إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الشيخ القرضاوي يحذر مجددا من التغلغل الشيعي...

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الشيخ القرضاوي يحذر مجددا من التغلغل الشيعي...

    القرضاوي يحذر مجددًا من خطط إيرانية لنشر التشيع الإسلام اليوم/ صحف 9/10/1429 5:41 م 09/10/2008


    جدد الداعية الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي (رئيس المجلس العالمي لعلماء المسلمين)، تحذيره من الغزو الشيعي للمجتمعات السنية، لافتًا إلى أن وراءه دولة لها أهدافها الاستراتيجية، وتسعى من خلاله إلى توظيف الدين والمذهب لتحقيق أهداف التوسع ومد مناطق النفوذ.
    وقال القرضاوي في بيان جديد وجّهه لأمين مجلس حقوق الإنسان المصري الدكتور أحمد كمال أبو المجد، ونشرته صحيفة الوطن السعودية: إنه أراد من خلال تحذيره الأخير من الغزو الشيعي للمجتمعات السنية أن يُنذر قومه ويصرخ في أمته؛ محذرًا من الحريق المدمر الذي ينتظرها إذا لم تصحُ من سكرتها وتنتبه من غفلتها، وتسد الطريق على المغرورين الطامحين الذين يطلقون الشرر فيتطاير ولا يخافون خطره".
    وأكد في بيانه قائلاً: "ما كنت يومًا من الأيام مُهيِّجًا ولا داعيًا إلى فتنة ولا فرقة، بل داعية إلى التقريب بين الفرق الإسلامية"، مشيرًا إلى أن المناداة بإغلاق الملف فرار من المواجهة مع الواقع، والواجب التصدِّي بالحكمة والاعتدال.
    كما أوضح أن الخطر في التشيع هو أن وراءه دولة تسعى لتوظيف المذهب لتحقيق أهدافها الاستراتيجية التوسُّعية، ومد مناطق النفوذ، حيث تصبح الأقليات التي تأسَّست عبر السنين أذرعًا وقواعد إيرانية فاعلة لتوتير العلاقات بين العرب وإيران، وصالحة لخدمة استراتيجية التوسع القومي الإيراني.

    وهذا نص البيان
    "سعادة الأستاذ الدكتور أحمد كمال أبو المجد
    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
    لقد قرأتُ رسالتك المنشورة في صحيفة (الدستور) المصرية، ودقَّقت النظر فيها. وعجبتُ أن تَصدُر من مثلك، وأنت السياسي المجرِّب، والقانوني البارع، والإسلامي المعروف، وسليل العائلات الشرعية العريقة أبوَّة وخؤولة.
    والذي أدهشني في الرسالة: أنك تخاطبني وكأنك لا تعرفني، ولا تعرف اتجاهي، ولا مواقفي ولا تاريخي الفكري والدعوي، على أننا طالما التقينا في مجالات شتَّى، في مصر، وفي قطر، وفي الجزائر، وفي البحرين، وفي الأردن، وفي روما، وفي غيرها. وما كنتُ يومًا من الأيام مُهَيِّجًا ولا داعيًا إلى فتنة ولا فُرقة. بل داعية إلى التقريب بين الفرق الإسلامية، وحين سعيتُ إلى تأسيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، دعوتُ فيه ممثِّلين لكلِّ الفرق والمذاهب المتَّبعة والمعروفة في الأمة، التي لم تنشق عن الأمة تمامًا، ولم تمرُق من الإسلام وعقائده الأساسية.
    فدعوتُ إخوة يمثِّلون كلَّ الطوائف والمذاهب الإسلامية: من الزيدية، ومن الإمامية الإثنى عشرية، ومن الإباضية، وكان من الذين دعوتهم: آية الله محمد علي تسخيري، الذي عرَفتُه منذ سنين طويلة، وجَّهتُ إليه الدعوة، ورشحتُه لمجلس الأمناء، ثم للمكتب التنفيذي، بل رشحتُه ليكون أحد نوابي، وأوصيتُ بانتخابه، وهذا كلُّه في إطار حرصي على التقريب، والتوحيد، وهو تتِمَّة لما قمتُ به في هذا المجال، من المشاركة في مؤتمرات التقريب، التي عُقدت في الرباط، وفي دمشق، وفي البحرين، ثم في الدوحة.
    ولكن دعوتي إلى التقريب لم تكن مطلقة، بل كانت مقيَّدة، وكانت مشروطة، فمنذ مؤتمر المغرب، وأنا أبصِّر وأذكِّر بالعقبات التي تقف في سبيل التقريب، وبدون معالجتها يصبح التقريب مجرَّد مؤتمرات تُعقد وتنفضّ، وتُسفر عن قرارات وتوصيات هي حبر على ورق.
    من هذه العقبات التي أكَّدتها في كلِّ مؤتمر:

    1. الموقف من القرآن الكريم، وأنه كلام الله المكتوب في المصحف، لا يقبل الزيادة ولا النقصان.
    2. الموقف من الصحابة وأمهات المؤمنين، الذين نقلوا إلينا القرآن، وحفظوا لنا السُّنن، وهم تلاميذ المدرسة المحمدية، وهم الذين فتحوا الفتوح، وأدخلوا الأمم في الإسلام، فلا غرو أن أثنَى عليهم القرآن، وأثنَى عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم، وجعل قرنهم خير القرون بعد قرنه، كما سجَّل لهم التاريخ بطولات وصفحات ومواقف أخلاقية بمداد من نور. فلحساب مَن نُشوِّه تاريخ هؤلاء الأبطال؟ ولماذا يريد بعضٌ منا أن يصوِّر تاريخ خير قرون الأمة وكأنه ظلمات بعضها فوق بعض؟
    3. التوقف عن نشر المذهب الاعتقادي في البلاد الخالصة للمذهب الآخر. فإنك قد تكسب عشرة أو عشرين أو مئة أو مئتين، أو ألفًا أو ألفين، ولكن حين يكتشف المجتمع أنك تحاول تغيير عقائده، ومحاربة مذهبه، سيتَّجه إليك باللعنة، وستقف الملايين كلُّها ضدَّك، ولكن الخطورة أن يتأخر هذا الاكتشاف.
    4. الاعتراف بحقوق الأقلية، الدينية والسياسية، سواء كانت الأقلية سنية أم شيعية.
    وهذا ما صارحتُ به الإخوة في إيران؛ حين زرتُهم منذ عشر سنوات، في الولاية الثانية للرئيس محمد خاتمي، الذي يتَّمتع بأفق رحب، وعقل متفتِّح، والذي قابل تحيتي بمثلها، حينما حضر إلى الدوحة منذ سنتين للمشاركة في أحد المؤتمرات، وأصرَّ على أن يزورني في بيتي.
    كما صارحت المشايخ وآيات الله حيثما لقيتُهم، في طهران، وفي قم، وفي مشهد، وفي أصفهان، المدن التي زرتُها.


    من شأن النذير أن يصرخ:

    وما تمنيتموه من أن لو كان إعلان موقفي هذا بيني وبين إخواني من علماء الشيعة في إطار محدود، بدل إعلانه على عوام الناس في الصحف, أقول: هذا قد تمَّ يا دكتور خلال أكثر من عشر سنوات, تمَّ في مؤتمرات التقريب, وتمَّ خلال زيارتي لإيران سنة 1988م بيني وبين علماء طهران وقم ومشهد وأصفهان. وتمَّ فيما كتبتُه من بحوث ورسائل آخرها رسالة (مبادئ في الحوار والتقريب بين المذاهب "الفرق الإسلامية"), ولكني وجدتُ أن المخطط مستمر, وأن القوم مصمِّمون على بلوغ غاية رسموا لها الخطط, ورصدوا لها الأموال, وأعدُّوا لها الرجال, وأنشئوا لها المؤسسات، ولهذا كان لابد أن أدقَّ ناقوس الخطر. وأجراسُ الخطر - يا دكتور - لا تؤدِّي مهمَّتها ما لم تكن عالية الصوت, تُوقظ النائم, وتنبِّه الغافل, وتُسمع القريب والبعيد. أرأيتَ أجراس إنذار الحريق؟ وما تُحدثه من دويٍّ هائل قد يُزعج بعض مرهفي الحساسية, ولكن هذه طبيعتها.
    وأنا أردتُ أن أنذر قومي, وأصرخ في أمتي, محذِّرًا من الحريق المدمِّر الذي ينتظرها إذا لم تصحُ من سكرتها, وتتنبه من غفلتها, وتسدّ الطريق على المغرورين الطامحين الذين يُطلقون الشرر فيتطاير, ولا يخافون خطره!
    أنا النذير لقومي يا دكتور, والنذير لا يجلس في غرفة مغلقة ويصيح، وسيعلم المخالفون من قومي من قريب أني أنا المصيب وهم المخطئون, ولا أحبُّ أن أتمثَّل بقول الشاعر:
    أمرتهمو أمري بِمُنْعَرَجِ اللِّوَى *** فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد!
    وقد قال تعالى في شأن قوم: «وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ» [القمر: 4، 5].
    على أن ما نبَّهت عليه، وما حذَّرت منه - يا دكتور - واضح كلَّ الوضوح, كالشمس في ضحى النهار, لا يحول دونها سحاب ولا دخَان.
    فالغزو الشيعي للمجتمعات السنية أقرَّ به الشيعة أنفسُهم, هل نريد أن نكون ملكيين أكثر من الملك؟
    لقد أقرَّ بهذا الرئيس السابق رفسنجاني, والذي يعدُّونه الرجل الثاني في النظام الإيراني في لقائي معه على شاشة الجزيرة في 21/2/2007م.
    فقد رفض أن يقول أي كلمة في إيقاف هذا النشاط الشيعي المبيَّت, وقال: إنسان عنده خير كيف نمنعه أن يبلِّغه؟
    ووكالة الأنباء الإيرانية (مهر) اعتبرت انتشار المذهب الشيعي في أهل السنة من (معجزات آل البيت)!
    وآية الله التسخيري لم ينكر ذلك, ولكنه اعترض على تسميتي (التبليغ الشيعي) تبشيرًا, وهو المصطلح المستعمل في نشر النصرانية, وكأنه يشير بكلمة (تبليغ) إلى أن الشيعي مأمور بتبليغ مذهبه وعقيدته, كما أن الرسول مأمور بتبليغ ما أُنزل إليه من ربه, وكلمة (تبشير) كما ذكرتُ في بياني السابق, مقتبسة من تعبير الإمام محمد مهدي شمس الدين رحمه الله.
    وآية الله الشيخ محمد حسين فضل الله, أنكر عليَّ أني لم أغضب من أجل نشر التبشير المسيحي, كما غضبت من أجل نشر التبشير الشيعي, وقد رددتُ على هذا الزعم في بياني السابق.
    على أن الواقع العملي هو أصدق شاهدٍ على ما أقول, فها نحن نرى مجتمعات سنيةً خالصةً, لم يكن فيها من عشرين سنة شيعي واحد, ولم يكن فيها أي مشكلة تؤذن بصراع ديني فِرَقِي (طائفي) قد أمسى فيها شيعة يتحدثون وينشطون ويتحرَّكون، ولهم صوت مسموع، ويطمعون أن يزدادوا ويكثروا، ويسعوْن إلى أن ينموا ويتوسَّعوا.
    ومَن يستريب في قولي، فلينظر إلى مصر والسودان وتونس والجزائر والمغرب وغيرِها، فضلاً عن البلاد الإسلامية في أفريقيا وآسيا، ناهيك بالأقليَّات الإسلامية في أنحاء العالم. بل يجب أن ينظر إلى أرض الإسراء والمعراج فلسطين، التي حاول الشيعة في إيران اختراقها، وفُتن قليل منهم بذلك، كما حدَّثني بعض رؤساء الفصائل، وهذه جريمة لا تُغتفر، لضرورة الفلسطينيين إلى التوحُّد لا إلى مزيد من الانقسام.

