائدة : 117 ]
    ثم وصفه بأن شهادته سبحانه فوقكل شهادة وأعم فقال : (وأنت على كل شيءشهيد)
    ثم قال : (إن تعذبهم فإنهمعبادك)[ المائدة : 118 ] وهذا من أبلغ الأدب مع الله في مثل هذا المقام أيشأن السيد رحمة عبيده والإحسان إليهم وهؤلاء عبيدك ليسوا عبيدا لغيرك فإذا عذبتهممع كونهم عبيدك فلولا أنهم عبيد سوء من أبخس العبيد وأعتاهم على سيدهم وأعصاهم له : لم تعذبهم لأن قربة العبودية تستدعي إحسان السيد إلى عبده ورحمته فلماذا يعذب أرحمالراحمين وأجود الأجودين وأعظم المحسنين إحسانا عبيده لولا فرط عتوهم وإباؤهم عنطاعته وكمال استحقاقهم للعذاب وقد تقدم قوله : (إنك أنت علامالغيوب) [ المائدة : 116 ] أي هم عبادك وأنت أعلم بسرهموعلانيتهم
    فإذا عذبتهم : عذبتهم على علم منك بما تعذبهمعليه فهم عبادك وأنت أعلم بما جنوه واكتسبوه فليس في هذا استعطاف لهم كما يظنهالجهال ولا تفويض إلى محض المشيئة والملك المجرد عن الحكمة كما تظنه القدرية وإنماهو إقرار واعتراف وثناء عليه سبحانه بحكمته وعدله وكمال علمه بحالهم واستحقاقهمللعذاب.
    ثم قال : (وإن تغفر لهم فإنك أنتالعزيز الحكيم) [ المائدة : 118 ] ولم يقل الغفور الرحيم وهذا من أبلغ الأدبمع الله تعالى فإنه قاله في وقت غضب الرب عليهم والأمر بهم إلى النار فليس هو مقاماستعطاف ولا شفاعة بل مقام براءة منهم فلو قال : فإنك أنت الغفور الرحيم لأشعرباستعطافه ربه على أعدائه الذين قد اشتد غضبه عليهم فالمقام مقام موافقة للرب فيغضبه على من غضب الرب عليهم فعدل عن ذكر الصفتين اللتين يسأل بهما عطفه ورحمتهومغفرته إلى ذكر العزة والحكمة المتضمنتين لكمال القدرة وكمالالعلم.

    والمعنى : إن غفرت لهم فمغفرتك تكون عن كمالالقدرة والعلم ليست عن عجز عن الانتقام منهم ولا عن خفاء عليك بمقدار جرائمهم وهذالأن العبد قد يغفر لغيره لعجزه عن الانتقام منه ولجهله بمقدار إساءته إليه والكمال : هو مغفرة القادر العالم وهو العزيز الحكيم وكان ذكر هاتين الصفتين في هذا المقامعين الأدب في الخطاب وفي بعض الآثار : حملة العرش أربعة : اثنان يقولان : سبحانكاللهم ربنا وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك
    واثنانيقولان : سبحانك اللهم ربنا وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك
    ولهذا يقترن كل من هاتين الصفتين بالأخرى كقوله : والله عليم حليم
    وقوله : وكان الله عفوا قديرا .

    وكذلك قول إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم (الذي خلقنيفهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين) [ الشعراء : 7880 ] ولم يقل وإذا أمرضني حفظا للأدب مع الله.

    وكذلك قولالخضر عليه السلام في السفينة : (فأردت أن أعيبها)[ الكهف : 79 ] ولم يقل فأراد ربك أن أعيبها.
    وقال في الغلامين : (فأراد ربك أن يبلغا أشدهما) [ الكهف : 82 ].

    وكذلك قول مؤمني الجن : (وأنا لاندري : أشر أريد بمن في الأرض) [ الجن : 10 ] ولم يقولوا : أراده ربهم ثمقالوا : (أم أراد بهم ربهم رشدا).

    وألطف من هذا قول موسى عليه السلام : (رب إني لما أنزلتإلي من خير فقير) [ القصص : 24 ] ولم يقل أطعمني.

    وقول آدم عليه السلام : (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفرلنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) [ الأعراف : 23 ] ولم يقل : رب قدرت عليوقضيت علي.

    وقول أيوب عليه السلام : (مسني الضر وأنت أرحم الراحمين) [ الأنبياء : 83 ] ولم يقل فعافنيواشفني.

    وقول يوسف لأبيه وإخوته : (هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذا أخرجني منالسجن) [ يوسف : 100 ] ولم يقل : أخرجني من الجب حفظا للأدب مع إخوته وتفتياعليهم : أن لا يخجلهم بما جرى في الجب.
    وقال : (وجاء بكم من البدو) ولم يقل : رفع عنكم جهد الجوع والحاجة أدبامعهم.
    وأضاف ما جرى إلى السبب ولم يضفه إلى المباشر الذي هوأقرب إليه منه فقال : (من بعد أن نزع الشيطان بيني وبينإخوتي) فأعطى الفتوة والكرم والأدب حقه ولهذا لم يكن كمال هذا الخلق إلاللرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم .


    فصل
    وجرت عادة القوم : أن يذكروا في هذا المقام قوله تعالى عننبيه حين أراه ما أراه : (ما زاغ البصر وما طغى)[ النجم : 17 ] وأبو القاسم القشيري صدر باب الأدب بهذه الآية وكذلك غيره وكأنهم نظروا إلىقول من قال من أهل التفسير :
    إنهذا وصف لأدبه في ذلكالمقام إذ لم يلتفت جانبا ولا تجاوز ما رآه وهذا كمال الأدب والإخلال به : أن يلتفتالناظر عن يمينه وعن شماله أو يتطلع أمام المنظور فالالتفات زيغ والتطلع إلى ماأمام المنظور : طغيان ومجاوزة فكمال إقبال الناظر على المنظور : أن لا يصرف بصرهعنه يمنة ولا يسرة ولا يتجاوزه.

    هذا معنى ما حصلته عنشيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه وفي هذه الآية أسرار عجيبة وهي من غوامضالآداب اللائقة بأكمل البشر : تواطأ هناك بصره وبصيرته وتوافقا وتصادقا فيما شاهدهبصره فالبصيرة مواطئة له وما شاهدته بصيرته فهو أيضا حق مشهود بالبصر فتواطأ في حقةمشهد البصر والبصيرة ولهذا قال سبحانه وتعالى : (ما كذب الفؤاد مارأى أفتمارونه على ما يرى) [ النجم : 1112 ] أي ما كذب الفؤاد ما رآه ببصره .

    ولهذا قرأها أبو جعفر (ما كذبالفؤاد ما رأى)بتشديد الذال أي لم يكذب الفؤاد البصر بل صدقه وواطأه لصحةالفؤاد والبصر أو استقامة البصيرة والبصر وكون المرئي المشاهد بالبصر والبصيرة حقاوقرأ الجمهور ما كذب الفؤاد بالتخفيف وهو متعد و ما رأى مفعوله : أي ما كذب قلبه مارأته عيناه بل واطأه ووافقه فلمواطأة قلبه لقالبه وظاهره لباطنه وبصره لبصيرته : لميكذب الفؤاد البصر ولم يتجاوز البصر حده فيطغى

    ولم يملعن المرئي فيزيغ بل اعتدل البصر نحو المرئي ما جاوزه ولا مال عنه كما اعتدل القلبفي الإقبال على الله والإعراض عما سواه فإنه أقبل على الله بكليته وللقلب زيغوطغيان كما للبصر زيغ وطغيان وكلاهما منتف عن قلبه وبصره فلم يزغ قلبه التفاتا عنالله إلى غيره ولم يطغ بمجاوزته مقامه الذي أقيم فيه .

    وهذا غاية الكمال والأدب مع الله الذي لا يلحقه فيه سواه فإن عادة النفوسإذا أقيمت في مقام عال رفيع : أن تتطلع إلى ما هو أعلى منه وفوقه ألا ترى إلى موسىلما أقيم في مقام التكليم والمناجاة : طلبت نفسه الرؤية ونبينا لما أقيم في ذلكالمقام وفاه حقه : فلم يلتفت بصره ولا قلبه إلى غير ما أقيم فيه ألبتة ولأجل هذا ماعاقه عائق ولا وقف به مراد حتى جاوز السموات السبع حتى عاتب موسى ربه فيه وقال : يقول بنو إسرائيل : إني كريم الخلق على الله وهذا قد جاوزني وخلفني علوا فلو أنهوحده ولكن معه كل أمته وفي رواية للبخاري : فلما جاوزته بكى قيل : ما يبكيك قال : أبكي أن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي .

    من كمال أدبه مع الله ما زاغ البصر عنه وما طغىفأقامه في هذا العالم على أقوم صراط من الحق والهدى وأقسم بكلامه على ذلك في الذكرالحكيم فقال تعالى : يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراطمستقيم[ يس : 14 ] فإذا كان يوم المعاد أقامه على الصراط يسأله السلامةلأتباعه وأهل سنته حتى يجوزونه إلى جنات النعيم وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء واللهذو الفضل العظيم.
    انتهى كلام الحافظ ابن القيم رحمهالله.

  • #2
    جزاك الله كل خير.
    الصلاة والسلام عليك يارسول الله ياخيرالبرية

    تعليق


    • #3
      شكرا على مرورك الطيب اختي تسنيم الله يرزقنا واياك وجميع المسلمين العلم النافع اللهم صل على سيدنامحمد عددمن صلى عليه وعددمن لم يصلي عليه وصل عليه كما امرت بالصلاة عليه وكما يجب ان يصلى عليه وكما تحب ان يصلى عليه صلاة دائمة دوام ملكك العظيم صلاة تشفعه بها فينا غدا يوم القيامة برحمتك يا ارحم الراحمين امين

      تعليق


      • #4
        جزاك الله عنا خيرا

        تعليق


        • #5
          جزاك الله خيرا

          لما قدمت وبه افدتنا

          وجعل الله موضوعك

          بميزان حسناتك

          وتقبل الله منا ومنك

          سائر الاعمال

          واسكننا الفردوس الاعلى






          تعليق


          • #6
            مشكورات اخواتي الفضليات على مروركن العطر والله يبارك فيكن ويجازيكن الف الف خير والله ينفعنا وينفعكن بالعلم والعمل الصالحين ياربي امين واصلي واسلم على من بعثه الله عزوجل بالنور والهدى لكل العالمين

            تعليق

            المتواجدون الآن 1. الأعضاء 0 والزوار 1.

            أكبر تواجد بالمنتدى كان 2,525, 26-09-2016 الساعة 21:58.

            شاركي الموضوع

            تقليص

            يعمل...
            X