إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الصيام عن الميت

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الصيام عن الميت

    الصيام عن الميت

    31- ومن أحكام الصيام أن من مات وعليه صيام واجب من رمضان، أو نذر، أو كفارة, ولم يتمكن من الصيام بأن استمر به المرض حتى مات، أو لم يقدم من سفره حتى مات, فإنه لا يقضى عنه؛ لأنه لم يجب عليه الصوم لعدم قدرته فلم يكن داخلا في قوله - تعالى -: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ .
    أما إذا تمكن من الصيام بأن صحّ من مرضه، أو قدم من سفره, ولم يصم حتى مات فإنه يشرع لوليه أن يصوم عنه, في أصح أقوال أهل العلم وسواء كان صيام رمضان، أو صيام نذر، أو صيام كفارة, لما ثبت في الصحيحين عن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: من مات وعليه صيام صام عنه وليّه .
    وهذا عام في المكلفين لقرينة "وعليه صيام" وعام في الصيام, فيشمل صيام الفريضة، ويشمل صيام الكفارة، ويشمل صيام النذر.
    وقوله: "صام عنه وليه" خبر بمعنى الأمر تقديره (فليصم عنه وليه)، وهذا الأمر ليس للوجوب عند الجمهور، بل هو للإرشاد والاستحباب؛ لأن الله - تعالى- يقول: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى حتى بالغ بعضهم فادعى الإجماع على ذلك, وذهب بعض أهل الظاهر إلى أن الأمر للوجوب.
    والمراد بالولي: القريب, فقيل: كلّ قريب, وقيل: الوارث خاصة, وقيل: عصبته, والأرجح الأول، وهو أنه كل قريب؛ لأن هذا ظاهر اللفظ، ولا يختص ذلك بالولي على الراجح، بل يجوز أن يصوم عنه أجنبي, لكن الأفضل أن يصوم عنه قريبه؛ لأنه من البر, وذكر الولي في الحديث لأنه الغالب.
    وعليه فالولي يستحب له أن يصوم عن الميت، ويصح صومه عنه، ويبرأ به الميت, وإن شاء أطعم عنه عن كل يوم مسكينا, فالولي مخير بين الصيام والإطعام.
    وذهب جمهور العلماء- مالك والشافعي وأبو حنيفة وغيرهم- إلى أنه لا يصام عن الميت مطلقا لا رمضان، ولا نذر، ولا كفارة، وتأولوا حديث عائشة بالإطعام فقالوا: معنى "صام عنه وليه" أطعم عنه وليه، وهذا التأويل غير صحيح لأمرين: أحدهما: أنه لا حاجة إليه, والثاني: أنه لا دليل عليه, قال النووي -رحمه الله-: (ذهب الجمهور إلى أنه لا يصام عن ميت لا نذر، ولا غيره - ثم قال-:، وتأولوا الحديث على أنه يطعم عنه وليه، وهذا تأويل ضعيف، بل باطل, وأي ضرورة إليه, وأي مانع يمنع من العمل بظاهره, مع تظاهر الأحاديث مع عدم المعارض لها) اهـ.
    وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يصام عن الميت إلا النذر فقط دون رمضان فيطعم عنه، ولا يصام عنه، وهو قول الليث وأحمد وإسحاق وأبو عبيد واستدلوا بما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: جاءت امرأة إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسول الله: إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها؟ قال: "أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان يؤدي ذلك عنها؟ قالت: نعم, قال: فصومي عن أمك" .
    وفي لفظ لهما عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ قال: "نعم فدين الله أحق أن يقضى" . وعند مسلم زيادة: فقال: لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها؟ قال: نعم, قال: فدين الله أحق أن يقضى .
    وحمل هؤلاء العلماء حديث عائشة المطلق من مات وعليه صيام صام عنه وليه على حديث ابن عباس المقيد بصوم النذر, قالوا: فيصام عن الميت النذر خاصة, وأما رمضان فيطعم عنه.
    وهذا المسلك الذي سلكه هؤلاء العلماء من حمل المطلق على المقيد مسلك غير صحيح؛ لأنه لا تعارض بين الحديثين حتى يجمع بينهما بحمل أحدهما على الآخر, فإن حديث ابن عباس فيه السؤال عن نوع من أنواع الصيام الواجب، وهو صوم النذر, وحديث عائشة عام في أنواع الصيام الواجب من رمضان، أو نذر، أو كفارة, فلا منافاة بينهما، بل ما دل عليه حديث ابن عباس داخل في عموم ما دل عليه حديث عائشة - رضي الله عنهما - وفي آخر حديث ابن عباس ما يشير إلى العموم الذي دل عليه حديث عائشة وهو قوله: "فدين الله أحق أن يقضى".
    قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- (وقال الليث وأحمد وإسحاق وأبو عبيد لا يصام عنه إلا النذر حملا للعموم الذي في حديث عائشة على المقيد في حديث ابن عباس وليس بينهما تعارض حتى يجمع بينهما, فحديث ابن عباس صورة مستقلة سأل عنها من وقعت له, وأما حديث عائشة فهو تقرير قاعدة عامة, وقعت الإشارة في حديث ابن عباس إلى نحو هذا العموم حيث قيل في آخره: "فدين الله أحق أن يقضى" اهـ.
    ومن الأدلة التي استدل بها الجمهور على أنه لا يصام عن الميت مطلقا، بل يطعم عنه, ما رواه النسائي بسنده عن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مدا من حنطة .
    وأجيب عنه بأن هذا لا يصح رفعه، بل هو موقوف على ابن عباس -رضي الله عنهما- ولو ثبت رفعه أمكن الجمع بينه وبين حديث عائشة بجواز الأمرين الصيام والإطعام.
    ومن أدلتهم ما روي عن عائشة -رضي الله عنها- أنها سئلت عن امرأة ماتت وعليها صوم قالت: لا تصوموا عن موتاكم، ولكن أطعموا عنهم. أخرجه البيهقي وبما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال في رجل مات وعليه رمضان قال: يُطعم عنه ثلاثون مسكينا. أخرجه عبد الرزاق وبما روى النسائي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: لا يصوم أحد عن أحد, قالوا: فلما أفتى ابن عباس وعائشة -رضي الله عنهم- بخلاف ما روياه دل ذلك على أن العمل على خلاف ما روياه.
    وأجيب عن الاستدلال بهذه الآثار بجوابين:
    أحدهما: أن هذه الآثار فيها مقال, وأثر عائشة ضعيف جدا, فلا يصلح للحجة.
    الثاني: أن الراجح والمعتمد أن العبرة بما رواه الراوي لا بما رآه, لاحتمال أن يخالف ذلك الاجتهاد, ومستنده فيه لم يتحقق، ولا يلزم من ذلك ضعف الحديث عنه, وإذا تحققت صحة الحديث لم يُترك المحقق للمظنون كما هو مقرر في الأصول .
    قال شارح الطحاوية: (وأما وصول ثواب الصوم, ففي الصحيحين عن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: من مات وعليه صيام صام عنه وليّه وله نظائر في الصحيح، ولكن أبو حنيفة - رحمه الله - قال بالإطعام عن الميت دون الصيام عنه لحديث ابن عباس المتقدم, والكلام على ذلك معروف في الفروع) اهـ.
    وقال النووي - رحمه الله- في شرح صحيح مسلم ما نصُّه: (اختلف العلماء فيمن مات وعليه صوم واجب من رمضان، أو قضاء، أو نذر، أو غيره, هل يُقضى عنه؟ وللشافعي في المسألة قولان مشهوران أشهرهما: لا يصام عنه، ولا يصح عن ميت صوم أصلا, والثاني: يستحب لوليه أن يصوم عنه، ويصح صومه، ويبرأ به الميت، ولا يحتاج إلى إطعام عنه، وهذا القول هو الصحيح المختار الذي نعتقده، وهو الذي صححه محققو أصحابنا الجامعون بين الفقه والحديث, لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة, وأما الحديث الوارد: من مات وعليه صيام أطعم عنه وليّه فليس بثابت, ولو ثبت أمكن الجمع بينه وبين هذه الأحاديث بأن يحمل على جواز الأمرين, فإن من يقول بالصيام يجوز عنده الإطعام, فثبت أن الصواب المتعين تجويز الصيام، وتجويز الإطعام, والولي مخير بينهما, والمراد بالولي القريب سواء كان عصبة، أو وارثا، أو غيرهما, وقيل المراد الوارث, وقيل العصبة, والصحيح الأول.
    ولو صام عنه أجنبي إن كان بإذن الولي صح, وإلا فلا, في الأصح، ولا يجب على الولي الصوم عنه, لكن يستحب) اهـ.
    وبهذا يتبين أن الصواب في هذه المسألة أن من مات وعليه صيام نذر، أو كفارة، أو من رمضان, وقد تمكن في حياته من الصيام ولم يصم أنه يشرع لوليه أن يصوم عنه، ويستحب له ذلك، ولا يجب عليه, وإن شاء أطعم عنه, وأن قضاء الصيام عن الميت ليس خاصا بصوم النذر كما قاله بعض أهل العلم، بل هو عام في كل صيام وجب على الميت، وتمكن في حياته من قضائه ولم يصمه لعموم حديث عائشة -رضي الله عنها- المتفق عليه السابق: من مات وعليه صيام صام عنه وليه ويؤيد ذلك ما ورد في مسند الإمام أحمد - رحمه الله- عن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: أتته امرأة فقالت: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر رمضان, فأقضيه عنها؟ قال: "أرأيتك لو كان عليها دين كنت تقضينه؟ قالت: نعم, قال: فدين الله عز وجل أحق أن يقضى" .
    والله الموفق, نسأل الله علما نافعا, وعملا صالحا متقبلا, إنه سبحانه نعم المسئول، ونعم المولى، ونعم النصير، ونسأله سبحانه الإعانة على إكمال هذا البحث, وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين, والحمد لله رب العالمين

المتواجدون الآن 1. الأعضاء 0 والزوار 1.

أكبر تواجد بالمنتدى كان 2,525, 26-09-2016 الساعة 21:58.

يعمل...
X