موضوع الامر بالمعروف و النهي عن المنكر

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • موضوع الامر بالمعروف و النهي عن المنكر

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    اليكم أخواتي في الله كما وعدتكم من قبل أضع موضوعا حول الامر بالمعروف والنهي عن المنكر
    كنت أحبذ ان اقوم بكتابته بأسلوبي لك حين وجدته جاهزا قمت بنقله اليكن حتى تعم الفائدة
    وهو عبارة عن مطوية منزلة كنت قرأتها من مدة وكنت ارغب في كتابتها الا أنني حين وجدتها
    سعدت بذلك واليكن المطوية ، مع استئذان أختي في الله الواثقة بالله في وضع المطوية هنا أما ان
    كانت ترى وضع الموضوع في مكان آخر بالمنتدى فلها كامل الصلاحية في ذلك فهيا الى الجد أخواتي

    وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
    عبدالعزيز بن عبدالله بن باز
    دار الوطن
    (3429 كلمة)


    الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين.
    أما بعد:
    فإن من أهم المهمات وأفضل القربات التناصح والتوجيه إلى الخير والتواصي بالحق والصبر عليه، والتحذير مما يخالفه ويغضب الله عز وجل، ويباعد من رحمته، وأسأله عز وجل أن يصلح قلوبنا وأعمالنا وسائر المسلمين، وأن يمنحنا الفقه في دينه، والثبات عليه، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته، وأن يصلح جميع ولاة أمور المسلمين، ويوفقهم لكل خير، ويصلح لهم البطانة، ويعينهم على كل ما فيه صلاح العباد والبلاد، ويمنحهم الفقه في الدين، ويشرح صدورهم لتحكيم شريعته، والاستقامة عليها إنه ولي ذلك، والقادر عليه.

    أيها المسلمون:

    إن موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر موضوع عظيم، جدير بالعناية؛ لأن في تحقيقه مصلحة الأمة ونجاتها، وفي إهماله الخطر العظيم والفساد الكبير، واختفاء الفضائل، وظهور الرذائل.
    وقد أوضح الله جل وعلا في كتابه العظيم منزلته في الإسلام، وبيّن سبحانه أن منزلته عظيمة، حتى إنه سبحانه في بعض الآيات قدمه على الإيمان، الذي هو أصل الدين وأساس الإسلام، كما في قوله تعالى: " كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ " [آل عمران:110].
    ولا نعلم السر في هذا التقديم، إلا عظم شأن هذا الواجب، وما يترتب عليه من المصالح العظيمة العامة، ولا سيما في هذا العصر، فإن حاجة المسلمين وضرورتهم إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شديدة؛ لظهور المعاصي، وانتشار الشرك والبدع في غالب المعمورة.
    وقد كان المسلمون في عهده وعهد أصحابه وفي عهد السلف الصالح يعظمون هذا الواجب، ويقومون به خير قيام، فالضرورة إليه بعد ذلك أشد وأعظم، لكثرة الجهل وقلة العلم وغفلة الكثير من الناس عن هذا الواجب العظيم.
    وفي عصرنا هذا صار الأمر أشد، والخطر أعظم، لانتشار الشرور والفساد، وكثرة دعاة الباطل، وقلة دعاة الخير في غالب البلاد كما تقدم.
    ومن أجل هذا أمر الله سبحانه وتعالى به، ورغب فيه، وقدّمه في آية آل عمران على الإيمان، وهي قوله سبحانه وتعالى: " كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ " [آل عمران:110].
    يعني أمة محمد عليه الصلاة والسلام، فهي خير الأمم وأفضلها عند الله، كما في الحديث الصحيح، عن النبي أنه قال: { أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله عز وجل }.

    لماذا بعث الله الرسل؟

    والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر موجود في الأمم السابقة، بعث الله به الرسل، وأنزل به الكتب.
    وأصل المعروف توحيد الله، والإخلاص له.
    وأصل المنكر الشرك بالله، وعبادة غيره.
    وجميع الرسل بعثوا يدعون الناس إلى توحيد الله، الذي هو أعظم المعروف، وينهون الناس عن الشرك بالله، الذي هو أعظم المنكر.
    ولما فرط بنوا إسرائيل في ذلك وأضاعوه، قال الله جل وعلا في حقهم: " لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ " [المائدة:78].
    ثم فسر هذا العصيان فقال سبحانه: " كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ " [المائدة:79].
    فجعل هذا من أكبر عصيانهم واعتدائهم، وجعله التفسير لهذه الآية " ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ " [المائدة:78-79]. وما ذلك إلا لعظم الخطر في ترك هذا الواجب.
    وأثنى الله جل وعلا على أمة منهم في ذلك فقال سبحانه في سورة آل عمران: " مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ " [آل عمران:113-115].
    هذه طائفة من أهل الكتاب لم يصبها ما أصاب الذين ضيعوه، فأثنى الله عليهم سبحانه وتعالى في ذلك.
    وفي آية أخرى من كتاب الله عز وجل في سورة التوبة قدم سبحانه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وما ذلك إلا لعظم شأنه.

    لأي معنى قدم الواجب؟

    والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، ومع ذلك قدمه في هذه الآية على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فقال سبحانه: " وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " [التوبة:71].
    فقدم هنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على إقام الصلاة، مع أن الصلاة عمود الإسلام، وهي أعظم الأركان بعد الشهادتين، فلأي معنى قدم هذا الواجب؟
    لا شك أنه قُدم لعظم الحاجة إليه وشدة الضرورة إلى القيام به.
    ولأن بتحقيقه تصلح الأمة، ويكثر فيها الخير وتظهر فيها الفضائل وتختفي منها الرذائل، ويتعاون أفرادها على الخير، ويتناصحون ويجاهدون في سبيل الله، ويأتون كل خير ويذرون كل شر.
    وبإضاعته والغفلة عنه تكون الكوارث العظيمة، والشرور الكثيرة، وتفترق الأمة، وتقسوا القلوب أو تموت، وتظهر الرذائل وتنتشر، وتختفي الفضائل ويهضم الحق، ويظهر صوت الباطل، وهذا أمر واقع في كل مكان وكل دولة وكل بلد وكل قرية لا يؤمر فيها بالمعروف ولا ينهى فيها عن المنكر، فإنه تنتشر فيها الرذائل وتظهر فيها المنكرات ويسود فيها الفساد، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    أهل الرحمة:

    وبين سبحانه أن الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر والمقيمين للصلاة والمؤتين للزكاة والمطيعين لله ولرسوله هم أهل الرحمة، فقال سبحانه وتعالى: " أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ " [التوبة:71].
    فدل ذلك على أن الرحمة، إنما تنال بطاعة الله واتباع شريعته، ومن أخص ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
    ولا تنال الرحمة بالأماني ولا بالأنساب؛ ككونه من قريش أو من بني هاشم أو من بني فلان.
    ولا بالوظائف، ككونه ملكا، أو رئيس جمهورية، أو وزيرا أو غير ذلك من الوظائف، ولا تنال أيضاً بالأموال والتجارات، ولا بوجود كثرة المصانع، ولا بغير هذا من شئون الناس.

    وإنما تنال الرحمة بطاعة الله ورسوله، واتباع شريعته.

