إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

سلوك الإنسان تحت مجهر القرآن

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • سلوك الإنسان تحت مجهر القرآن

    سلوك الإنسان تحت مجهر القرآن
    إعــداد: رضى الحمراني
    مقدمة
    فال الله تعالى : ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق و في أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ﴾ (فصلت : 53)، إن هذه الآية تجسد لنا عظمة النفس البشرية لأن الله رب العالمين ذكرها إلى جانب الكون الفسيح (الآفاق) في آية واحدة، و كأنه سبحانه يقول سأريكم بأن نصف الحقائق الدالة على وحدانيتي أودعتها في الكون الفسيح بكواكبه و نجومه و أرضه و سماءه و جباله و سهوله و بحاره و أنهاره، أما النصف الثاني من دلائل عظمة الخالق فجعلها جل و علا مكنونة في هذا المخلوق الصغير الذي سماه الإنسان، و إذا ما حاولنا اكتشاف الأسرار الربانية المبثوثة في النفس البشرية فلن نجد في الدنيا بأسرها مجهراً روحياً يعيننا على الغوص في أعماق المحيطات النفسية لابن آدم غير القرآن الكريم الذي قال فيه رب العالمين : ﴿و إن تجهر بالقول فإنه يعلم السر و أخفى﴾ (طه : 7)، من خلال هذه الآية التي تشكل موضوع الدراسة في هذا المقال يتبين أن سلوك الإنسان ينقسم إلى ثلاثة أقسام : الجهر ، السر و الأخفى، فما هي يا ترى الخصائص التي تميز كل صنف عن باقي الأصناف الأخرى ؟ و ما هي نسبة تحكم الإنسان في هذه المستويات السلوكية الثلاثة ؟

    1. الجهر
    هو كل قول أو فعل أظهرهما الإنسان بنطق لسانه أو بحركات جوارحه ويشترك في العلم بالسلوك الجهري ثلاثة أطراف، الشخص القائل أو الفاعل و الناس الدين سمعوا أقواله و شاهدوا أفعاله و الله تعالى أيضاً يكون مطلعاً على هذا السلوك المعلن كما ورد في الآية المذكورة أعلاه : ﴿وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى﴾، إن معظم ما نجهر به نحن المسلمين في العصر الحديث من سلوكات و تصرفات في حياتنا اليومية يشير إلى أننا لم نرقى بعد إلى المستوى الحضاري الذي يبتغيه الإسلام، و نلخص آفة تصرفاتنا العلنية في كون السابقين الأولين من الصحابة و التابعين كانوا يكثرون من الأعمال و يقللون من الأقوال، أما نحن مسلموا العصور المتأخرة فكلامنا كثير و عملنا قليل لأننا مدمنون على الجهر بكل ما يجول في خاطرنا مستهلكين كل أوقاتنا في الثرثرة. إن بعض الدراسات النفسية في هذا الصدد تشير إلى كون النساء يتميزون باللغو أكثر من الرجال في حين أن كلاهما سواء في الإصابة بهذا الوباء، و الفرق بينهما محصور فقط في نوعية المواضيع المستهلكة، فالرجال يستغرقون جل أوقاتهم في المقاهي لمناقشة أوضاعهم المادية و الاجتماعية المتدنية مقارنة بتزايد الأسعار و غلاء المعيشة أما النساء فيمضين معظم أوقاتهن في الحديث عن آخر صيحات الموضة و الأزياء و آخر شطحات الأفلام و المسلسلات، و منهن من يُمضين ساعات طويلة في الفضفضة عن مشاكلهن مع جاراتهن و أفراد عائلاتهن.

