إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

تفسير سورة الاخلاص لسيد قطب

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • تفسير سورة الاخلاص لسيد قطب






    قل هو الله أحد (1) الله الصمد (2) لم يلد ولم يولد (3) ولم يكن له كفؤا أحد (4)

    سورة الاخلاص

    هذه الصورة الصغيرة تعدل ثلث القرآن كما جاء في الروايات الصحيحة. قال البخاري: حدثنا مالك عنعبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن أبيه، عن أبي سعد أن رجلا سمع رجلا يقرؤ (قل هو الله أحد) يرددها. فلما أصبح جاء الى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له -وكأنه يثاقلها- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: [COLOR="seagreen"]( والذي نفسي بيده انها لتعدل ثلث القرآن)[/
    COLOR]

    وليس في هذا من غرابة، لأن الأحدية التي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعلنها: (قل هو الله أحد).. هذه الأحدية عقيدة للضمير، وتفسير للوجود، ومنهج للحياة.. وقد تضمنت السورة -من ثم-أعرض الخطوط الرئيسية في حقيقة الاسلام الكبيرة..

    (قل هو الله أحد)

    وهو لفظ أدق من لفظ "واحد".. لأنه يضيف الى معنى "واحد" أن لا شيء غيره معه، وأن ليس كمثله شيء
    انها أحدية الوجود.. فليس هناك حقيقة الا حقيقته، وليس هناك وجود حقيقي الا وجوده، وكل موجود آخر انما يستمد وجوده من ذلك الوجود الحقيقي، ويستمد حقيقته منتك الحقية الذاتية.

    وهي -من ثم-أحدية الفاعلية، فليس سواه فاعلا لشيء،أو فاعلا في شيء، في هذا الوجود أصلا. وهذه عقيدة في الضمير، وتفسير للوجود أيضا..

    فاذا استقر هذا التفسير، ووضح هذا التصور،خلص القلب من كل غاشية ومن كل شائبة، ومن كل تعلق بغير هه الذاتالواحدة المتفردة بحقيقة الوجود وحقيقة الفاعلية.

    خلص من التعلق بشيء من أشياء هذا الوجود -ان لم يخلص من الشعور بوجود شيء من الأشياء أصلا!- فلا حقيقة لوجود الا ذلك الوجود الالهي، ولا حقيقة لفاعلية الا فاعلية الارادة الالهية، فعلام يتعلق القلب بما لا حقيقة لوجوده ولا فاعليته!

    وحينما يخلص القلب من الشعور بغير الحقيقة الواحدة، ومن التعلق بغير هذه الحقيقة.. فعندئذ يتحرر من جميع القيود، وينطلق من كل الأوهاق، يتحرر من الرغبة وهي أصل قيد كثيرة، ويتحرر من الرهبة وهي أصل قيود كثيرة، وفيم يرغب وهو لا يفقد شيئا متى وجد الله؟ وماذا يرهب ولا وجود لفاعلية الا لله؟

    ومتى استقر هذا التصور الذي لا يرى في الوجود الا حقيقة الله، فستصحبه رؤية هذه الحقيقة في كل وجود خر انبثق عنها -وهذه حقيقة يرى فيها القلب يد الله في كل شيء يراه، ووراءها الدرجة التي لا يرى فيها شيءا في الكون الا الله، لأنه لا حقيقة هناك يراها الا الله.

    كذلك سيصحبه نفي فاعلية الأسباب، ورد كل شيء وكل حدث، وكل حركة الا السبب الأول الذي منه صدرت، وبه تأثرت.. وهذه هي الحقيقة التي عنى القرآن عناية كبيرة بتقريرها في التصور الايماني. ومن ثم كان ينحي الأسباب الظاهرة دائما ويصل الأمور بمشيئة الله: (وما رميت اذ رميت ولكن الله رمى).. (وما النصر الا من عند الله).. (وما تشاؤون الا أن يشاء الله)..
    وغيرها كثير...

    وبتنحية الأسباب الظاهرة كلها، ورد الأمر الى مشيئة الله وحدها، تنسكب في القلب الطمأنينة، ويعرف المتجه الوحيد الذي يطلب عنده ما يرغب، ويتقي عنده ما يرهب، ويسكن تجاه الفواعل والمؤثرات والأسباب الظاهرة التي لا حقيقة لها ولا وجود!