    ومن أعظم ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الله ورسوله في كل شيء، فهؤلاء هم أهل الرحمة، وهم الذين في الحقيقة يرجون رحمة الله، وهم الذين في الحقيقة يخافون الله ويعظمونه، فما أظلم من أضاع أمره وارتكب نهيه، وإن زعم أنه يخافه ويرجوه.
    وإنما الذي يعظم الله حقا، ويخافه ويرجوه حقا، من أقام أمره واتبع شريعته، وجاهد في سبيله، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر.
    قال سبحانه في سورة البقرة: " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ " [البقرة:218].
    فجعلهم سبحانه راجين رحمة الله، لما آمنوا وجاهدوا وهاجروا لإيمانهم وهجرتهم وجهادهم، ما قال:
    إن الذين بنو القصور.
    أو الذين عظمت تجاراتهم.
    أو تنوعت أعمالهم.
    أو الذين ارتفعت أنسابهم هم الذين يرجون رحمة الله.
    بل قال سبحانه: " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ" [البقرة:218].
    فرجاء الرحمة وخوف العذاب، يكونان بطاعة الله ورسوله، ومن ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    ولتكن منكم أمة:

    وفي آية أخرى حصر سبحانه الفلاح في الدعاة إلى الخير، والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، فقال عز وجل:" وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ " [آل عمران:104].
    فأبان سبحانه أن هؤلاء الذين هذه صفاتهم وهي:
    الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - هم المفلحون، والمعنى أنهم هم المفلحون على الكمال والتمام، وإن كان غيرهم من المؤمنين مفلحا، إذا تخلى عن بعض هذه الصفات لعذر شرعي، لكن المفلحون على الكمال والتمام هم هؤلاء الذين دعوا إلى الخير، وأمروا بالمعروف وبادروا إليه، ونهوا عن المنكر وابتعدوا عنه.
    أما الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر لأغراض أخرى: كرياء وسمعة، أو حظ عاجل أو أسباب أخرى، أو يتخلفون عن فعل المعروف، ويرتكبون المنكر، فهؤلاء من أخبث الناس، ومن أسوئهم عاقبة.
    وفي الصحيحين عن أسامة بن زيد عن النبي أنه قال: { يؤتي بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه - أي أمعاؤه - فيدور في النار كما يدور الحمار بالرحى فيجتمع عليه أهل النار فيقولون مالك يا فلان؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ قال فيقول لهم بلى ولكني كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه!! }.
    هذه حال من خالف قوله فعله - نعوذ بالله - تسعر به النار، ويفضح على رؤوس الأشهاد، يتفرج عليه أهل النار، ويتعجبون كيف يلقى في النار. هذا ويدور في النار كما يدور الحمار بالرحى، وتندلق أقتاب بطنه، يسحبها، لماذا؟!
    لأنه كان يأمر بالمعروف ولا يأتيه، وينهى عن المنكر ويأتيه.
    فعلم بذلك أن المقصود الأمر بالمعروف مع فعله، والنهي عن المنكر مع تركه. وهذا هو الواجب على كل مسلم، وهذا الواجب العظيم أوضح الله شأنه في كتابه الكريم، ورغب فيه، وحذر من تركه، ولعن من تركه.
    فالواجب على أهل الإسلام أن يعظموه، وأن يبادروا إليه، وأن يلتزموا به طاعة لربهم عز وجل، وامتثالاً لأمره، وحذراً من عقابه سبحانه وتعالى.

    مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

    وقد جاءت سنة رسول الله تؤيد هذا الأمر، وتبين ذلك أعظم بيان وتشرحه، فيقول المصطفى عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: { من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان } [خرجه الإمام مسلم في صحيحه].
    فبين مراتب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر الثلاث:

    المرتبة الأولى:

    الإنكار باليد مع القدرة، وذلك بإراقة أواني الخمر، وكسر آلات اللهو، ومنع من أراد الشر بالناس وظلمهم من تنفيذ مراده إن استطاع ذلك كالسلطان ونحوه من أهل القدرة، وكإلزام الناس بالصلاة، وبحكم الله الواجب اتباعه ممن يقدر على ذلك، إلى غير هذا مما أوجب الله.
    وهكذا المؤمن مع أهله وولده، يلزمهم بأمر الله ويمنعهم مما حرم الله باليد إذا لم ينفع فيهم الكلام.
    وهكذا من له ولاية من أمر أو محتسب، أو شيخ قبيلة أو غيرهم ممن له ولاية من جهة ولي الأمر، أو من جهة جماعته، حيث ولوه عليهم، عند فقد الولاية العامة يقوم بهذا الواجب حسب طاقته، فإن عجز انتقل إلى:

    المرتبة الثانية:

    وهي اللسان، يأمرهم باللسان وينهاهم كأن يقول: يا قوم اتقوا الله، يا إخواني اتقوا الله، صلوا وأدوا الزكاة، اتركوا هذا المنكر، افعلوا كذا، دعوا ما حرم الله، بروا والديكم، صلوا أرحامكم، إلى غير هذا، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر باللسان، ويعظهم ويذكرهم، ويتحرى الأشياء التي يفعلونها، حتى ينبههم عليها.
    ويعاملهم بالأسلوب الحسن، مع الرفق، يقول عليه الصلاة والسلام: { إن الله يحب الرفق في الأمر كله }، ويقول : { إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه }.
    وجاء جماعة من اليهود، فدخلوا عليه فقالوا: ( السام عليك يا محمد )، يعنون الموت، وليس مرادهم السلام. فسمعتهم عائشة رضي الله عنها، فقالت: ( عليكم السام واللعنة ). وفي لفظ آخر: ( ولعنكم الله، وغضب عليكم )، فقال : { مهلاً يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله } قالت: ( ألم تسمع ما قالوا؟ ) قال: { ألم تسمعي ما قلت لهم؟ قلت لهم وعليكم فإنه يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا }.
    هذا وهم يهود رفق بهم ، لعلهم يهتدون، ولعلهم ينقادون للحق، ولعلهم يستجيبون لداعي الإيمان.
    فهكذا الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر الموفق، يتحرى الرفق والعبارات المناسبة، والألفاظ الطيبة عندما يمر على من قصر في ذلك، في المجلس أو في الطريق أو في أي مكان يدعوهم بالرفق والكلام الطيب، حتى ولو جادلوه في شيء خفي عليهم، أو كابروا فيه يجادلهم بالتي هي أحسن، كما قال سبحانه: "ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ " [النحل:125]. وقال سبحانه: " وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ " [العنكبوت:46].
    من هم أهل الكتاب؟. هم اليهود والنصارى، وهم كفار، ومع ذلك يقول الله عنهم: " وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ " [العنكبوت:46].
    والمعنى أن من ظلم منهم وتعدى وأساء الكلام فإنه ينتقل معه إلى علاج آخر غير الجدال بالتي هي أحسن، كما قال تعالى: " وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا " [الشورى:40].
    وقال سبحانه: " فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ " [البقرة:194].
    لكن ما دام المقام مقام تعليم ودعوة وإيضاح للحق، فإنه يكون بالتي هي أحسن لأن هذا أقرب إلى الخير، قال سفيان الثوري رحمه الله: ( ينبغي للآمر والناهي أن يكون رفيقا فيما يأمر به، رفيقاً فيما ينهى عنه، عدلا فيما يأمر به، عدلاً فيما ينهي عنه، عالماً بما يأمر به، عالماً بما ينهى عنه ).
    وهذا معنى كلام السلف رحمهم الله، تحري الرفق مع العلم والحلم والبصيرة، لا يأمر ولا ينهى إلا عن علم، لا عن جهل. ويكون مع ذلك رفيقاً عاملاً بما يدعوه إليه تاركاً ما ينهى عنه، حتى يقتدى به.
    وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود عن النبي أنه قال: { ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل }.
    وهذا الحديث مثل حديث أبي سعيد السابق المتضمن الإنكار باليد، ثم اللسان ثم القلب.
    فالخلوف التي تخلف بعد الأنبياء هذا حكمهم في أممهم، فيؤمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويعلمون أحكام الله، ويجاهدون في ذلك باليد ثم اللسان ثم القلب.
    وهكذا في أمة محمد يجب على علمائهم وأمرائهم وأعيانهم وفقهائهم أن يتعهدوهم بالدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الجاهل، وإرشاد الضال، وإقامة الحدود والتعزيرات الشرعية، حتى يستقيم الناس، ويلزموا الحق، ويقيموا عليهم الحدود الشرعية، ويمنعوهم من ارتكاب ما حرم الله حتى لا يتعدى بعضهم على بعض، أو ينتهكوا محارم الله.
    وقد ثبت عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، الخليفة الراشد أنه قال: ( إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن ) ويروى عن عمر أيضاً.
    وهذا صحيح، كثير من الناس لو جئته بكل آية، لم يمتثل، لكن إذا جاءه وازع السلطان بالضرب والسجن ونحو ذلك أذعن، وترك باطلة.. لماذا؟!
    لأن قلبه مريض، ولأنه ضعيف الإيمان أو معدوم الإيمان.. فلهذا لا يتأثر بالآيات والأحاديث.. لكن إذا خاف من السلطان ارتدع ووقف عند حده، ووازع السلطان له شأن عظيم.
    ولهذا شرع الله لعباده القصاص والحدود والتعزيرات لأنها تردع عن الباطل، وأنواع الظلم، ولأن الله يقيم بها الحق، فوجب على ولاة الأمور أن يقيموها، وأن يعينوا من يقيمها، وأن يلاحظوا الناس، ويلزموهم بالحق، ويوقفوهم عند حدهم حتى لا يهلكوا، وينقادوا مع تيار الباطل، ويكونوا عوناً للشيطان وجنده علينا.

