تأملات في قصة أصحاب الكهف...(1)

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • تأملات في قصة أصحاب الكهف...(1)

    تأملات في قصة أصحاب الكهف...(1)

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
    فهذه تأملات في سياق سورة عظيمة
    حملت قصة أهل الكهف للكاتب أحمد محمد الشرقاوي

    أقدمها على حلقات متتابعه بإذن الله تعالى

    جاءت قصة أصحاب الكهف تسلية وتسرية وتثبيتا لقلب رسولنا صلى الله عليه وسلم

    كان نزولها في العهد المكي حيث لقى الرسول صلى الله عليه وسلم ومن آمن معه كثيرا من المحن والابتلاءات على طريق الدعوة الذي حُفًّ بالعقبات والمكاره.

    نزلت هذه القصة وما زال المسلمون الأوائل يلقون أشد صنوف البلاء ويتذوقون من العذاب ألوانا وأنكالا, ومن السخرية والاستهزاء أشكالا, ومن الصدود والإعراض نصيبا على يد الفئة الظالمة الغاشمة.

    نزلت هذه القصة على القلوب المستضعفة بردا وسلاما تروي شغافها وتقوي دعائمها.

    نزلت لتكون حجة ساطعة تشهد بصدق هذا النبي الأمين.

    جاءت برسالة موجهة إلى أهل الكتاب أن هذا القرآن فيه فصل الخطاب وخير الجواب لكل ما يطرحونه من تساؤلات.

    لقد كادت نفسه صلى الله عليه وسلم تذهب حسرات وتهلك غما وهما من أحوال قومه الذين جاءهم بالحق المبين لكنهم في غيهم سادرون وفي ضلالهم يعمهون, فجاءت القصة لتنبه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن يترفق بنفسه فإنه يؤدي ما عليه من واجب البلاغ وأمانة الرسالة, وليتذكر أن الهداية من الله يمنحها من يستحقها .

    قال تعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا}(الكهف:6)

    فالهداية من الله, يختص بها من يشاء, وأمامنا قصة أهل الكهف أولئك الفتيان الذين ملأ الله قلوبهم بالإيمان وهداهم إليه بالفطرة والبرهان وزادهم هدى على هدى لما توجهوا إلى ربهم بصدق سائلين إياه أن يهيئ لهم طريق الهدى والرشاد ويوجههم إلى التوفيق والسداد




    [flash=http://dc05.arabsh.com/i/02589/xxh6jz8x95k0.swf]WIDTH=531 HEIGHT=232[/flash]

  • #2
    رد: تأملات في قصة أصحاب الكهف...(1)



    المناسبة بين القصة والمحور العام للسورة:

    لما بين الله عز وجل أن ما على الأرض من زينة إنما هو للابتلاء والامتحان الذي يبرز معادن الناس ويجلي عن قصدهم وهمتهم نحو العمل الصالح قال تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا (7) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا[1] (8)}.

    لما بين الله تعالى ذلك ضرب أمثلة تكشف عن موقف الناس من زينة الدنيا, فبدأ بقصة أصحاب الكهف الذين لم يغتروا بزينة الشباب وزينة الأهل والعشيرة وزينة الأبهة والسلطان بل تركوا كل هذه الملذات وأعرضوا عن جميع الإغراءات وهجروا الأهل والخلان في سبيل الله جل في علاه.

    ثم جاءت قصة صاحب الجنتين الذي غره المال ولم يحمد الله عليه بل ازداد بطرا وأشرا, في حين نجح صاحبه في الابتلاء حيث عرف حقيقة هذه الدنيا الفانية, فكان له ناصحا أمينا وواعظا بليغا[2].

    ثم يأتي التعقيب على هذه القصة مبينا حقيقة الدنيا الفانية وما فيها من زينة تسلب القلوب وتأسر النفوس وتصرفها عن غاية وجودها وعاقبة أمرها[3].

    وإذا كان هناك من يغتر بالمال أو بالولد فإن هناك من يغتر بالوعود الكاذبة والأماني الباطلة التي يمني بها إبليس اللعين هذا العدو القديم الذي أظهر عداوته قديما يوم أن امتنع عن السجود لآدم قال تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا}(الكهف:50). ومن أشد أسلحة إبليس اللعين سلاح التزيين فكم من معصية زينها, وكم من بدعة حسنها وكم من طاعة صرف الناس عنها وكم من ضلالة زخرفها , وكم من توبة سوًّفها.