    متى يكون الوقت مناسبا؟

    والقول بأن تحذيري جاء في غير وقته: غير مفهوم. فمتى وقته إذن؟ أبعد خراب البصرة - كما يقال - يكون وقته؟
    أعتقد أن هذا هو وقت البيان الواجب، بل ربما تأخَّرنا بعض الوقت، ومن المتَّفق عليه بين الأصوليين: أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.

    ما الخطر في نشر التشيع في عالم السنة؟
    وقد يسأل سائل: وما الخطر في ذلك؟

    الخطر في ذلك نراه بأعيننا، ونلمسه بأيدينا، في بلاد الصراع المذهبي (الطائفي) الذي راح ضحيَّته عشرات الألوف ومئات الألوف، كما هو جلي لكلِّ ذي عينين في العراق، مليشيات الموت، وتحريق المساجد والمصاحف، والقتل على الهُويَّة، وقتل كل من اسمه عمر أو عثمان أو عائشة، إلى آخر ما شهدناه من مآسٍ تقشعر لها الأبدان.
    كما شهدناه في لبنان، وفي اجتياح حزب الله أخيرًا لبيروت، وما صاحبه من جرائمَ لا تكاد تصدَّق.
    بل حسبنا ما يجري في اليمن الآن من صراعات دموية بين الحكومة من جهة وبين الحوثيين الذين كانوا زيدية مسالمين ومتآلفين مع إخوانهم الشافعية، فلما تحوَّلوا إلى اثنى عشرية، انقلبوا على أعقابهم، يحاربون أهلهم، ويقاتلون قومهم.
    وهذا مثلٌ بارز يجسِّد الخطر الذي نخافه ونحذِّر من وقوعه.
    الخطر في نشر التشيع أن وراءه دولة لها أهدافها الاستراتيجية، وهي تسعى إلى توظيف الدين والمذهب لتحقيق أهداف التوسُّع، ومد مناطق النفوذ، حيث تصبح الأقليات التي تأسَّست عبر السنين أذرعًا وقواعد إيرانية فاعلة لتوتير العلاقات بين العرب وإيران، وصالحة لخدمة استراتيجية التوسع القومي لإيران.

    إغلاق الملف:

    وأعجب ما قرأتُه في رسالة صديقنا الدكتور كمال أبو المجد، قوله: إن لي عندكم دعوة ورجاءً، أن تسارعوا - دون انتظار دعوة من أحد - إلى إغلاق هذا الملف بغير إبطاء، وكأنه ما فُتح!!
    ولماذا فُتح إذن؟ أفُتح بدون وعي؟ أم بوعي وبصيرة؟ وهل فُتح لأمر يستحقُّ أن يفتح من أجله أم فُتح عبثًا ولهوًا، أم اعتباطًا ومصادفة؟
    إني فتحتُ هذا (الملف) لأني شعرتُ بالخطر يهدِّد أمتي بمزيد من الانقسام في المجتمع الواحد، ومزيد من الصراع، فبادرتُ بتنبيه قومي على الخطر، ورجوتُهم أن ينتبهوا للمآلات وللمخاطر التي يمكن أن تحيق بهم.
    إن الرائد لا يكْذب أهله، والأمين لا يخون قومه، ولا يسع امرأً يؤمن بالله واليوم الآخر، أن يغمض العين على ما يجري من حوله من تشييع المجتمع السني، وهو ساكت.
    كأنك تريدني يا دكتور، أن أخون ديني ورسالتي، وأن أضلِّل قومي وأمتي، وأن أنقض الميثاق الذي أخذه الله على أهل العلم ليبيّنوا للناس الحقَّ ولا يكتمونه، وأن أكون شيطانًا أخرس، حيث أرى بلاد السنة تنتقص أطرافُها أمام الغزو الشيعي، وأقف ساكتًا، لأن السكوت من ذهب!
    إن المناداة بإغلاق الملف: فرارٌ من المواجهة مع الواقع، والواجب في مثل هذه الحال هو المواجهة والتصدِّي، ولكن بالحكمة والاعتدال. وإن كان الدكتور أبو المجد له كتاب (حوار لا مواجهة) ففي بعض المواقف أرى أنه لا بد من المواجهة والحسم. ولكلِّ مقام مقال.