    المرتبة الثالثة:

    إذا عجز المؤمن عن الإنكار باليد واللسان انتهي إلى القلب، يكره المنكر بقلبه، ويبغضه ولا يكون جليساً لأهله.
    وروي عن عبدالله بن مسعود أنه قال له بعض الناس: ( هلكت أن لم آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر. فقال له رضي الله عنه: هلكت إن لم يعرف قلبك المعروف وينكر المنكر ).

    رد الدعاء وعدم النصر:

    ومما يتعلق بموضوعنا: موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ما ورد في الحديث أيضاً عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: { يقول الله عز وجل: مروا بالمعروف وأنهوا عن المنكر قبل أن تدعوني فلا أستجيب لكم وقبل أن تسألوني فلا أعطيكم وقبل أن تستنصروني فلا أنصركم }.
    وفي لفظ آخر من حديث حذيفة يقول عليه الصلاة والسلام: { والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً من عنده ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم } [رواه الإمام أحمد].
    فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من المهمات العظيمة كما سبق، وفي حديث ابن مسعود عند أحمد وأبي داود والترمذي يقول عليه الصلاة والسلام: { لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم وآكلوهم وشاربوهم فلما رأى الله ذلك منهم ضرب قلوب بعضهم ببعض ثم لعنهم على لسان أنبيائهم داود وعيسى بن مريم } " ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ " [البقرة:61].
    وفي لفظ آخر: { إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أن الرجل كان يلقى الرجل فيقول يا هذا اتق الله ودع ما تفعل من المعاصي ثم يلقاه في الغد فلا يمنعه ما رآه منه أن يكون أكيله وشريبه وقعيده فلما رأى الله ذلك منهم ضرب قلوب بعضهم على بعض ثم لعنهم }.
    فعلينا أن نحذر من أن يصيبنا ما أصاب أولئك.
    وقد جاء في بعض الأحاديث أن إهمال هذا الواجب وعدم العناية به - أعني واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - من أسباب رد الدعاء وعدم النصر كما تقدم.
    ولا شك أن هذه مصيبة عظيمة، من عقوبات ترك هذا الواجب أن يخذل المسلمون وأن يتفرقوا وأن يسلط عليهم أعداؤهم، وأن لا يستجاب دعاؤهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

    وقد يكون هذا الواجب فرض عين على بعض الناس، إذا رأى المنكر، وليس عنده من يزيله غيره، فإنه يجب عليه أن يزيله مع القدرة، لما سبق من قوله : { من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان } [خرجه مسلم في الصحيح].
    أما إن كانوا جماعة فإنه يكون في حقهم فرض كفاية في البلد أو القرية أو القبيلة، فمن أزاله منهم حصل به المقصود وفاز بالأجر.. وإن تركوه جميعا أثموا كسائر فروض الكفايات.
    وإذا لم يكن في البلد أو القبيلة إلا عالم واحد وجب عليه عينا أن يعلم الناس، ويدعوهم إلى الله، ويأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر حسب طاقته، لما تقدم من الأحاديث، ولقوله سبحانه وتعالى: " فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ " [التغابن:16].

    الصبر والإحتساب:

    ومن وفقه الله للصبر والاحتساب من العلماء والدعاة، والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، والإخلاص لله، نجح ووفق وهدى ونفع الله به كما قال سبحانه وتعالى: " وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ " [الطلاق:2-3].
    وقال تبارك وتعالى: " وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا " [الطلاق:4].
    وقال عز وجل: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ " [محمد:7].
    وقال تعالى: " وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خَسِرَ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ " [العصر].
    فالرابحون الناجون في الدنيا والآخرة هم أهل الإيمان والعمل الصالح، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر.
    ومعلوم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتواصي بالحق والتواصي بالصبر من جملة التقوى، ولكن الله سبحانه خصها بالذكر لمزيد من الإيضاح والترغيب.
    والمقصود أن من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ودعا إلى الله وصبر على ذلك فهو من أهل هذه الصفات العظيمة، الفائزين بالربح الكامل والسعادة الأبدية، إذا مات على ذلك.
    ومما يؤكد الالتزام بهذه الصفات العظيمة قوله تعالى: " وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ " [المائدة:2].

    التفقه في دين الله:

    فلابد يا أخي أن تعرف المعروف بالتعلم والتفقه في الدين، ولابد أن تعرف المنكر بذلك، ثم تقوم بالواجب من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالتبصر والتفقه في الدين من علامات السعادة ودلائل أن الله أراد بالعبد خيراً، كما في الصحيحين عن معاوية عن النبي أنه قال: { من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين }.
    فإذا رأيت الرجل يتبع حلقات العلم، ويسأل عن العلم، ويتفقه ويتبصر فيه، فذلك من علامات أن الله أراد به خيراً فليلزم ذلك، وليجتهد ولا يمل ولا يضعف، يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: { من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة } [رواه الإمام مسلم في صحيحه].
    فطلب العلم له شأن عظيم، ومن الجهاد في سبيل الله، ومن أسباب النجاة ومن الدلائل على الخير، ويكون بحضور حلقات العلم، ويكون بمراجعة الكتب المفيدة، إذا كان ممن يفهمها، ويكون بسماع الخطب والمواعظ، ويكون بسؤال أهل العلم.. كل ذلك من الطرق المفيدة.
    ويكون أيضاً بحفظ القرآن الكريم، وهو الأصل في العلم، فالقرآن رأس كل علم، وهو الأساس العظيم، وهو حبل الله المتين، وهو أعظم كتاب وأشرف كتاب، وهو أعظم قائد إلى الخير، وأعظم ناه عن الشر.
    فوصيتي لكل مؤمن ولكل مؤمنة العناية بالقرآن والإكثار من تلاوته والحرص على حفظه أو ما تيسر منه، مع التدبر والتعقل، ففيه الهدى والنور، كما قال سبحانه: " إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء:9]. وقال عز من قائل: وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ " [ص:29].
    ويقول تبارك وتعالى: " أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا " [محمد:24].
    فعلينا أن نعني بكتاب الله، تلاوة وحفظا، وتدبرا وتفقها، وعملا وسؤالا عما أشكل.
    وهكذا سنة الرسول ، هي الوحي الثاني، وهي الأصل الثاني، وهي المفسرة لكتاب الله، والدالة عليه.
    فعلى طالب العلم، وعلى كل مسلم أن يعني بذلك حسب طاقته، وحسب علمه بالحفظ والمراجعة، كحفظ الأربعين النووية وتكملتها لابن رجب خمسين حديثا، وهي من أجمع الأحاديث وأنفعها، وهي من جوامع الكلم، فينبغي حفظها للرجل والمرأة.
    ومثل ذلك "عمدة الحديث" للحافظ عبد الغني المقدسي، كتاب عظيم جمع أربعمائة حديث وزيادة يسيرة من أصح الأحاديث في أبواب العلم.. فإذا تيسر حفظها فذلك من نعم الله العظيمة.
    وهكذا "بلوغ المرام" للحافظ ابن حجر، كتاب عظيم مختصر، ومفيد محرر، فإذا تيسر لطالب العلم حفظه فذلك خير عظيم.
    ومما يتعلق بكتب العقيدة: كتابان جليلان للشيخ الإمام محمد عبد الوهاب رحمه الله هما: "كتاب التوحيد"، وكتاب "كشف الشبهات".
    ومن كتب العقيدة المهمة كتاب "العقيدة الواسطية" لشيخ الإسلام ابن تيمية فهو كتاب جليل مختصر عظيم الفائدة في مجمل عقيدة أهل السنة والجماعة.
    وكتاب "الإيمان" لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب كتاب عظيم، جمع فيه جملة من الأحاديث المتعلقة بالإيمان، فينبغي لطالب العلم وطالبة العلم أن يحفظا ما تيسر من هذه الكتب المفيدة وأشباهها، مع العناية بالقرآن الكريم والإكثار من تلاوته وحفظه، أو ما تيسر منه كما تقدم، ومع العناية بالمذاكرة مع الزملاء وسؤال المدرسين والعلماء الذين يعتقد فيهم الخير والعلم عما أشكل عليه، ويسأل ربه التوفيق والإعانة، ولا يضعف ولا يكسل ويحفظ وقته ويجعله أجزاء:
    جزء من يومه وليلته لتلاوة القرآن الكريم وتدبره.
    وجزء لطلب العلم والتفقه في الدين وحفظ المتون ومراجعة ما أشكل عليه.
    وجزء لحاجته مع أهله.
    وجزء لصلاته وعبادته، وأنواع الذكر والدعاء.
    ومما يفيد طالب العلم وطالبة العلم فائدة عظيمة الاستماع لبرنامج نور على الدرب، فهو برنامج مفيد لطالب العلم وعامة المسلمين وغيرهم؛ لأن فيه أسئلة وأجوبة مهمة لجماعة من المشايخ المعروفين بالخير والعلم، فينبغي العناية بهذا البرنامج، واستماع ما فيه من فائدة، وهو يذاع مرتين في كل ليلة، بين المغرب والعشاء من نداء الإسلام، والساعة التاسعة والنصف من إذاعة القرآن الكريم.
    وأسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا أن يوفقنا وجميع المسلمين للعلم النافع، والعمل الصالح، وأن يمنحنا الفقه في دينه، والثبات عليه، وأن يرزقنا جميعا القيام بهذا الواجب حسب الطاقة والإمكان، وأن يوفق ولاة أمور المسلمين للقيام بهذا الواجب والصبر عليه، وأن يوفق من أسند إليه هذا الواجب أن يقوم به على خير ما يرام وأن يعين الجميع على أداء حقه والنصح له، ولعباده إنه تعالى جواد كريم.
    وصلى الله وسلم وبارك على عبده نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان.