    ثم يورد لنا السياق حقائق ساطعة وسننا ربانية وقضايا عقدية حول الألوهية والرسالة واليوم الآخر وسنن الله الماضية والجارية في الأمم[4].

    ومن الناس من يغتر بنعمة العلم بل وربما ظن أنه أعلم الناس وهنا تأتي قصة موسى والخضر عليهما السلام لتبين أن العالم مهما بلغ من العلم فإن هناك من هو أعلم منه ومهما أوتينا من العلم فما قيمته وما قدره أمام علم علام الغيوب !

    ثم يضرب الله مثلا لمن لم يغتر بالقوة والسلطان العبد الصالح ذو القرنين الذي وظف ملكه وسلطانه في نشر الدين ورفع الظلم عن المظلومين ورد الطغاة الباغين, وكان كلما جدد الله له نعمة جدد لها شكرا وردها إلى المنعم عز وجل[5].

    ويجدر بنا هنا أن نقارن بين الملك الظالم الذي سلب قومه عقولهم وغصبهم حريتهم فأطرهم على الكفر أطرا وبين الملك الغاصب الذي يسرق أموال رعيته ويغتصب ممتلكاتهم قال تعالى على لسان الخضر عليه السلام {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا}(الكهف:79) وبين الملك الصالح الذي مكنه الله في الأرض فأقام ميزان العدل والإحسان وأزال سلطان الكفر والطغيان وعاش الناس في عهده في راحة وأمان إنه ذو القرنين رحمه الله.

    كما نقارن بين عهدين: عهد ساد فيه الكفر والفساد, وعهد أشرقت فيه شمس الهداية وأضاءت أنوار العدالة, مملكة كافرة تجعل الكفر لها سبيلا ودستورا, ومملكة مؤمنة تجعل الإيمان لها منهجا ودستورا.

    يتبع




    [flash=http://dc05.arabsh.com/i/02589/xxh6jz8x95k0.swf]WIDTH=531 HEIGHT=232[/flash]

    تعليق


    • #3
      تأملات في قصة أصحاب الكهف...(1)

      شتان بين مشرق ومغرب

      ولنقارن أيضا بين صاحب الجنتين الذي اغتر بجنتيه وجحد النعمة وتمادى في الضلال وبين صاحبه الذي يذكره بالله, وبين صاحب الجنتين وبين ذي القرنين الذي يتذكر دائما فضل الله عليه ورحمته به ويلهج دائما بحمده تعالى على ما أولاه من النعم وأسداه من الكرم, وكيف وظف هذه النعم في نشر الحق والفضيلة في أرجاء الأرض.

      {قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96) فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا {97} قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98)}

      من هنا تتجلى لنا الصلة بين قصة أصحاب الكهف وبين القصص الأخرى التي انتظمتها هذه السورة الكريمة حيث تدور حول الابتلاء بزينة الدنيا وموقف الناس منه.

      وبضدها تتبين الأشياء

      وإذ قد بينت لنا السورة حقيقة الزينة الفانية التي جعلها الله امتحانا وابتلاء ليبلونا أينا أحسن عملا فلقد جاءت الآيات توضح لنا الزينة الحقيقية الباقية وهي في نعيم الجنة الباقي وما يقرب إليه من الباقيات الصالحات, قال تعالى {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا (30) أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (31)}

      وقال سبحانه {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلا (46)}

      وقال جل وعلا {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا (107) خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا (108)}

      وجه آخر للمناسبة

      ومن أوجه المناسبة بين قصة أصحاب الكهف و المقاصد الرئيسية لسورة الكهف أنها خطت لنا طريق النجاة من الفتن حيث تعرض الفتية لفتنة عظيمة عصمهم الله منها, حين سعى الملك إلى فتنتهم في دينهم واستغل سلطانه في مساومتهم على الحق وإغرائهم بكل المغريات كما استخدم فتنة التهديد والوعيد فضلا عن فتنة الضغوط العائلية ؛ فهم من أسر لها مكانتها ووجاهتها, فعصمهم الله تعالى من كل تلك الفتن لما خلصت نيتهم وصفت سريرتهم وصدق توجههم إلى الله تعالى.