    هل نحجر على نشر المذهب؟

    وقد يتساءل البعض: هل المطلوب هو الحجر على نشر المذاهب الاعتقادية؟ ونقول: إن هذا إذا كان باتفاق أهل المذهبين الكبيرين: السني والشيعي، فلا حرج. إذ يرى الحكماء من المذهبين أن لا حاجة إلى ذلك، لأن نشر المذهب في جماعة المذهب الآخر يثير حساسية وفتنة وتَحَفُّزًا للمقاومة، وهذا ينافي فكرة التقريب. وهو ما اتَّفق عليه العقلاء من علماء المذهبين في لقاءات ومؤتمرات شتَّى (في الرباط والبحرين والدوحة). وتعاهدوا على ذلك، فيجب احترامه ورعايته، «فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ» [الفتح:10].
    وأما إذا أُريد إطلاق الحرية في ذلك، فيجب أن يعلن الفريقان ذلك، وأن يتمَّ ذلك في وضح النهار، دون تسلُّل أو عمل في الخفاء، وأن يكون سلاح الجميع الحجَّة والبرهان، لا المال والإغراءات المختلفة. وأن يكون من حقِّ كلِّ فريق الردُّ العلمي على الفريق الآخر، وأن يسلِّح جماعته بالثقافة الواقية من الغزو. ولاسيما إذا كان غزوًا منظَّمًا يقوم به أفراد مدرَّبون، وتسنده دولة غنية كبيرة، ذاتُ رسالة.
    فإن أولَ ما يقوم به الداعي إلى مذهبٍ اعتقادي: أن يهاجم المذهب الآخر، ويبيِّن أنه ضلال وباطل، وأنه ينتهي بصاحبه إلى النار، وأنه لن ينجِّيه من النار إلا اعتناقُ أصول المذهب الآخر، وهنا يجد المدعو نفسه مضطرًّا للدفاع، وخير وسائل الدفاع الهجوم. فيهاجم مذهب الداعي، ويدلِّل على بطلان أسسه واحدًا بعد الآخر. فيقول السني للشيعي مثلاً: إن دعوى وصية النبي صلى الله عليه وسلم لعليٍّ بالخلافة له ولذريته من بعده، لا أصل لها في القرآن ولا في السنة الصحيحة، وهي تتنافى مع ولاية الأمة على نفسها، وجعل أمرها شورى، «وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ» [الشورى:38]، وقوله تعالى لإبراهيم: «إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَال لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ» [البقرة:124].
    واتهام الصحابة بكتمان الوصية وخيانة الرسول، واغتصابِ حقِّ علي، يناقض ثناء الله عليهم في القرآن في أكثر من سورة، وثناء الرسول عليهم، وثناء التاريخ عليهم، ويتناقض مع موقف عليٍّ الذي كان لهم مُشيرًا ومعينًا، ولم يعلن للناس يومًا أن عنده وصية من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    ولو كان هذا حقًّا لم يتنازل الحسن بن علي عن الخلافة التي بُويع بها، ويدعها لمعاوية حقنًا لدماء المسلمين، وقد أثنى عليه الرسول الكريم بموقفه.
    ودعوى أن عليًّا رضي الله عنه وأحد عشر من ذريته أئمة معصومون لا يجوز عليهم الخطأ، لا دليل عليها من قرآن ولا سنة، وقد أمرنا الله في عدد من آيات كتابه بطاعة الله والرسول، ولم يأمرنا بطاعة الأئمة، إلى آخر ما يقال هنا من الردِّ على الدعاوى والشبهات، وهو كثير وطويل.
    ويستطيع السني أن يعلن بكلِّ اعتزاز: أن مذهبه هو الذي يتوافق مع تطلُّعات البشرية المعاصرة إلى التحرُّر والمساواة، دون تمييز لأسرة لها حقُّ حكمهم بغير اختيارهم، فلا وصية لهم ملزمة من السماء، ولا أحد له حقُّ العصمة، فلا يُعترض عليه.