    اللهم أرنا الحق حقاو ارزقنا اتباعه و أرنا الباطل باطلا و ارزقنا اجتنابه

    يتبع

  • #2
    تابع لموضوع الامر بالمعروف والنهي عن المنكر

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    وعدتكم من قبل ان أعمل على انزال كل ما أجده من موضوع او مقال حول الامر بالمعروف والنهي عن المنكر
    اليكم أخواتي تابع لموضوع الامر بالمعروف و النهي عن المنكر:
    كيف تأمرين بالمعروف وتنهين عن المنكر
    يحيى بن إبراهيم أبو شريفة

    الحمد لله الذي جعلنا من خير أمةٍ أخرجت للناس، والصلاة والسلام على خير آمر بالمعروف وناهٍ عن المنكر وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد:
    فإلى كل مسلمة، إلى الأمهات، إلى المعلمات، إلى كل مؤمنة غيورة على الدين، إلى كل من تنتمي إلى هذه الأمة التي قال عنها خالقها جل في علاه:
    { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ } [آل عمران:110].

    أيتها المسلمة:
    إن كنت تريدين أن تكوني من خير الناس للناس، ومن خير أمة أخرجت للناس، فعليك بتحقيق شرط الخيرية ألا وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنني لأعلم أنه يوجد في قلب كل غيورة على هذا الدين من الحُرقة والألم لما يحصل من تقصير في أوامر الله وانتهاك لمحارم الله ولكن هذا صداق قوله تعالى:
    { وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ } [يوسف:103].

    يا أخية:
    ما الدور الذي يجب أن نقوم به مع وجود هذا التقصير وهذا النقص؟ والأهم منهما أن لا نتعرض لوعيد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: { والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، فتدعونه فلا يستجيب لكم } [رواه أحمد والترمذي وصححه الألباني].
    فكيف الخروج يا أختاه من هذا الوعيد الشديد؟... إنه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
    فما دام - أيتها الحبيبة - أن ترك هذا الأمر خطير إلى هذا الحد، فهذه دعوةٌ من أعماق قلبي إلى الاهتمام بهذه الشعيرة العظيمة، فأنت يا أختي الأم والمحضن الصالح لأجيال الأمة، وأنت المعلمة والقدوة الصالحة على يديك تسقط رايات الجهل والأميّة، فإليك أختي العزيزة هذه النبذة اليسيرة عن هذه الشعيرة من الآداب والصفات والبشارات لمن قامت بهذه الشعيرة.

    أولاً: صفات الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر:
    أختي الفاضلة: إن الكثير من الناس يدّعون أنهم يأمرون وينهون، ولكن القليل هم الذين يتحلون بصفات الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر التي دعا إليها الإسلام ومن هذه الصفات:

    1 - الإخلاص:
    الإخلاص هو إفراد الله سبحانه بالقصد في الطاعة والإخلاص هو روح كل عمل، والأعمال التي يستعظمها الناس لا وزن لها عند الله عز وجل إذا فقدت هذه الروح قال تعالى: {
    وَمَا أُمِرواْ إِلا لِيَعبُدواْ اللهَ مُخلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ } [البينة:5].
    فلينتبه لهذا الشرط الذي عليه مدار قبول العمل وبالتالي النفع به.

    2 - العلم:
    من أهم ما يحسن بالآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر أن تتحلى به صفة العلم، فإن العلم زينة لها، ووسيلة صحيحة للعمل، ومرافق دائم في مجال الدعوة والأمر والنهي.
    قال تعالى:
    { قُل هَل يَستَوِي الَّذِينَ يَعلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعلَمُونَ } [الزمر:9]، إن جهالة من تأمر وتنهي فيما تدعو إليه أو تنهى عنه، قد يوقعها في حماقات كثيرة، وإشكالات عديدة، بل ربما حدثت بسبب ذلك مفاسد متعددة، أو تعطلت مصالح راجحة.

    3 - القدوة الحسنة:
    من السمات الحسنة المؤثرة التي ينبغي أن تتحلى بها الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر، أن تكون قدوة حسنة للآخرين؛ لأن التأثير بالاقتداء والتقليد له قيمة كبيرة في نفوس المدعوات، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، وقدوة صالحة ليحتذي الناس بأقواله وأفعاله صلى الله عليه وسلم ، فمن أسرتها نفسها، وأصبحت عبدة لهواها، فلا يمكن أن تُنكر على الآخرين.

    4 - الرحمة بمن تفعل المنكر والخوف عليها من عذاب الله:
    ينبغي أن تستشعر الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر هذه الصفة وهذا الأدب، وأن تنظر إلى الواقعة في المنكر نظرة الرحمة، والشفقة، والرغبة في الإحسان إليها؛ لكونها تتنازع مع الشيطان ومع هواها ومع نفسها الأمّارة بالسوء ولذا ينبغي عدم إعانة هؤلاء الأعداء عليها، بل الوقوف معها وفي صفّها حتى تتخلص من هذا الداء الذي ألمّ بها فقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: { لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه } [رواه البخاري].

    5 - الرفق:
    وهو لين الجانب بالقول والفعل، والأخذ بالأسهل وهو ضد العنف.
    وقد سلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم جانب الرفق في عملية التغيير والبناء مع كل مدعويه، وأولئك الذين كان يحتسب عليهم سواء كانوا من اليهود، أم من المشركين، أم من المسلمين.
    ولقد حث النبي الكريم صلى الله عليه وسلم المسلمين عامة ويدخل في ذلك الدعاة والمحتسبون من باب أولى بالرفق في جميع أمورهم، ومن ذلك جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لايعطي على العنف، وما لا يعطي سواه } [رواه مسلم]. وقال عليه الصلاة والسلام: { من يحرم الرفق يحرم الخير } [رواه مسلم].