      وهكذا نجد السورة الكريمة تبرز لنا طريق النجاة من جميع الفتن فتنة السلطان وفتنة الأهل والعشيرة وفتنة المال وفتنة الولد وفتنة العلم وفتن الأعداء وفتنة إبليس اللعين وفتنة العلم والملك والولد من خلال قصة أصحاب الكهف وصاحب الجنتين وقصة موسى مع الخضر, وفتنة القوة والتمكين من خلال قصة ذي القرنين, وفتنة يأجوج ومأجوج وفتنة الفرق الضالة الناكبة عن الحق كالخوارج وغيرهم والذين قال عنهم رب العالمين في ختام سورة الكهف {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (106)}

      لذلك فلا عجب أن نجد من خواص هذه السورة الكريمة ومن جملة فضائلها أنها عصمة لقارئها من الفتن:

      روى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عَنْ أَبِي الدّرْدَاءِ أَنّ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوّلِ سُورَةِ الْكَهْفِ، عُصِمَ مِنَ الدّجّالِ"[6].

      وعن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين )[7] .

      فهي نور وضياء لقارئها تبدد ظلمات الفتن وهي عصمة لقارئها من فتنة عظيمة ألا وهي فتنة المسيح الدجال عصمنا الله منها ؛ وذلك من ثمرات قراءتها ،ومن خلال ما قدّمَتْه من مفاتيح للتعامل مع مغاليق الفتن وتحصينات من الاغترار بزينة الدنيا وزخارفها, وبهارج الباطل وأهله .
      سبب نزول هذه القصة

      ذكر ابن إسحاق أن قريشا بعثوا النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود وقالوا لهما: سلاهم عن محمد وصفا لهم صفته وأخبراهم بقوله؛ فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم علم ليس عندنا من علم أنبياء؛ فخرجا حتى قدما المدينة، فسألا أحبار يهود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصفا لهم أمره، وأخبراهم ببعض قوله، وقالا لهم: إنكم أهل التوراة وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا.

      فقالت لهما أحبار يهود: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإن لم يفعل فالرجل متقول، فروا فيه رأيكم؛ سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول، ما كان أمرهم؛ فإنه قد كان لهم حديث عجب, وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ما كان نبؤه. وسلوه عن الروح، ما هي ؛ فإذا أخبركم بذلك فاتبعوه فإنه نبي، وإن لم يفعل فهو رجل متقول فاصنعوا في أمره ما بدا لكم.

      فأقبل النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط حتى قدما مكة على قريش فقالا: يا معشر قريش، قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد صلى الله عليه وسلم قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أشياء أمرونا بها، فإن أخبركم عنها فهو نبي، وإن لم يفعل فالرجل متقول، فروا فيه رأيكم. فجاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد، أخبرنا عن فتية ذهبوا في الدهر الأول، قد كانت لهم قصة عجب، وعن رجل كان طوافا قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وأخبرنا عن الروح ما هي؟

      قال فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أخبركم بما سألتم عنه غدا) ولم يستثن. فانصرفوا عنه، فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يزعمون خمس عشرة ليلة، لا يحدث الله إليه في ذلك وحيا ولا يأتيه جبريل، حتى أرجف أهل مكة وقالوا: وعدنا محمد غدا، واليوم خمس عشرة ليلة، وقد أصبحنا منها لا يخبرنا بشيء مما سألناه عنه؛ وحتى أحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث الوحي عنه، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة، ثم جاءه جبريل عليه السلام من عند الله عز وجل بسورة أصحاب الكهف فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم، وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية، والرجل الطواف[8], وورد ذكر الروح في سورة الإسراء.

      يتبع بإذن الله




      [flash=http://dc05.arabsh.com/i/02589/xxh6jz8x95k0.swf]WIDTH=531 HEIGHT=232[/flash]

      تعليق


      • #4
        تأملات في قصة أصحاب الكهف...(1)

        عرض موجز للقصة

        {إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا}(الكهف:10)

        ليمكثوا فيه بعيدا عن أعين الراصدين لهم والباحثين عنهم من قبل الملك الذي أرسل في طلبهم من يأتي بهم بعد أن هربوا من بطشه وظلمه.

        جمعوا بين الأخذ بالأسباب والتوجه إلى العزيز الوهاب فقالوا ( رَبَّنَا ): وفي التعبير بعنوان الربوبية تأدب مع الله تعالى, أي يا من خلقتنا ورزقتنا وهديتنا {آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا} , دعاء صادق من قلوب خالصة ونفوس زكية ترجو رحمة ربها وتلتمس رشده , فكان أن عمهم الله بفضله وشملهم برحمته وأحاطهم بعنايته.