    لم أَحِدْ عن الوسطية:

    بقيت هنا الإجابة عن سؤال مهم وجَّهه إليَّ بعض الإخوة قائلاً: إنك كنتَ دائمًا من دعاة الوسطية والاعتدال، حتى عُرف هذا المنهج بك، وعُرفتَ به، وقال مَن قال عنك من الباحثين والمفكرين: رائدُ الوسطية. وهو ما نعتقده من خلال مطالعتنا لتراثك ومواقفك، ولكنك في هذه القضية مِلْتَ بقدر ما إلى التشدُّد والمواجهة، فما تفسير ذلك؟
    وأحبُّ أن أبيِّن هنا: أني لم أَحِدْ عن منهج الوسطية قيد شعرة، ولكن بعض الإخوة قد يفهمون الوسطية على غير ما فهمتُها. فهم يحسبون أنها الميل إلى التيسير في كلِّ شيء، وأخذ موقف اللين في كلِّ أمر، وهذا ليس بصحيح.
    فالوسطية عندي: أن أشدِّد في موضع التشدُّد، وأن ألين في موضع اللين. وأن أحرِّم حيث يجب التحريم، وأن أحلِّل حيث ينبغي التحليل.
    ولذا وقفتُ في موضوع (فوائد البنوك) مع المتشدِّدين، ولم أَمِل مع الذين يريدون أن يحلِّلوها بسبب أو آخر، وأصدرتُ كتابي (فوائد البنوك هي الربا الحرام)، وفي كثير من المواقف أتشدَّد تبعًا للأدلة، وإن كان التيسير هو الغالب عليَّ.
    وفي القضايا المتصلة بالعقيدة، أقف كالجبل الأشم، لا أتزحزح، ولا أتزلزل، ومن هنا كان موقفي من الشيعة والتشيع، وهذه هي الوسطية الحقَّة. وهو ما عبَّر عنه أبو الطيب - فأجاد - بقوله:
    ووضع النَّدى في موضع السيف بالعلا *** مُضِرّ كوضع السيف في موضع النَّدى!

    رسالة إلى المفتونين بإيران:

    وأخيرًا كنتُ أودُّ من الدكتور أبو المجد أن يوجِّه رسالته هذه -أو رسالة مثلَها على الأقل- إلى المفتونين بإيران وحزب الله من قومنا، بل من أصدقائه وأصدقائي، الذين يعز عليَّ أن أراهم في موقف يفتقد الشرعية، والذين لم تحدِّثهم أنفسهم بكلمة نقد يوجِّهونها للذين أسفُّوا في خصومتهم معي، وافترَوْا عليّ بالباطل، فخذلوني حيث تجب النصرة، حتى كدتُ أتمثَّل بقول الشاعر:
    وإخوان حسبتهمو دروعًا فكانوها، ولكن للأعـادي!
    وخلتهمو سهامًا صائباتٍ فكانوها، ولكن في فؤادي!
    كنتُ أود من أبي المجد أن ينصح لهم مخلصًا: أن يرفعوا الغشاوة عن أعينهم حتى يبصروا، وينزعوا أصابعهم من آذانهم حتى يسمعوا، أجل، حتى يرَوْا ويسمعوا ما يجري في بلاد السنة من حولهم، ولا يعتبروا ذلك شيئًا لا يستحقُّ الالتفات، فإن (فقه الموازنات) و(فقه الأولويات) الذي قالوا إنهم أخذوه منِّي، يوجب عليهم أن يعيدوا النظر في (تنزيله على الواقع)، فمن المهم أن يُعلم أن البلاء الذي لا يمكن تداركُه وعلاجُه بعد وقوعه مقدَّم فقهًا وشرعًا على البلاء الذي يمكن تداركه (بعد) وقوعه. ومن ذلك تغيير اعتقاد المرء من فرقة إلى فرقة، كانتقال المسلم من السنة إلى الشيعة، فهذا إذا وقع لم يمكن تداركه بحال.
    وقد كان (العراق) ذا أغلبية سنية كبيرة إلى القرن الثامن عشر، ثم بدأ الزحف المخطَّط في غفلة من الدولة العثمانية. بل كانت (إيران) نفسُها سنية، كما يشهد بذلك تاريخ علمائها في التفسير والحديث والفقه والأصول واللغة والأدب والتاريخ وغيرها، ثم أصابها ما أصابها، وغدت اليوم دولةَ التشيُّع الكبرى في العالم.
    ومن أغرب ما قاله هؤلاء الأصدقاء: إن تحذيرنا من الغزو الشيعي لمجتمعات السنَّة، وقوف مع الاستكبار الأمريكي، أو الاستعمار الصهيوني، ولا تلازم بين هذا وذاك، فنحن نرفض الغزو الشيعي، ونقف في وجه الطغيان الأمريكي، والعدوان الصهيوني، جنبًا إلى جنب، ونؤيد المقاومة بكلِّ قوَّة ضد الصهاينة والأمريكان في فلسطين ولبنان والعراق وأفغانستان.
    وزعمهم أن موقفي المحذِّر من الغزو ينافي الدعوة إلى (الوحدة الإسلامية) غير مسلَّم، فالوَحدة الإسلامية إذا لم تقُم على أساس مكين من كتاب الله وسنة رسوله، لن تقوم لها قائمة. ولذا قال تعالى: «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا» [آل عمران:103]. فالوحدة إذا لم تعتصم بحبل الله لا خير فيها، والإسلام يرى أن التفرُّق على الحقِّ خير من الاتحاد على الباطل. ورحم الله ابن مسعود - رضي الله عنه - الذي قال: "الجماعة ما وافقت الحقَّ وإن كنتَ وحدك". وحسبنا قوله تعالى: «وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ» [المائدة:2]، ومثله الاتحاد على الإثم والعدوان، منهيٌّ عنه ولا خير فيه.
    كنا نتمنَّى من أصدقائنا أن يقولوا كلمة واحدة للذين نشتكي منهم: أَنْ كُفُّوا أيديَكم عن المجتمعات السنية اليوم، ولْنتفرغْ جميعًا للصهاينة والأمريكان! ولكنهم لم يقولوها.
    فهل يُراد منا أن ننام على آذاننا حتى يُتم الغزو مهمَّته في عقر دارنا، وتتحوَّل مجتمعاتنا عن معتقداتها وثوابتها، ونحن في غفلة لاهون، وفي غمرة ساهون؟ وإذا رفعنا أصواتنا محذِّرين ومنذرين، كنا مثيري فتنة بين المسلمين؟
    وفي الختام، أريد أن أسجّل هنا نقطة مهمة، فمن العجيب أن وكالة الأنباء الإيرانية قد صمتت، ومراجع الشيعة قد توارَوْا إلى الخلف، وتركوا أهل السنة يردُّ بعضهم على بعض، وهم يتفرَّجون! وهو مشهد مذهل حقًّا: ألا يوجد في المجتمع الشيعي كاتب واحد ينتصر لموقفي، أي لأهل السنة، في إيران أو العراق أو لبنان أو الخليج؟! على حين أن نفرًا من رجال السنة من هنا وهناك -ولاسيما في مصر، بلدِ الأزهر- مَن ركب جواده، وامتشق سلاحه، دفاعًا عن الشيعة المظاليم!
    اللهم إنا نُشهدك على أننا لا نريد إلا الخير والسلام لأمة الإسلام. وكفى بك شهيدًا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    أخوكم
    يوسف القرضاوي.