    6 - الصبر:
    قال ابن القيم: ( الصبر خلق فاضل من أخلاق النفس، يمتنع به من فعل ما لا يحسن ولا يجمل، وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها، وقوام أمرها ).
    وإذا كان الصبر ضرورياً لكل مسلم، فإنه لمن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر أشد ضرورة؛ لأنها تعمل في ميدان استصلاح نفسها، وفي ميدان استصلاح غيرها، فإن المؤمن الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم خير من ذلكم المؤمن الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم.
    ولقد أدرك هذه الحقيقة - التحلي بالصبر - لقمان الحكيم حينما أوصى ابنه بوصايا متعددة ضمّنها التحلي بالصبر. قال تعالى:
    { يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأمُر بِالمَعرُوفِ وَانهَ عَنِ المُنكَرِ وَاصبِر عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِن عَزمِ الأُمُورِ } [لقمان:7].

    الأوساط النسائية التي يتأكد فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

    صالات الأفراح:
    ولا يخفى عليك أختي المسلمة ما يحصل في هذه القصور من التقصير في أداء حقوق الله تعالى من الستر والحشمة للنساء اللاتي قلّ حياءهن والعياذ بالله، فالدور عليك أختي المسلمة إنكار هذه المنكرات، والترهيب من لبس هذه الألبسة التي لا تليق بالمرأة المسلمة، هذا ومع العلم أنه لا يجوز لك أختي المسلمة الحضور في الأماكن التي يعلم وجود المنكرات فيها إلا إذا كنت قادرة على التغيير لهذه المنكرات.

    المدارس:
    ويكون الإنكار فيها على شقين أحدهما: الأمر والنهي للمعلمات اللاتي يقصرن في الحجاب واللباس، وتذكيرهن أنهن قدوات في هذا المقام مع عدم جواز ذلك، والإنكار على المعلمات يكون من مديرة المدرسة أو أخواتها المعلمات. الثاني: الأمر والنهي للطالبات من تقصيرهن في الحجاب والصلوات، والترهيب من فعل هذه المنكرات مع توزيع الأشرطة والكتيبات المناسبة لهذا الموضوع.

    الأماكن العامة كالحدائق والأسواق:
    لا يصدنّك أختي المسلمة خوف الناس، أو الحياء من تغيير المنكر إذا رأيتيه من إحدى النساء في الحدائق والأسواق والمجتمعات العامة إما بالوعظ اللطيف، أو بإهداء شريط أو مطوية تناسب الحال. وأما في المستشفيات فتغيير المنكر إن وجد أيسر، لأن المرضى والعاملين سريعو التأثر والاستجابة والتقبل للنصح أو للشريط الذي يُهدى لهم.
    مجالس النساء كاجتماع نساء الحي وهذا منتشر، أو اجتماع الأقارب وغالب هذه المجالس لا تخلو من منكر إما غيبة، أو نميمة، أو فحش في الألفاظ إلا من رحم الله، فالواجب في هذه المجالس لمن رأت المنكر أن تغير بحسب القدرة، إما بتغيير الموضوع، أو الحديث عن سيرة بعض الصالحين، فإن لم تقدر فلا أقلّ من الانصراف عن هذا المجلس وهجره وهجر أهله.
    ملاحظة: يجب أن تعرفي أختي المسلمة أن التغيير للمنكر من عدمه يختلف بحسب تفاوت السن، فليست المرأة الكبيرة كالطفلة، وليست الأم كالبنت في التغيير فليُعلم ذلك.

    تنبيهات:
    إن الناظرة في هذه الصفات، وهذه المهام تجد أن أمامها عقبة لا تستطيع أن تجوزها، فأقول لها: أربعي على نفسك، وضعي يدك على قلبك، فالأمر يسير لمن يسره الله عليه، ومع معرفة ما يأتي من التنبيهات يهون الأمر بإذن الله.
    1 - إن استكمال هذه الصفات أمر عزيز، ولا شك في ذلك ولو كانت كل واحدة تنتظر استكمال هذه الصفات لطال الزمان، ولتعطل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن حسبك بالواجب من هذه الصفات كالإخلاص والعلم والقدرة على التغيير، وما يبقى من هذه الفضائل يأتي مع الصبر والدعاء والممارسة، وهذا أمر مجرب.
    2 - إن الإنكار في جميع الأماكن في بداية الأمر يبدو صعباً، ولا تستطيعه كل واحدة، ولا شك أن الإنكار في بعض الأماكن أسهل من البعض الآخر، فالإنكار في البيت ليس كالإنكار في صالات الأفراح مثلاً ولا بد من الصبر والدعاء.
    3 - إن الآمرة والناهية لابد وأن تتعرض لبعض المواقف، التي ربما تجعلها ترجع عن القيام بهذا الواجب، فأقول لا بد وأن تعرفي أن طريق الأنبياء المرسلين ليس طريقاً ممهداً بالورود والرياحين، وأن الجنة محفوفة بالمكاره والمخاطر، ولنا في نبينا عليه الصلاة والسلام أسوة حسنة.
    4 - إن الصحبة الصالحة من أهم الأمور المعينة على القيام بهذه الشعيرة العظيمة، فاحذري أختي المسلمة أن تصحبي ضعيفات الهمة والخاملات، فإنك إن صحبتيهن فلن تفلحي أبداً:
    يقول الشاعر:

    قد هيؤك لأمر لو فطنت له *** فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
    مراتب التغيير:
    أختي الكريمة إن من رحمة الله سبحانه وتعالى أنه لا يكلف نفساً إلا وسعها، وهذه قاعدة متينة من قواعد هذا الدين العظيم، وتصوري أختي العزيزة لو كان الأمر بالإنكار لكل الناس باليد لحصل من الشر والبلاء والتطاحن بين الخلق ما لا يحصى شره إلا الله وحده... ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : { من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان } [رواه مسلم]. فهذا توجيه نبوي بإنكار المنكرات ولكن كلٌ على حسبه كما يلي:
    المرتبة الأولى: الإنكار باليد وهو مشروط بالقدرة، وعدم ترتب مفسدة أكبر من جرّائه، وليس لكل أحد الإنكار باليد، فإذا رأيت أنك لا تتمكنين من تغييره بيدك إما لعدم قدرتك على ذلك، أو خشيتي ترتب مفسدة أكبر من المصلحة المرجوة، فإنك تنتقلين بعد ذلك إلى:
    المرتبة الثانية: وهو الإنكار باللسان وإنما تنتقلين إلى هذه المرتبة إذا عجزت عن التي قبلها، وهذه المرتبة أيسر ولا شك، والذي ينبغي في هذه المرتبة هو التغيير بحسب قول الله تعالى: { ادعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكمَةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلهُم بِالَّتِي هِيَ أَحسَنُ } [النحل:125] فإذا عجزت عن الإنكار باللسان فإنك تنتقلين إلى:
    المرتبة الثالثة: الإنكار بالقلب وهي أدناها ولا شك، ولا رخصة لأحد في تركه أبداً، وضابطة هو الإيمان بأن هذا منك، وكراهته والاستمرار في كرهه وبغضه، فإذا لم يكن الإنكار بالقلب فهذا دليل على عدم الإيمان، ودليل على موت القلب والعياذ بالله؛ لأن الإنكار بالقلب هو آخر حدود الإيمان.

    مبشرات:
    أختي المسلمة: إن القائمة بهذه الشعيرة والتي حملت على عاتقها الهمّ الأعظم، ألا وهو همُّ الدين ومرضاة رب العالمين فأقول إنها، قد انتظمت في سلك الفالحين، وسلكت طريق الأنبياء والمرسلين، واعلمي أختي المسلمة أن الله لم يأمرنا بما فيه مضرة محضة، وإن كان ظاهر هذه الشعيرة غير هذه الحقيقة، فمن كان همتها ورغبتها متعلقة بالعرش، وترغب في مرضات ربها، فلتعلم أن الراحة الأبدية في جنات الخُلد، لا في هذه الدنيا فإليك يا أختي هذه البشارات والمحفزات لعل الله أن ينفع بها:
    التشبه بالرسل، والقيام بدعوتهم، والسير في طريقهم.
    النجاة من العذاب الدنيوي والأخروي، وحينما يحل العذاب بقوم ظالمين، فإن الله ينجّي الذين ينهون عن السوء. كما قال تعالى:
    { فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيناَ الذَّيِنَ يَنهَونَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذنَا الذَّيِنَ ظَلَمُواْ بِعَذَابِ بَئِس بِمَا كَانُواْ يَفسُقُونَ } [الأعراف:165].
    الخروج من عهدة التكليف، ولذا قال الذين حذروا المعتدين في السبت من بني إسرائيل، لما قيل لهم
    { لِمَ تَعِظُونَ قَوماً اللهُ مُهلِكُهُم أَو مُعَذِّبُهُم عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعذِرةً إِلَى رَبِّكُم } [الأعراف:164] فالساكتة عن الحق مؤاخذة، ومتوعدة بالعقوبة، كما أنها شيطان أخرس.
    إقامة حجة الله على خلقه قال الله تعالى:
    { رُّسُلاً مّثبَشِّرينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةُ بَعدَ الرُّسُلِ } [النساء:165].
    أداء بعض حق الله عليك من شكر النعم التي أسداها لك، من صحة البدن، وسلامة الأعضاء، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : { يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة..... وأمرٌ بالمعروف صدقة، ونهيٌ عن المنكر صدقة } [رواه مسلم].
    هذا بالإضافة إلى الكثير من الفضائل والفوائد التي لا يحصى عددها إلا الله، والتي تعود بالنفع للفرد والمجتمع كرجاء استقامة الأفراد، ورفع العقوبات العامة عن المجتمع.