        وفي هذا درس عملي للدعاة والمصلحين أن لا يغفلوا عن سلاح الدعاء مع مراعاة الأدب مع الله, وانتقاء العبارات المناسبة فلكل مقام مقال, وفي القرآن الكريم والسنة النبوية أدعية مباركة لها دلالتها وخواصها وآثارها وفعاليتها, فأهل الكهف التمسوا أمرين مهمين هما رحمة الله بهم وإرشاده لهم, وفي طلبهم للرحمة مع الرشاد ما يدل على أنهم ماضون في طريق الحق ثابتون عليه مهما كلفهم من تضحيات.

        وتتجلى أهمية هذا الدعاء للدعاة والمصلحين حين يواجهون المحن والابتلاءات والفتن والعقبات أو تتشعب بهم الآراء, أو يقفون على مفترق الطرق.

        { فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا }(الكهف:11)

        فالسمع هو الوسيلة الرئيسة في تنبيه النائم خاصة من ينام بمعزل عن الناس, والنائم لا يسمع في العادة ما حوله من أصوات بمجرد استغراقه في النوم.

        {ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَي الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا}(الكهف:12)

        أي ليتحقق ذلك الذي في علم الله تعالى عيانا, حيث يصير هذا العلم واقعا معاينا, فيتبين أي الحزبين أحصى أمدهم أي مدة لبثهم في الكهف حيث صارت تلك المدة موضع خلاف بين العلماء , أو المراد بالحزبين أهل الكهف حيث زعم بعضهم أنهم لم يلبثوا إلا يوما أو بعض يوم وبعضهم ظن أن المدة طالت فتوقف وفوض علم المدة إلى الله كما سيأتي بيانه في الحوار الذي دار بينهم عندما انتبهوا من نومهم فتساءلوا بينهم قال تعالى{وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ}(الكهف:19)

        الفتية في رحاب الإيمان

        {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ} تفصيل بعد إجمال وتقرير بعد بيان, فالقرآن الكريم كتاب الحق نزل بالحق على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق إلا بالحق وقصصه الحق وكل ما فيه من حكم وأحكام وعبر وعظات ووعد ووعيد هو الحق من عند الله.

        والذي يقص نبأهم هو العليم بحالهم, المدبر لشئونهم , وفي هذا تشويق للقارئ ؛ حين يسمعها من المولى عز وجل. وفي التعبير بالنبأ إشارة إلى أن قصتهم لها شأن عظيم وخطب جليل .

        {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ}

        وفي التعبير بالفتوة بيان لحداثة سنهم وقوة إرادتهم وحماسهم للحق .

        واختلفوا في سبب إيمانهم قيل إنهم آمنوا عن طريق حواري المسيح عليه السلام ونقل المفسرون رواية مردها إلى الإسرائيليات[16].

        وقيل إنما استجابوا لنداء الفطرة فاهتدوا بفطرتهم السليمة وعقولهم الغضة.

        فائدة:

        فى قوله تعالى { إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى }

        إشارة إلى حداثة سنهم وفتوتهم وطاعتهم لربهم في هذه المرحلة المهمة في حياة الإنسان مرحلة الشباب, وهى مرحلة البذل والعطاء, ومرحلة القوة والحماس, ولقد عُنى الإسلام بإعداد الشباب وتوجيههم ورعايتهم, فهم عماد الأمة وأساس نهضتها ونبراس حضارتها ومنطلق تقدمها وتحررها, ومبعث عزها وصناع أمجادها.

        وصدق الشاعر هاشم الرفاعى رحمه الله حيث يقول :-

        ملكنا هذه الدنيا قرونــا وأخضعها جــدود خالدونا

        وسطرنا صحائف من ضيـاء فما نسى الزمان ولا نســينا

        بنينا حقبة فى الأرض ملكـا يدعمه شباب طامـحـونــا

        شباب ذللوا سبل المعالــى وما عرفوا سوى الإسلام دينـا

        تعهدهم فأنبتهم نباتــــًا كريما طاب في الدنيا غصونــا

        إذا شهدوا الوغى كانوا كماة يدكون المعاقل والحصونـــا

        شباب لم تحطمـــه الليالي ولم يسلم إلى الخصم العرينــا

        وإن جن المساء فلا تراهـم من الإشفاق إلا ساجدينـــا

        كذلك أخرج الإسلام قومي شبابا مخلصاً حراً أمينــــا


        إن مرحلة الشباب مرحلة حاسمة فى حياة الإنسان لها أهميتها ولها خطرها

        وحين ينشأ الشاب فى رحاب القرآن ويحيا تحت ظلال الإيمان فإن جزاءه يوم القيامة أن ينعم بظل الرحمن, قال صلى الله عليه وسلم (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل وشاب نشأ في طاعة الله )[17] الخ الحديث .