    إن الوقت الذي نضيعه نحن الشعوب المسلمة المتخلفة في سطحيات الحياة و تفاهاتها، تستثمره الشعوب المتقدمة في القراءة و الإبداع و الإطلاع على آخر مستجدات العلم و أحدث منتجات التكنولوجيا الحديثة، لذلك فلن تقوم لنا قائمة إلا إذا رجع المسئولين عن مؤسساتنا التربوية الأساسية في المجتمع و هي الأسرة، المدرسة و الإعلام إلى مرجعيتهم الأصلية و هي القرآن و السنة و العلوم النافعة، إن هذا هو الغداء الروحي الذي يولد في قلوب أفراد المجتمع الإسلامي الوعي بضرورة استغلال الوقت فيما يفيد و ينفع من طيبات الأقوال و حسنات الأفعال، ولكي يتبين لنا بوضوح الكيفية التي يضبط بها القرآن والسنة سلوكاتنا الجهرية نجد أن الله تعالى نهانا عن تضييع أوقاتنا فيما لا يعود علينا بالنفع في قوله سبحانه : ﴿والذين هم عن اللغو معرضون﴾ (المؤمنون : 3)، إن المعنى العام لكمة اللغو في هذه الآية هو الإلغاء فكل ما يأمر الدين بإلغائه في سلوك المسلم يسمى لغواً سواء كان حراما أن مكروها أو مباحا، أما المعنى الخاص للغو فهو كل ما يجهر به الإنسان من أقوال وأفعال لا ضرورة ولا حاجة لقولها أو فعلها. إن رد فعل المؤمن الصادق تجاه كل أنواع الفضول هاته هو الإعراض عنها كما جاء في الآية الكريمة، وكلمة الإعراض هي أعظم من الترك فالمؤمن الحريص على رضا ربه لا يترك اللغو ويتفادى الوقوع فيه فحسب، بل يعرض أيضا عن كل الأشخاص المعروفين بكثرة التدخل في ما لا يعنيهم، ولا يفلح العبد الصالح في تطبيق هذا المنهج السليم في حياته إلا إذا كان أولا وقبل كل شيء من الخاشعين في صلاتهم، لأن الخشوع يؤثر في سلوك صاحبه ويدفعه إلى الإعراض عن كل ما لا يرضي الله تعالى، كما جاء في مطلع سورة المؤمنون : ﴿قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون﴾، وهؤلاء هم أهل الجنة التي قال الله في حقها ﴿ لا تسمع فيها لاغية ﴾ (الغاشية : 11)، أي أن سكان الجنة لا تسمع منهم لا غيبة ولا نميمة ولا كذب ولا زور ولا هذيان ولا هلوسة، لأنهم لا يتكلمون إلا بالحكمة وبذكر الله جل علاه وحمده على ما رزقهم من نعم دائمة في فردوس الآخرة.
    إن السنة النبوية تتظافر مع القرآن الكريم لإصلاح مظاهر الخلل في السلوك الجهري للإنسان، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت » رواه البخاري ومسلم، إن هذا الحديث يحث الصالحين على التحلي بسلوكين مختلفين لكنهما متكاملين وهما الجهر والصمت، وبدأ بأولهما وهو الجهر بالخير وفيه نوعان : نطق الإنسان الذي يقتصر نفعه عليه وحده كقراءة القرآن والذكر والدعاء، والجهر بالخير الذي يتعدى نفعه إلى الغير كتعليم الناس أمور الدين والدنيا ونصحهم وتوجيههم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر لا أن يمشي بينهم بالغيبة و النميمة و البهثان فيضر نفسه و يلحق الأذى بالآخرين. إن تميز أمة الإسلام عن باقي أمم العالم يرجع إلى كون المسلمين بعد أن ينجحوا في إصلاح أنفسهم يتطلعون و يبادرون إلى إصلاح غيرهم مصداقا لقول الله جل علاه ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ﴾ (آل عمران : 110). إن الحديث النبوي الذي أشرنا إليه لم يكتف بحث المؤمنين على الجهر بخير الكلام و أطيبه في تعاملاتهم الاجتماعية، بل أمرهم أيضاً بالتزام الصمت في بعض الأحيان لأن الذي يجهر بالخير هو أكمل من الذي يسكت عنه، إلا أن الصامت عن الخير هو أفضل من المتكلم في الباطل كالذي يشهد الزور و ينشر الإشاعات للتفريق بين الناس...إلخ، إن الصمت بالإضافة إلى كونه يقي الإنسان من كل هذه الشرور فإن له فوائد أخرى، فهو يمنح المؤمن القدرة على التفكير بعمق في كل ما يسمع و يشاهد في حياته الاجتماعية، فيكتسب بذلك القدرة على التحليل السليم للمواقف الصعبة التي يمر بها مما يجعله مؤهلا لإيجاد حلول مناسبة لها، وهي خصلة يفتقدها الكثيرون منا في هذا العصر فقد سُؤل أحد الحكماء عن السر الكامن وراء كثرة سكوته في اللقاءات و المجالس فأجاب قائلاً : (إني تأملت وجهي فوجدت أن الله منحني لساناً واحداً و أذنين فعلمت أني إذا أردت أن أتكلم مرة فعلي أن أنصت مرتان)، كما أن قلة الكلام تجعل من يستمعون إليك يهتمون بأقوالك و يتابعونها بعناية و ستفيدون منها لأنها تجمع عصارة الحكم التي حصدها سمعك، لذلك وُصف النبي صلّى الله عليه و سلّم بكثرة الصمت و قلة الكلام حتى أن السامع له لو أراد أن يعد كلامه لأحصاه.
    2. السر
    السر هو ما أسره ابن آدم من حديث باطني بينه و بين نفسه و لا يسمعه إلا اثنان صاحب السر و الله جل علاه الذي يقول : ﴿و إن تجهر بالقول فإنه يعلم السر و أخفى﴾، و قد يُطلع الإنسان أحداً غيره ممن يثق به على سره دون أن يسمعه الناس لكنه لا يفشي له كل شيء بل يُضمر في نفسه أشياء لا يحدث بها إلا نفسه و ربه، وقد حبب الله تعالى إلى عبده المسلم ممارسة الذكر و الدعاء و العبادة و الأعمال السرية بينه و بين خالقه دون أن يراه الناس و نهى سبحانه عن الجهر بها في قوله جل علاه : ﴿و اذكر ربك في نفسك تضرعاً و خفية و دون الجهر من القول﴾ (الأعراف : 205).
    إن الله يكرم عبده بنعمة أكبر من ذلك حين يستره وهو يرتكب شرور الأعمال دون أن تطلع عليه عيون الأنام، حتى لا تشير إليه أصابع الخليقة لتحط من مكانته الرفيعة، و خير دليل على هذه الحقيقة نذكر القصة اللطيفة لرجل من بني إسرائيل عصى الله أربعين سنة ما ترك فيها من خطيئة إلا فعلها، فجاءت سنَة أصاب الله خلالها بني إسرائيل بقحط تبخرت فيه الأنهار و يبست فيه الزروع و هزلت فيه الدواب و البهائم، و لما اشتد الجفاف اجتمع الناس في صعيد واحد و طلبوا من موسى عليه السلام أن يدعوا الله ليفرج عنهم هذه المصيبة، فقال موسى يا رب أغثنا بالمطر و رددها مراراً و ألح في الدعاء فلم تنزل قطرة واحدة من السماء فقال نبي الله يا رب عودتني الاستجابة، فأجابه الله تعالى قائلاً : يا موسى منعتكم بشؤم ذنوب عبد حاضرٍ في جمعكم هذا و قد بارزني بالمعاصي منذ أربعين عاماً و أنا أستره و لن أغيثكم حتى يخرج الآن من بينكم، فنادى موسى بصوت عالٍ في ذلك الجمع : يا من تطاولت على محارم ربك أربعين سنة أُخرج من بيننا فبشؤم ذنبك حرمنا القطر من السماء، فسمع ذلك العاصي النداء و بدأ ينظر حوله لعل أحداً غيره يخرج، لكن أحداً لمن يبادر بالخروج فأيقن أنه هو المقصود بنداء موسى، فتوجه إلى ربه و ناجاه قائلا : يا رب عصيتك أربعين سنة و أنت تسترني، و أنا اليوم إن خرجت في هذا الجمع من قومي افتضح أمري و إن لم أخرج هلكوا بسببي و إني لأعاهدك إن أدمت عليّ سترك فلن أعود لما كنت قد اجترحته من المعاصي، ففوجئ موسى و قومه بالمطر يتهاطل بغزارة من السماء فقال نبي الله : يا رب أغثتنا و لم يخرج أحد من بيننا، فقال الله تعالى : يا موسى سقيتكم بفضل العبد الذي منعتكم به فقد أتاني نادماً منكسراً تائبا و لفرحتي بتوبته سقيتكم، فقال نبي الله يا رب دلني عليه لأفرح به أنا أيضاً، فقال الله عز وجل : يا موسى لم أفضحه و هو يعصاني أأفضحه و هو يطيعني.
    ما أعظم صفة الستر و الكتمان في ذات الله جل علاه، فقد كان هذا العبد من بني إسرائيل يغضب ربه بالمعاصي كل يوم و هو سبحانه يغشاه كل يوم بستره و يجنبه الفضيحة ليحفظ مكانته بين الناس، إن هذا الخُلق الرباني هو مشكاة ينبغي أن يقتبس المسلمون من أنوارها و يربُّوا أنفسهم من خلالها على حفظ الأسرار المرتبطة بالسيئات، فيُكره لمن ابتُلي من عباد الله بمعصية أن يخبر غيره بها، بل عليه أن يستر نفسه و يُقلع عنها و يعزم ألا يعود إلى الانغماس في وحلها مجدداً، فإن أخبر شيخاً ليفتيه فيها أو صديقاً عاقلاً ليدله على مخرج منها فهو فعل محمود و حسن، و إنما يُحرم الجهر بالمعصية لغير مصلحة لأن الناس إن علموا بها أشاروا إلى صاحبها بالأصابع و قلدها ضعفاء النفوس فتشيع الفاحشة بذلك في الأمة الإسلامية، أما إذا علم المسلم على أخيه ذنباً أو شاهد منه زلة فينبغي أن يستره لأن الله سِتّير يحب الستر، و قد أجمع أهل العلم على أن من اطلع على ذنب لمؤمن لم يشتهر بالفساد و إنما أقبل على المعصية مُتخوفاً و مُتخفياً فلا يجوز فضحه أو كشفه لا للخاصة و لا للعامة لأن النبي صلّى الله عليه و سلّم حثّ على ستر عورات المسلمين في قوله : " من ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة " رواه البخاري و مسلم، قال الحافظ ابن حجر في فقه هذا الحديث : إذا رأى المسلم أخاه يفعل شيء قبيحاً فعليه ألا يفضحه لكن لا ينبغي أن يترك واجب الإنكار عليه دون أن يحرجه أمام الناس و بطريقة تحببه في الرجوع إلى نعيم طاعة الله جل علاه و تنفره من إعادة الانزلاق في مستنقع المعاصي.