    يتبع

    تعليق


    • #3
      تابع لموضوع الامر بالمعروف والنهي عن النمكر

      السلام عليكم و رحمة الله وبركاته
      كما وعدتكم احاول انزال المواضيع التي تتمحور حول الامر بالمعروف والنهي عن المنكر
      لكن أخواتي حاولن الرد والتعليق او الانتقاد حتى اعلم هل اتمم ام اتوقف جزاكن الله خيرا

      إزالة المنكر فريضة إسلامية

      المقدمة:

      الحمد لله فاطر السماوات والأرض، جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له أمرنا بإزالة المنكر.. فقال: )وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ( (آل عمران:104) ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خير من أزال المنكر بيده, وبلسانه, وبقلبه، فصلوات ربي وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه، الذين جاهدوا لإزالة المنكر, فضحوا بأنفسهم, وأموالهم, وأهليهم، وعلى التابعين, وتابعيهم إلى يوم الدين.

      أما بعد: فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصل عظيم من أصول الإسلام، ولا شك أن صلاح العباد في معاشهم ومعادهم متوقف على طاعة الله- عز وجل- وطاعة رسوله- صلى الله عليه وسلم-، وتمام الطاعة متوقف على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبه كانت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس ، قال-تعالى-:)كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ((آل عمران:110)

      نص الحديث:

      عَنْ أبي سَعيدٍ الخُدريَّ-رَضي الله عنه-قالَ: سَمِعْتُ رسول الله-صلى الله عليه وسلم-يَقولُ: (مَنْ رَأَى مِنكُم مُنكَراً فَليُغيَِرُه بيدِهِ، فإنْ لَمْ يَستَطِع فبِلسَانِهِ، فإنْ لَمْ يَستَطِعْ فَبِقلْبِهِ، وذلك أضْعَفُ الإيمانِ)(1).

      مفردات الحديث:

      "منكم": أي من المسلمين المكلَّفين، فهو خطاب لجميع الأمة.

      "منكراً": وهو ترك واجب, أو فعل حرام ولو كان صغيراً.

      "فليغيره": فليزله ويذهبه ويغيره إلى طاعة.

      "بيده": إن توقف تغييره عليها ككسر آلات اللهو, وإراقة الخمر, ومنع ظالم عن ضرب ونحوه(2).



      أهمية هذا الحديث:

      هذا الحديث عظيم الشأن؛ لأنه نص على وجوب إنكار المنكر، وهذا كما قال النووي:" باب عظيم به قوام الأمر وملاكه، وإذا كثر الخبث، عم العقاب الصالح والطالح، وإذا لم يأخذوا على يد الظالم أوشك أن يعمهم الله بعذاب)فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ( (النور: من الآية63) فينبغي لطالب الآخرة الساعي في تحصيل رضا الله- عز وجل- أن يعتني بهذا الباب فإن نفعه عظيم"(3)

      في ظلال الحديث :

      إن الحق والباطل مقترنان على وجه الأرض منذ وجود البشر، وكلما خمدت جذور الإيمان في النفوس بعث الله-عز وجل-من يزكيها ويؤججها، وهيأ للحق رجالاً ينهضون به, وينافحون عنه، فيبقى أهل الباطل والضلال خانعين، فإذا سنحت لهم فرصة نشطوا ليعيثوا في الأرض الفساد، وعندها تصبح المهمة شاقة على من خالطت بشاشة الإيمان قلوبهم، ليقفوا في وجه الشر يصفعونه بالفعل والقول، وسخط النفس ومقت القلب.

      فعن ابن مسعود-رضي الله عنه-عن النبي-صلى الله عليه وسلم-قال: (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته, ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)(4).

      فائدة:

      سبب إيراد أبي سعيد للحديث: عن طارق بن شهاب قال: أول من بدأ بالخطبة يوم العيد مروان، فقام إليه رجل فقال: الصلاة قبل الخطبة، فقال: قد ترك ما هنالك، فقال أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه سمعت رسول الله-صلى الله عليه وسلم-يقول ثم ذكر الحديث(5).

      وفي رواية البخاري أن الذي أنكر على مروان أبو سعيد-رضي الله عنه-فقال أبو سعيد: فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان وهو أمير المدينة في أضحى أو فطر، فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت، فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي, فجبذته بثوبه فجبذني، فارتفع فخطب قبل الصلاة, فقلت له غيرتم والله, فقال: أبا سعيد، قد ذهب ما تعلم. فقلت: ما أعلم والله خير مما لا أعلم. فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة فجعلتها قبل الصلاة(6) والجمع بين الروايتين يحتمل أن الرجل أنكر بلسانه وحاول أبو سعيد أن ينكر بيده, ويحتمل تعدد الواقعة, قال النووي: "فيحتمل أنهما قصتان؛أحداهما لأبي سعيد,والأخرى للرجل بحضرة أبي سعيد"(7).

      وقال الحافظ: "يحتمل أن تكون القصة تعددت، ويدل على ذلك المغايرة الواقعة بين روايتي عياض ورجاء, ففي رواية عياض أن المنبر بني بالمصلى، وفي رواية رجاء أن مروان أخرج المنبر معه، فلعل مروان لما أنكروا عليه إخراج المنبر، ترك إخراجه بعد، وأمر ببنائه من لبن وطين بالمصلى، ولا بُعد في أن ينكر عليه تقديم الخطبة على الصلاة مرة بعد أخرى، ويدل على التغاير أيضاً أن إنكار أبي سعيد، وقع بينه وبينه, وإنكار الآخر وقع على رؤوس الناس"(8).



      حكم إنكار المنكر:

      يمكن ان يقسم حكم انكار المنكر على حالتين :

      1- فرض كفاية: قال الله-تعالى-: )وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ( (آل عمران:104).

      1-قال الإمام ابن كثير-رحمه الله-في تفسير هذه الآية: "والمقصود من هذه الآية أن تكون فرقة من الأمة متصدية لهذا الشأن"(9).

      وقال "ابن العربي" في تفسيره لهذه الآية: في هذه الآية والتي بعدها-يعني-)كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ( (آل عمران:110) دليل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نصرة الدين بإقامة الحجة على المخالفين"(10).

      2- فرض عين: قوله-صلى الله عليه وسلم-:(مَنْ رَأَى مِنكُم مُنكَراً فَليُغيَِرُه بيدِهِ، فإنْ لَمْ يَستَطِع فبِلسَانِهِ، فإنْ لَمْ يَستَطِعْ فَبِقلْبِهِ، وذلك أضْعَفُ الإيمانِ)(11). دل عموم هذا الحديث على وجوب إنكار المنكر على كل فرد مستطيع علم بالمنكر أو رآه.

      قال "القاضي ابن العربي": "وقد يكون فرض عين إذا عرف المرء من نفسه صلاحية النظر والاستقلال بالجدال، أو عرف ذلك منه"(12).

      وقال "ابن كثير": "وإن كان ذلك واجباً على كل فرد من الأمة بحسبه كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: (من رأى منكم منكراً فليغيره...) ثم ساق الحديث(13).