        وهنيئاً لشاب حافظ على شبابه وصرفه في طاعه ربه, سيما فى مجتمعات شاعت فيها الفتن, فتن الشبهات, وفتن الشهوات, فترى الأديان المحرفة والرايات الزائفة, وتجد من يشوه الحقائق ويزخرف الأباطيل, وينشر الفساد والانحلال.

        وعجباً لمن يحفظ شبابه في هذا التيه, ويصارع أمواج الفتن ويجابه أعاصير المحن فيصمد ويثبت ويعبر هذه المرحلة الحاسمة سالماً معافى ؟

        روى الإمام أحمد في مسنده عن عقبة مرفوعاً: (إن الله ليعجب للشاب لا صبوة له)[18]

        {وَزِدْنَاهُمْ هُدًى}

        أي بصرناهم بمقتضيات الإيمان وأركانه وبراهينه, فازدادوا إيمانا على إيمانهم وهدى على هداهم مصداقا لقول الحق جل وعلا (وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا}(مريم:76)

        وقوله تعالى {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ}(محمد:17)

        فكما أن الإيمان يزيد وينقص فكذلك الهداية.

        قال أبو السعود :" (وَزِدْنَاهُمْ هُدًى)بأن ثبتناهم على الدين وأظهرنا لهم مكنونات محاسنه"[19]

        والذي يتأمل حديثهم الممتع وعرضهم الرائع لأصول الإيمان وإدراكهم لما عليه قومهم من كفر وضلال, ودقة براهينهم وعمق تحليلاتهم وتبصرهم بأمر دعوتهم وتحليهم بمكارم الأخلاق في مجتمع ساد فيه الفساد والانحلال وعمه الكفر والضلال , المتأمل في ذلك كله يدرك أنهم كانوا على بينة من أمرهم و علم نافع وبصيرة نافذة نابعة من أصول شرعية كانت ثمرة لدعوة وتربية من أحد المؤمنين بالدين الحق الذي جاء به نبي الله عيسى عليه السلام ,

        فضلا عن فطرتهم السليمة وعقولهم الراجحة التي كانت سبباً لهدايتهم

        {وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا}(الكهف:14)

        {وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ} أي: شددنا عليها وثبتناها, ليواجهوا رياح الفتن وأعاصير المحن ويجابهوا موجات الكفر العارمة وتياراته الجارفة التي تولى كبرها وحمل لواءها الملك وبطانته ودعاة الكفر وسدنته, فألهم الله عز وجل أولئك الفتية بالصبر والثبات في مجابتهم لتحالف الشر.

        قال صاحب روح البيان: "{وربطنا على قلوبهم} أي قويناهم حتى اقتحموا مضايق الصبر على هجر الأهل والأوطان والنعيم والإخوان واجترأوا على الصدع بالحق من غير خوف ولا حذر , والرد على دقيانوس الجبار[








        التوقيع



        [flash=http://dc05.arabsh.com/i/02589/xxh6jz8x95k0.swf]WIDTH=531 HEIGHT=232[/flash]

        تعليق


        • #5









          تعليق


          • #6










            ياربُّ أنت رجائي ... وفيك حسَّنتُ ظنِّي

            ياربُّ فاغفر ذنوبي ... وعافني واعفُ عنِّي

            العفوُ منك إلهي ... والذنبُ قد جاءَ منِّي

            والظنُّ فيك جميلٌ ... حقِّق بحقك ظنِّي


            تعليق


            • #7
              sigpic

              تعليق


              • #8
                شكرا لمروركن



                [flash=http://dc05.arabsh.com/i/02589/xxh6jz8x95k0.swf]WIDTH=531 HEIGHT=232[/flash]

                تعليق


                • #9

                  تعليق


                  • #10
                    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
                    جزاكـ الله الجنه اشكركـ ديني حياتي على الموضوع سلمتـ يمناكـ تحياتي لك ومودتي
                    sigpic

                    اللهم

                    اَرحم من اشتاقت لهْم اَرواحنا

                    وٌهْمْ تٌحْتً الٌترْابْ..!
                    وٌهْمْ تٌحْتً الٌترْابْ.

                    تعليق

                    المتواجدون الآن 1. الأعضاء 0 والزوار 1.

                    أكبر تواجد بالمنتدى كان 2,525, 26-09-2016 الساعة 21:58.

                    شاركي الموضوع

                    تقليص

                    يعمل...
                    X