    3. الأخفى
    إذا كان السر هو ما لا يعلمه إلا اثنان أنت و رب العالمين، فإن الأخفى هو عدد كبير من الأسرار التي لا يعلمها إلا الله عن نفسك و أنت تجهلها، و هي عبارة عن نوايا و أقوال و أفعال حسنة و قبيحة موجودة بداخلك و أنت ناويها أو قائلها أو فاعلها لكن الله أخفاها عنك لذلك فأنت لا تحدث نفسك بها قال الله عز وجل : ﴿ يعلم ما بين أيديهم و ما خلفهم و لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ﴾ (البقرة : 255)، و قال سعيد بن جبير في نفس سياق الآية أنت تعلم ما تسر اليوم لكنك لا تعلم ما تسر غداً و الله يعلم ما تسر اليوم و ما تسر غداً.
    إن المتأمل المتيقظ لما ورد في الآية المدروسة في هذا المقال و التي يقول فيها الله جل علاه : ﴿ فإنه يعلم السر و أخفى ﴾ يدرك أنه كان من الممكن أن يوظف سبحانه عبارة خَفَى أو يَخْفَى لكنه فضل استعمال كلمة أَخْفَى لأنها صيغة مبالغة كقولنا عظيم أعظم و كبير أكبر و خفي أخفى، و الهدف من استخدام هذه الصيغة هو أن يبين الله لعبده أن ما أخفاه عنه من حقيقة نفسه هو أكبر و أعظم مما جعله تحت دائرة معرفته من سر و جهر، و قد أثبتت الدراسات في علم النفس الحديث وجود هذا الأخفى في شخصية الإنسان و أنه أكبر حجماً من السر و الجهر بأضعاف كثيرة، فقد توصل سيجموند فرويد في بداية القرن العشرين إلى اكتشاف الأخفى و سماه اللاشعور لأن الإنسان لا يشعر بوجوده و هو أضخم من الشعور (السر و الجهر اللذان يدركهما الشخص)، و قد شبه هذا العالم النفسي شخصية الإنسان بجبل من الجليد و أن ما يشعر به و يتحكم فيه من أفكار و أقوال و أفعال هو الجزء الذي يظهر من الجبل فوق سطح الماء، و يدخل في هذا المجال ما يسره ابن آدم و ما يجهر به و يمثل 20% من الحجم الكلي لشخصيته، أما أعظم منطقة في تكوينه النفسي و التي لا يعلم عنها شيء فهي القابعة تحت سطح الماء (القاعدة الثلجية التي يقف بفضلها الجبل شامخاً فوق سطح الماء) و تشكل 80 % من المساحة الإجمالية للشخصية و هي التي سمّاها فرويد باللاشعور و سماها القرآن بالأخفى.