  • #2
    [align=center]
    يرفع رفع الله قدر الشيخ القرضاوي
    [/align]


    تعليق


    • #3
      ما أحسن هذا الكلام وأراه جامعا مانعا:


      نشر المذهب في جماعة المذهب الآخر يثير حساسية وفتنة وتَحَفُّزًا للمقاومة، وهذا ينافي فكرة التقريب. وهو ما اتَّفق عليه العقلاء من علماء المذهبين في لقاءات ومؤتمرات شتَّى (في الرباط والبحرين والدوحة). وتعاهدوا على ذلك، فيجب احترامه ورعايته، «فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ» [الفتح:10].
      وأما إذا أُريد إطلاق الحرية في ذلك، فيجب أن يعلن الفريقان ذلك، وأن يتمَّ ذلك في وضح النهار، دون تسلُّل أو عمل في الخفاء، وأن يكون سلاح الجميع الحجَّة والبرهان، لا المال والإغراءات المختلفة. وأن يكون من حقِّ كلِّ فريق الردُّ العلمي على الفريق الآخر، وأن يسلِّح جماعته بالثقافة الواقية من الغزو. ولاسيما إذا كان غزوًا منظَّمًا يقوم به أفراد مدرَّبون، وتسنده دولة غنية كبيرة، ذاتُ رسالة


      إن أرادوا إلا التبليغ كل بمذهبه فالحجة بالحجة إذن وفي وضح النهار وليس بأمور دبرت بليل..
      والله المستعان يا شيخنا وحسبنا الله فيمن خذلوك وتركوك في الساحة تنادي لوحدك


      وقد كان (العراق) ذا أغلبية سنية كبيرة إلى القرن الثامن عشر، ثم بدأ الزحف المخطَّط في غفلة من الدولة العثمانية. بل كانت (إيران) نفسُها سنية، كما يشهد بذلك تاريخ علمائها في التفسير والحديث والفقه والأصول واللغة والأدب والتاريخ وغيرها، ثم أصابها ما أصابها، وغدت اليوم دولةَ التشيُّع الكبرى في العالم.

      نعم متى هذا الوقت المناسب؟؟

      والقول بأن تحذيري جاء في غير وقته: غير مفهوم. فمتى وقته إذن؟ أبعد خراب البصرة - كما يقال - يكون وقته؟
      أعتقد أن هذا هو وقت البيان الواجب، بل ربما تأخَّرنا بعض الوقت، ومن المتَّفق عليه بين الأصوليين: أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.

      أنا ما كتبت الشعر يوما متباهية...وما شدوت بمجد أسلافي أو نسبي أو مالِيةْ
      ولا استجدت كلماتي منّة قوم تذللا ... تعاف نفسي صغارا فما كنت له ساعية
      إنما حرك نبضَ يراع ســــــــاكن ..... مصائبُ حلّت بأمتي متتــــــــــالية










      تعليق


      • #4
        والله المستعان يا شيخنا وحسبنا الله فيمن خذلوك وتركوك في الساحة تنادي لوحدك

        جزاك الله خيرا أختي أم بيان على كلماتك ...


        تعليق

        المتواجدون الآن 1. الأعضاء 0 والزوار 1.

        أكبر تواجد بالمنتدى كان 2,525, 26-09-2016 الساعة 21:58.

        يعمل...
        X