    وهذه هي مدارج الطريق التي حاولها المتصوفة، فجذبتهم الى بعيد! ذلك أن الاسلام يريد من الناس أن يسلكوا الطريق الى هذه الحقيقة وهم يكابدون الحياة الواقعية بكل خصائصها، ويزاولون الحياة البشرية، والخلافة الأرضية بكل مقوماتها، شاعرين مع هذا أن لا حقيقة الا الله، وأن لا وجود الا وجوده، وأن لا فاعلية الا فاعليته.. ولا يريد طريقا غير هذا الطريق!
    من هنا ينبثق منهج كامل للحياة، قائم على ذلك التفسير وما يشيعه في النفس من تصورات، ومشاعر واتجاهات: منهج لعبادة الله وحده، الذي لا حقيقة لوجود الا وجوده، ولا حقيقة لفاعلية الا فاعليته، ولا أثر لارادة الا ارادته.

    ومنهج للاتجاه الى الله وحده في الرغبة والرهبة، في السراء والضراء، في النعماء والبأساء. والا فما جدوى التوجه الى غير موجود وجودا حقيقيا، والى غير فاعل في الوجود أصلا؟!

    ومنهج للتلقي عن الله وحده، وتلقي العقيدة والتصور والقيم والموازين،والشرائع والقوانين والأوضاع والنظم، والآداب والتقاليد. فالتلقي لا يكون الا عن الوجود الواحد والحقيقة المفردة في الواقع وفي الضمير.

    ومنهج للتحرك والعمل له وحده.. ابتغاء القرب من الحقيقة،وتطلعا الى الخلاص منالحواجز المعوقة والشوائب المضللة. سواء في قرارة النفس أو فيما حولها من الأشياء والنفوس. ومن بينها حاجز الذات، وقيد الرغبة والرهبة لشيء من أشياء هذا الوجود!

    ومنهج يربط -مع هذا- بين القلب البشري وبين كل موجود برباط الحب والأنس والتعاطف والتجاوب. فليس معنى الخلاص من قيودها هو كراهيتها والنفور منها و الهروب من مزاولتها.. فكلها خارجة من يد الله، وكلها تستمد وجودها من وجوده، وكلها تفيض عليها أنوار هذه الحقيقة. فكلها اذن حبيب، اذ كلها هدية من الحبيب!

    وهو منهج رفيق طليق.. الأرض فيه صغيرة، والحياة الدنيا قصيرة، ومتاع الحياة الدنيا زهيد، والانطلاق من هذه الحواجز والشوائب غاية وأمنية.. ولكن الانطلاق ند الاسلام ليس معناه الاعتزال ولا الاهمال، ولا الكراهية ولا الهروب.. انما معناه المحاولة المستمرة، والكفاح الدائم لترقية البشرية كلها، واطلاق الحياة البشرية جميعها.. ومن ثم فهي الخلافة والقيادة بكل أعبائها، مع التحرر والانطلاق بكل مقوماتها كما أسلفنا.

    ان الخلاص عن طريق الصومعة سهل يسير، ولكن الاسلام لا يريده. لأن الخلافة في الأرض والقيادة للبشر طرف من المنهج الالهي للخلاص. انه طريق أشق، ولكنه هو الذي يحقق انسانية الانسان. أي يحقق انتصار النفخة العلوية في كيانه.. وهذا هو الانطلاق. انطلاق الروح الى مصدرها الالهي، وتحقيق حقيقتها العلوية، وهي تعمل في الميدان الذي اختاره لهاخالقها الحكيم..

    من أجل هذا كله كانت الدعوة الأولى قاصرة على تقرير حقيقة التوحيد بصورتها هذه في القلوب. لأن التوحيد في هذه الصورة عقيدة للضمير، وتفسير للوجود ومنهج للحياة. وليس كلمة تقال باللسن أو حتى صورة تستقر في الضمير. انما هو الأمر كله، والدين كله. وما بعده من تفصيلات وتفريعات لا يعدو أن يكون الثمرة الطبيعية لاستقرا هذه الحقيقة بهذه الصورة في القلوب.

    والانحرافات التي أصابت أهل الكتاب من قبل، والتي أفسدت عقائدهم وتصوراتهم وحياتهم، نشأت أول ما نشأت عن انطماس صورة التوحيد الخالص. ثم تبع هذا الانطماس ما تبعه من سائر الانحرافات.