      وقال النووي: "ثم إنه قد يتعين-يعني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر-كما إذا كان في موضع لا يعلم به إلا هو أو لا يتمكن من إزالته إلا هو، وكمن يرى زوجته, أو ولده, أو غلامه على منكر, أو تقصير في معروف"(14).

      شروط إنكار المنكر:

      إنَّ لإنكار المنكر شروطاً يجب على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يعرفها ويراعيها عند إزالته للمنكر، حتى لا يقع أثناء تغييره للمنكر في منكر مساوٍ أو أكبر منه، وهذه الشروط هي:

      1- التحقق من كونه مُنكراً :

      فالمنكر كل ما نهى عنه الشارع سواءً كان محرماً أو مكروهاً، وكلمة المنكر في باب الحسبة, تُطلق على كل فعل فيه مفسدة أو نهت عنه الشريعة، وإن كان لا يُعتبر معصية في حق فاعله, إما لصغر سنه, أو لعدم عقله، ولهذا إذا زنا المجنون, أو هم بفعل الزنا، وإذا شرب الصبي الخمر كان ما فعلاه منكراً يستحق الإنكار، وإن لم يُعتبر معصية في حقِّهما لفواتِ شرطي التكليف وهما البلوغ والعقل.

      2- أن يكون المنكر موجوداً في الحال:

      وله ثلاث حالات :

      الحالة الأولى: أن يكون المنكر متوقعاً كالذي يتردد مراراً على أسواق النساء، ويصوب النظر إلى واحدة بعينها، أو كشابِ يقف كل يوم عند باب مدرسة بنات ويصوب النظر إليهن، أو يسأل بكثرة عن كيفية تصنيع الخمر وطريقة تركيبه. فعلى الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر في هذه الحالات الوعظ، والنصح، والإرشاد، والتخويف بالله-سبحانه وتعالى-من عذابه وبطشه.

      الحالة الثانية: أن يكون متلبساً بالمنكر: كمن هو جالس وأمامه كأس الخمر يشرب منه، أو كمن أدخل امرأة أجنبية إلى داره وأغلق الباب عليهما ونحو ذلك، ففي هذه الحال يجب على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر الإنكار عليه, ونهيه من ذلك طالما أنه قادر على إزالة المنكر ولم يخف على نفسه ضرراً أو أذى .

      الحالة الثالثة: أن يكون فاعل المنكر قد فعله وانتهى منه ولم يبق إلا آثاره، كمن شرب الخمر وبقيت آثاره عليه, أو من عرف أنه ساكن أعزب وخرجت من عنده امرأة أجنبية عنه، ونحو ذلك. ففي هذه الحالة ليس هناك وقت للنهي أو التغيير، وإنما هناك محل للعقاب والجزاء على فعل المعصية. وهذا الأمر ليس من شأن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ، وانما لمن له ولاية عليه كالوالد أو السلطان .

      3- أن يكون ظاهراً من غير تجسس ما لم يكن مجاهراً:

      يجب على المسلم أن ينكر المنكر إذا كان ظاهراً وشاهده ورآه، دل على ذلك قوله-صلى الله عليه وسلم-:(من رأى منكم منكراً) فإذا داخله ريبة وشك في منكر خفي مستور عنه، فإنه لا يتعرض له ولا يفتش عنه؛لأن هذا النوع من التجسس المنهي عنه.

      4- أن يكون الإنكار في الأمور التي لا اجتهاد فيها:

      من الأمور اللازمة لنجاح الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يتسع صدره لقبول الاجتهاد فيما يسوغ فيه الخلاف. وهناك مسائل فرعية ليست من الأصول يختلف فيها الناس كثيراً، وتتباين أقوالهم فيها، وهي في الحقيقة مما يجوز فيه الاجتهاد، فمثل هذه المسائل لا يكفر من خالف فيها، ولا يُنكر عليه؛ لأنها مما وسع الله فيها على عباده ،قال–تعالى-:)وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ( (هود: من الآية119).

      أما المسائل التي لا اجتهاد فيها فهي كمن يُخالف ما جاء في كتابِ اللهِ-تعالى- وسنة رسوله-صلى الله عليه وسلم-، أو ما أجمعت عليه الأمة، أو ما عُلم من الدين بالضرورة، فهذا يُنكر على من أتى به(15).

      تفاوت مسؤولية الناس في إنكار المنكر:

      إن الله- عزوجل-أوجب علينا جميعاً الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كلٌ بحسب قدرته، ولكن مما ينبغي التنبيه عليه أن الناس يتفاوتون في هذا الواجب، فالمسلم العامي عليه القيام بهذا الواجب حسب قدرته وطاقته، فيأمر أهله, وأبناءه بما يعلم من أمور الدين التي يسمعها على المنابر, وفي دروس الوعظ.

      والعلماء عليهم من الواجب ما ليس على غيرهم، وذلك أنهم ورثة الأنبياء فإذا تساهلوا بهذه المهمة دخل النقص على الأمة، كما حدث لبني إسرائيل.

      وأما واجب الحكام في هذه المهمة فعظيم؛ لأن بيدهم الشوكة، والسلطان، والتي يرتدع بها السواد الأعظم من الناس عن المنكر؛ لأن الذين يتأثرون بالوعظ قلة. وتقصير الحاكم بهذه المهمة طامة كبرى، حيث بسبب ذلك يظهر المنكر، ويجترئ أهل الباطل والفسوق بباطلهم على أهل الحق والصلاح(16).

      فيجب على المسلم أن يغير المنكر بحسب طاقته وقدرته, إما بيده، أو بلسانه، أو بقلبه وذلك أضعف الإيمان.

      الإنكار باليد أو اللسان له حكمان:

      فرض كفاية:

      إذا رأى المنكر أو علمه أكثر من واحد من المسلمين وجب إنكاره وتغييره على مجموعهم، فإذا قام به بعضهم ولو واحداً كفى وسقط الطلب عن الباقين، وإذا لم يقم به أحد أثم كل من كان يتمكن منه بلا عذر ولا خوف، ودل على الكفاية قوله-تعالى-: )وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ(آل عمران: 104. والأمة الجماعة، وهي بعض المسلمين.

      فرض عين:

      أما إذا رأى المنكر أو علمه واحد، وهو قادر على إنكاره أو تغييره، فقد تعين عليه ذلك. وكذلك إذا رآه أو علمه جماعة، وكان لا يتمكن من إنكاره إلا واحد منهم، فإنه يتعين عليه، فإن لم يقم به أثم(17).

      الإنكار بالقلب:

      من الفروض العينية التي يُكَلَّف بها كل مسلم، ولا تسقط عن أحد في حال من الأحوال، معرفة المعروف والمنكر، وإنكار المنكر في القلب، فمن لم يعرف المعروف و المنكر في قلبه هلك، ومن لم ينكر المنكر في قلبه دل على ذهاب الإيمان منه. قال ابن مسعود: "هلك من لم يعرف بقلبه المعروف والمنكر"(18) يشير إلى أن معرفة المعروفِ وإنكار المنكر بالقلب فرضٌ لا يسقط عن أحد، فمن لم يعرفه هَلَكَ(19).

      فإنكار القلب يُخَلِّص المسلم من المسؤولية إذا كان عاجزاً عن الإنكار باليد أو اللسان. قال ابن مسعود-رضي الله عنه-: "يوشك من عاش منكم أن يرى منكراً لا يستطيع له غير أن يَعلم اللهُ من قلبه أنه له كاره"(20).

      والعجز أن يخاف إلحاق ضرر ببدنه, أو ماله، ولا طاقة له على تحمل ذلك، فإذا لم يغلب على ظنه حصول شيء من هذا لا يسقط عنه الواجب بإنكار قلبه فقط، بل لابد له من الإنكار باليد, أو اللسان حسب القدرة(21).