    من خلال هذه الحقيقة النفسية تتجلى عظمة القرآن في وصف شخصية الإنسان، حيث تحدث قبل أربعة عشر قرناً من زمننا الحاضر عن وجود الأخفى فيما لم يتمكن العلم البشري من إدارك وجوده إلا بعد قرون من الاجتهاد الفكري و التراكم العلمي، كما تتبين لنا الحكمة من إخفاء الله جل علاه لهذا الجزء الكبير من حقيقة نفوس عباده إمعاناً منه سبحانه في تربية المسلمين على دوام الارتباط بخالقهم الذي يعلم عنهم أشياء كثيرة لا يعلمونها عن أنفسهم قال تعالى : ﴿و ما أوتيتم من العلم إلا قليلاً﴾ (الإسراء : 85) حتى لا يغتر الناس بما يمتلكونه من معارف نفسية، فكما أن بصر الإنسان يمتد لمسافة معينة تتوقف عينه بعدها عن الرؤيا، و كما أن سمعه لا يستطيع إدراك الأصوات إذا تجاوز بعداً محدداً فكذلك العقل البشري لا يمكنه إدراك كل النوايا و الأقوال و الأفعال الصادرة عن الشخصية بل هناك أشياء يستطيع إدراكها و هناك أشياء أخرى يعجز عن الإحاطة بها رغم وجودها داخل النفس.