    على أن الذي تمتاز به صورة التوحيد في العقيدة الاسلامية هو تعمقها في الحياة كلها، وقيام الحياة على أساسها، واتخاذها قاعدة للمنهج العملي الواقعي في الحياة، تبدو آثاره في التشريع كما تبدو في الاعتقاد سواء. وأول هذه الآثار أن تكون شريعة الله وحدها هي التي تحكم الحياة. فاذا تخلفت هذه الآثار فان عقيدة التوحيد لا تكون قائمة، فانها لا تقوم الا ومعها آثارها محققة في كل ركن من أركان الحياة..

    ومعنى أن الله أحد: أنه الصمد. وأنه لم يلد ولم يولد. ولم يكن له كفؤا أحد.. ولكن القرآن يذكر هذه التفريعات لزيادة التقرير والايضاح.


    (الله الصمد)

    ومعنى الصمد اللغوي: السيد المقصود الذي لا يقضى أمر الا باذنه. والله -سبحانه- هو السيد الذي لا سيد غيره، فهو أحد في ألوهيته والكل له عبيد. وهو المقصود وحده بالحاجات، المجي وحده لأصحاب الحاجات. وهو الذي يقضي في كل أمر باذنه، ولا يقضي أحد معه.. وهذه الصفة متحققة ابتداء من كونه الفرد الأحد.

    لم يلد ولم يولد

    [SIZE="5"]فحقيقة الله ثابتة أبدية أزلية، لا تعتورها حال بعد حال. صفتها الكمال المطلق في جميع الأحوال. والولادة انبثاق وامتداد، وجود زائد بعد نقص أو عدم، هو على الله محال. ثم هي تقتضي زوجية، تقوم على التماثل، وهذه كذلك محال. ومن ثم فصفة (أحد) تقتضي نفي الوالد والولد..[SIZE]

    (ولم يكن له كفؤا أحد)

    أي لم يوجد مماثل أو مكافئ. لا في حقيقة الوجود، ولا في حقيقة الفاعلية، ولا في أي صفة من الصفات الذاتية، وهذا كذلك يتحقق بأنه (أحد) ولكن هذا توكيد وتفصيل.. وهو نفي للعقيدة الثنائية التي تزعم أن الله هو اله الخير وأن للشر الها يعاكس الله -بزعمهم- ويعكس عليه أعماله الخيرة وينشر الفساد في الأرض. وأشهر العقائد الثنائية كانت عقيدة الفرس في اله النور واله الظلام، وكانت معروفة في جنوبي الجزيرة العربية حيث الفرس دولة وسلطان!!

    هذه السورة اثبات وتقرير لعقيدة الوحيد الاسلامية، كما أن سورة "الكافرون" نفي لأي تشابه أو التقاء بين عقيدة التوحيد وعقيدة الشرك.. وكل منهما تعالج حقيقة التوحيد من وجه. وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستفتح يومه -في صلاة سنة الفجر- بالقراءة بهاتين السورتين.. وكان لهذا الافتتاح معناه ومغزاه..




    من كتاب في ظلال القرآن لسيد قطب


  • #2
    جزاكي الله خيرا وربي يجعلها في ميزان حسناتك

    تعليق


    • #3
      شكرا اختي
      [

      تعليق


      • #4
        جزيت الجنة أختي وبارك الله فيك على النقل المفيد
        أنا ما كتبت الشعر يوما متباهية...وما شدوت بمجد أسلافي أو نسبي أو مالِيةْ
        ولا استجدت كلماتي منّة قوم تذللا ... تعاف نفسي صغارا فما كنت له ساعية
        إنما حرك نبضَ يراع ســــــــاكن ..... مصائبُ حلّت بأمتي متتــــــــــالية










        تعليق


        • #5
          أسعدني مروركن أخواتي

          hadjar و خالة اسراء و أم بيان


          تعليق


          • #6
            جزاك الله خير الجزاء أختي الكريمة

            في ميزان حسناتك إن شاء الله .










            ياربُّ أنت رجائي ... وفيك حسَّنتُ ظنِّي

            ياربُّ فاغفر ذنوبي ... وعافني واعفُ عنِّي

            العفوُ منك إلهي ... والذنبُ قد جاءَ منِّي

            والظنُّ فيك جميلٌ ... حقِّق بحقك ظنِّي


            تعليق


            • #7
              السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

              جزاك الله خيرا أختي.

              تعليق

              المتواجدون الآن 1. الأعضاء 0 والزوار 1.

              أكبر تواجد بالمنتدى كان 2,525, 26-09-2016 الساعة 21:58.

              يعمل...
              X