      عاقبة ترك إزالة المنكر مع القدرة عليها:

      1- إذا تُرِكَ النهي عن المنكر استشرى الشر في الأرض، وشاعت المعصية والفجور، وكثر أهل الفساد، وتسلطوا على الأخيار وقهروهم، وعجز هؤلاء عن ردعهم بعد أن كانوا قادرين عليهم، فتطمس معالم الفضيلة، وتعم الرذيلة، وعندها يستحق الجميع غضب الله-تعالى-وإذلاله وانتقامه، قال الله-تعالى-حاكياً عن بني إسرائيل: )لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُون *كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ(المائدة: 78 - 79. لا يتناهون: لا ينهى بعضهم بعضاً إذا رآه على المنكر. والأحاديث في هذا كثيرة، منها:

      ما جاء عن أبي بكر-رضي الله عنه-، عن النبي-صلى الله عليه وسلم-قال: (ما من قوم يُعْمَل فيهم بالمعاصي، ثم يقدرون على أن يغيروا ثم لا يغيروا، إلا يوشك أن يعمهم الله منه بعقاب)(22).

      2- الهلاك في الدنيا: قال-صلى الله عليه وسلم-: (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها, فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم, فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً, وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً)(23).

      3- عدم استجابة الدعاء: فعن حذيفة-رضي الله عنه-عن النبي-صلى الله عليه وسلم-قال: (والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم)(24).

      ترك الإنكار خشية وقوع مفسدة:

      إذا كان المكلف قادراً على إنكار المنكر الذي رآه أو علمه، لكنه غلب على ظنه أن تحدث نتيجة إنكاره مفسدة ويترتب عليه شر، هو أكبر من المنكر الذي أنكره أو غيره، فإنه في هذه الحالة يسقط وجوب الإنكار، عملاً بالأصل الفقهي: "يُرَتَكَبُ أَخَفُّ الضررين تفادياً لأشدهما".

      على أنه ينبغي أن يتنبه هنا إلى أن الذي يسقط وجوب الإنكار غالبية الظن، لا الوهم والاحتمال الذي قد يتذرع به الكثير من المسلمين، ليبرروا لأنفسهم ترك هذا الواجب العظيم من شرع الله-عز وجل-(25).

      قول الحق دون خوف أو رهبة:

      على المسلم أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر دون أن يلتفت إلى شأن من يأمره أو ينهاه، من منصب, أو جاه أو غنى، ودون أن يلتفت إلى لوم الناس, وعبثهم, وتخذيلهم، ودون أن يأبه بما قد يناله من أذى مادي, أو معنوي يقدر على تحمله ويدخل في طاقته، على أن يستعمل الحِكْمة في ذلك، ويخاطب كُلاًّ بما يناسبه، ويعطي كل موقف ما يلائمه. فعن أبي سعيد-رضي الله عنه-عن النبي-صلى الله عليه وسلم-أنه قال في خطبة: (ألا لا يَمْنَعَنَّ رجلاً هيبةُ الناس أن يقول بحق إذا علمه)(26).

      عموم المسؤولية وخصوصها:

      إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب الأمة جمعاء، فكل مسلم علم بالمنكر وقدر على إنكاره وجب عليه ذلك، لا فرق في ذلك بين حاكم ومحكوم، أو عالم وعامي. ولكن هذه المسؤولية تتأكد على صنفين من الناس، وهما: العلماء, والأمراء:

      أما العلماء: فلأنهم يعرفون من شرع الله-تعالى-ما لا يعرفه غيرهم من الأمة، ولما لهم من هيبة في النفوس واحترام في القلوب، مما يجعل أمرهم ونهيهم أقرب إلى الامتثال وأدعى إلى القبول. والخطر الكبير عندما يتساهل علماء الأمة بهذه الأمانة التي وضعها الله-تعالى-في أعناقهم.

      أما الأمراء: أي الحكام، فإن مسؤوليتهم أعظم، وخطرهم إن قصروا في الأمر والنهي أكبر؛ لأن الحكام لهم ولاية وسلطان، ولديهم قدرة على تنفيذ ما يأمرون به وينهَون عنه وحمل الناس على الامتثال، ولا يخشى من إنكارهم مفسدة؛ لأن القوة والسلاح في أيديهم, والناس ما زالوا يحسبون حساباً لأمر الحاكم ونهيه.

      فإذا قصر الحاكم في الأمر والنهي طمع أهل المعاصي والفجور، ونشطوا لنشر الشر والفساد، دون أن يراعوا حرمة أو يقدسوا شرعاً، ولذا كان من الصفات الأساسية للحاكم الذي يتولى الله تأييده ونصرته، ويثبت ملكه ويسدد خطته، أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.

      فإذا أهمل الحكام هذا الواجب العظيم فقد خانوا الأمانة التي وضعها الله-تعالى-في أعناقهم، وضيعوا الرعية التي استرعاهم الله –تعالى- عليها.

      آداب الآمر والناهي:

      1- أن يكون ممتثلاً لما يأمر به، مجتنباً لما ينهى عنه، حتى يكون لأمره ونهيه أثر في نفس من يأمره وينهاه، ويكون لفعله قبول عند الله-عز وجل-، فلا يكون تصرفه حجة عليه توقعه في نار جهنم يوم القيامة.

      2- النية والقصد في الأمر والنهي: ينبغي أن يكون الحامل على الأمر والنهي هو ابتغاء-رضوان الله تعالى-وامتثال أمره، لاحب الشهرة والعلو وغير ذلك من الأغراض الدنيوية. فالمؤمن يأمر وينهى غضباً لله-تعالى-إذا انتهكت محارمه، ونصيحة للمسلمين ورحمة بهم إذا رأى منهم ما يُعَرِّضهم لغضب الله-عز وجل-وعقوبته في الدنيا والآخرة، وإنقاذاً لهم من شر الويلات والمصائب عندما ينغمسون في المخالفات وينقادون للأهواء والشهوات. يبتغي من وراء ذلك كله الأجر والمثوبة عند الله-سبحانه-، ويقي نفسه من أن يناله عذاب جهنم إن هو قصر في أداء الواجب، وترك الأمر والنهي.

      3- العبودية الحقة: قد يكون الباعث لدى المؤمن على الأمر والنهي إجلاله البالغ لعظمة الله-سبحانه-، وشعوره أنه أهل لأن يطاع فلا يُعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر. ويزكي ذلك في نفسه محبته الصادقة لله-عز وجل-، التي تمكنت من قلبه وسرت في آفاق روحه سريان الدم في العروق، ولذلك تجده يؤثر أن يستقيم الخلق ويلتزموا طاعة الحق، وأن يفتدي ذلك بكل غال ونفيس يملكه، بل حتى ولو ناله الأذى وحصل له الضرر، يتقبل ذلك بصدر رحب، وربما تضرع إلى الله-عز وجل-أن يغفر لمن أساء إليه ويهديه سواء السبيل. وهذه مرتبة لا يصل إليها إلا من تحققت في نفسه العبودية الخالصة لله-عز وجل-، وانظر إليه-صلى الله عليه وسلم- وقد آذاه قومه وضربوه، فجعل يمسح الدم عن وجهه,ويقول:(اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)(27). (28).

      ما يُستفاد من الحديث:

      1- يدلُّ الحديث على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خصال الإيمان، لذلك أخرج مسلم هذا الحديث في كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان.

      2- من قدر على خصلة من خصاله وقام بها كان خيراً ممن تركها عجزاً وإن كان معذوراً في ذلك، فالمرأة مثلاً معذورة في ترك الصلاة أثناء الحيض ومع ذلك عَدَّ رسول الله-صلى الله عليه وسلم-ذلك نقصاناً في دينها.

      3- من خاف على نفسه الضرب أو القتل أو خاف على ماله الضياع سقط عنه التغيير باليد واللسان.

      4- كما فيه أن الصلاة قبل الخطبة يوم العيد، وهذا ما عليه سلف الأمة.

      5- في الحديث دلالة على تغيير المنكر على الحكام باليد، مثل ما فعل أبو سعيد-رضي الله عنه-، مثل أن يريق خمورهم ويكسر آلات اللهو التي لهم، أما الخروج عليهم بالسيف فهذا لا يجوز لثبوت الأحاديث الناهية عن ذلك(29).

      اللهم وفقنا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يا رب العالمين، والله أعلم.



      تعليق

      المتواجدون الآن 1. الأعضاء 0 والزوار 1.

      أكبر تواجد بالمنتدى كان 2,525, 26-09-2016 الساعة 21:58.

      شاركي الموضوع

      تقليص

      يعمل...
      X