    إن الإنسان بناءاً على ما سبق ذكره ينبغي أن يكون مقتنعاً بأن المعرفة التي يتوفر عليها حول نفسه نسبية و جزئية، فقد يكون من أفضل الفضلاء و أصلح الصلحاء لكنه قد ينطوي في باطنه على عكس ذلك، و الله تعالى يؤكد صدق هذه المسلمة في قوله : ﴿لا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى﴾ (النجم : 32) فالأولى للمسلم العاقل حسب هذه المعطيات القرآنية أن يكون دائم الحذر من الشرور الكامنة بداخله، و عليه على الخصوص أن يطلب من الله جل علاه و إن كان صالحاً أن يحفظه من تقلب حاله من الصلاح إلى الطلاح قائلا : « اللهم هب نفسي تقواها و زكها أنت خير من زكاها أنت وليها و مولاها » و هو دعاء مقتطف من حديث رواه مسلم عن زيد بن أرقم.

    إن الدليل العملي على ضرورة طلب القرب من الله و البعد عن تزكية النفس هي قصة رجل يُدعى قزمان و كان من أقوى الشجعان في معركة أُحد حيث قَتل عدداً كبيراً من الكفار، و قد أثنى عليه الصحابة أمام رسول الله صلّى الله عليه و سلّم قائلين : ما أبلى منا أَحد مثل ما أبلى قزمان، فقال النبي صلّى الله عليه و سلّم : هو في النار، فتعجب الصحابة من قول رسول الله كيف يقاتل الرجل في سبيل الله ثم يكون مصيره جهنم، فتبعه أحد الصحابة أثناء المعركة ليتبين أمره و بعد زمن من القتال رآه قد جُرح ثم شاهده بعد مدة قد غَرس مقبض السيف في الأرض و جعل رأسه في السماء ثم ألقى نفسه فوقه فدخل السيف في صدره و خرج من ظهره فمات قزمان، حينها قال الصحابي الذي يرقبه صدق رسول الله صلّى الله عليه و سلّم، فالرجل رغم شدته و صلابته في مواجهة أعداء الله إلا أنه لم يقوى على تحمل آلام جرحه فانتصرت عليه نفسه الأمارة بالسوء فانتحر.

    إن هذه القصة صحيحة السند رواها البخاري و مسلم، و العبرة المستفادة منها أن المسلم ينبغي أن لا يبالغ في ثقته بنفسه و لا يغتر بعمله إن كان صالحاً لأنه قد يصدر منه في آخر لحظات حياته سلوك صادر من الأخفى فيقلب مصيره رأساً على عقب و العكس صحيح فلا ينبغي للإنسان أن يقنط من رحمة الله من سوء ما اجترحه من ذنوب و معاصي و لو استمرت غفلته إلى مراحل متأخرة من عمره فإن تاب و أصلح فقد يفتح الله عليه بفعل عمل ينقذه من النار و يدخله الجنة مصداقاً لقول الله تعالى في الحديث القدسي : « ...فَو الله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه و بينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها. و إن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه و بينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» رواه البخاري و مسلم.

    خاتمة
    إن رحيق الختام في أنواع السلوك المكنونة في شخصية الإنسان أن ابن آدم عالم مُأثر و جاهل متأثر، عالم مأثر في نفسه و في الناس بما مكنه الله من التحكم فيه من سلوكات جهرية و سرية و جاهل متأثر بما حجب الله عنه من سلوكاته الصادرة عن الأخفى. إن المؤمن الصادق يتوكل على الله في تعامله مع مختلف هذه الأنواع السلوكية المكنونة في شخصيته الكلية، وذلك ببذل قصار جهده لتحسين خلقه فيما يسره و يجهر به بينه و بين خالقه و نفسه و الناس، و يتقرب ببركة هذا المجهود إلى الله تعالى متضرعاً إليه سبحانه بأن يحفظه و يقيه من شرور الجانب الخفي من شخصيته الذي لا يعلم عنه شيء، قال الله جل علاه ﴿و من يتوكل على الله فهو حسبه﴾ (الطلاق : 36) فمن اعتمد على الله لإصلاح نفسه بهذه المنهجية السليمة التي يؤخذ العبد فيها بناصية أسباب التزكية و يفوض أمر النتائج إلى ربه فإنه سبحانه يكفيه في سره و جهره و أخفاه، أما من اعتمد بشكل كلي على مجهوده في علاج مظاهر الخلل في توازنه النفسي فإنه خاسر من البداية، لأن الأسباب لا تؤدي إلى النتائج إلا بإذن الله، فكم من مُصلح أراد تهذيب سلوكه و اعتمد على المناهج التربوية البشرية لكنه أفسد نفسه في النهاية لأنه لم يتوكل على خالق النفس و مبدعها. إن دواء هذا الداء هو الاقتداء بمنهج النبي شعيب عليه السلام الذي قال الله على لسانه في القرآن الكريم ﴿إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت و إليه أنيب﴾ (هود : 88)، فمن خلال هذه الآية يتبين أن هناك نوعين من الثقة ينبغي أن يتحلى بهما الإنسان، أولهما الثقة بقدرته الذاتية على إصلاح سلوكاته السرية و الجهرية و بذل قصار جهده في سبيل تحقيق هذا الهدف النبيل ﴿ إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ﴾، ثم على المسلم بعد ذلك أن يقوي في نفسه ثقته بالله جل علاه ﴿وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت و إليه أنيب﴾ أي أنني أدرك بيقين كامل أن مجهودي لوحده لن يوصلني إلى إصلاح نفسي لذلك أرجع إلى خالق النفس لأستعين به عليها.

    إن هذه الآية الكريمة تكشف رذيلتين قد يقع فيهما الإنسان في حالة تعصبه لأحد طرفي معادلة إصلاح السلوك البشري، أولهما هو المبالغة في الاعتماد على الأسباب لتهذيب النفس وهي الآفة التي وقعت فيها المجتمعات الغربية حين فصلت بين الدين من جهة و العلم و المجتمع من جهة أخرى، فعلم النفس الغربي ينظر للإنسان نظرة تسخيرية تتأسس على دراسة السلوكات البشرية انطلاقاً من الأسباب النفسية و الاجتماعية ويرفض بشكل قطعي الاعتراف بتدخل المشيئة الربانية في التصرفات الإنسانية، مما يدفع علماء النفس الغربيين إلى الاعتقاد بأن الثقة بالنفس هي المفتاح الوحيد لنجاح الإنسان في تحقيق توازنه النفسي. أما مجتمعاتنا الشرقية فقد وقعت في نقيض هذا التصور حين أبت ألا تنظر لسلوك الأفراد إلا من خلال النظرة الاعتبارية، أي أنها لا تدرس تصرفات الأشخاص بمنهجية علمية لتكشف عن الكيفية التي وقعوا من خلالها في المشاكل النفسية و تبتكر بالتالي الوسائل العلاجية لمساعدتهم على الخلاص من أزماتهم، فالمسلمين لا يرون في مرض السيدا مثلا سوى أنه عقاب من الله تعالى لانحلال المجتمع و جهره بفاحشة الإباحة الجنسية و لا يحاولون البحث عن سبل الوقاية و العلاج من هذا الوباء. إن المنظور الإسلامي في علم النفس يتأسس على الجمع بين النظرة الاعتبارية الشرقية و النظرة التسخيرية الغربية أي أنه يأخذ بالأسباب العلمية مع اعترافه بتدخل المشيئة الربانية في السلوك البشري، معتبراً أن الثقة بالنفس ليست هي المفتاح الوحيد لإصلاح الإنسان بل هي جزء من المفتاح أما جزءه الآخر فهو الثقة بالله تعالى و التوكل عليه، و توفر هاذين النوعين من الثقة هو الذي يحقق النجاح و السعادة للإنسان في حياته الدنيوية و الأخروية.
    :)
    مقرصن
    sigpic

  • #2
    مشكوووووور والله يعطيك الف عافيه

    تعليق


    • #3
      بسم الله الرحمن الرحيم
      مشكورة أختي على المرور
      sigpic

      تعليق


      • #4
        ماشاء الله مقال زوين عجبني بزاف ماموالفاش نقرا كلشي هادا قريتو كامل ....الصراحة نبهتينا لشي مسائل كنا كنهملوها او ماعرفينهاش -السر الاخفى ...
        جعله الله في ميزان حسناتك

        تعليق


        • #5
          بسم الله الرحمن الرحيم
          قراءة ممتعة أختي ومضة أمل وجزيت خيرا على بصمتك في صفحتي المتواضعة
          sigpic

          تعليق


          • #6
            ما شاء الله لا قوه الا بالله جزاك الله عى طرحك الجميل الف خيرا

            تعليق


            • #7
              ما شاء الله ولا حول و لا قوة الا بالله جعلها الله لك في ميزان حسناتك

              تعليق


              • #8
                موضوع قيم و مفيد لإصلاح النفس البشرية و سلوكها مستعينين بالله عز و جل
                دوام الإرتباط بالله و الثقة بالله و التوكل على الله
                و عدم الإغترار بالنفس و بالعمل.
                جعله الله في ميزان حسناتك
                اللهم الهم نفوسنا تقواها و زكها أنت خير من زكاها أنت وليها و مولاها.
                وفقنا الله و إياك لما يحب و يرضى

                تعليق


                • #9
                  بسم الله الرحمن الرحيم
                  أشكر لكن المرور أخواتي ....أتمنى لكن قراءة ممتعة ومفيدة
                  تقبل الله منا جميعا
                  sigpic

                  تعليق


                  • #10
                    جزاك الله خيرا
                    سبحان الله و بحمده سبحان الله العظيم

                    تعليق

                    المتواجدون الآن 1. الأعضاء 0 والزوار 1.

                    أكبر تواجد بالمنتدى كان 2,525, 26-09-2016 الساعة 21:58.

                    يعمل...
                    X