الصحبة الصالحة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم

الصحبة الصالحة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أشهد أن لا إله إلا الله و أشهد أن محمد رسول الله


الصحبة الصالحة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم

الصحبة الصالحة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أشهد أن لا إله إلا الله و أشهد أن محمد رسول الله

صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 23

الموضوع: الصحبة الصالحة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم

الصحبة الصالحة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أشهد أن لا إله إلا الله و أشهد أن محمد رسول الله

  1. #1
    عضوة فعالة
    الحالة : صراحة غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 10025
    تاريخ التسجيل : Nov 2007 11
    المشاركات : 65
    التقييم : 50

    افتراضي الصحبة الصالحة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم




    ليلى, أيها, أفضل, مولود, الله, المواقع, الحياة, الجديد, الخير, الدعاء, اليوم, الرسول, الصالحة, الصحبة, الزواج, الولادة, النبي, النساء, القانون, القرآن, برنامج, رسول, صلى, سنة, صور, على, عليه, فهرس, وسلم

    الصحبة الصالحة
    محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم
    أشهد أن لا إله إلا الله
    و أشهد أن محمد رسول الله

    السيرة النبوية

    ( فكرت فى أن يكون هذا القسم ملئ بكل ما يخص رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ليكون مرجع لنا نتعلم ونستفيد منه )

    اللهم وفقنا لخدمة دينك وأعنا على فعل الخير وسدد بالحق طريقنا وألهمنا رشدنا إنك ولي ذلك والقادر عليه,
    اللهم ارزقنا الفقه في الدين والبصيرة في الشريعة وانفعنا اللهم بهدي كتابك ، وارزقنا السير على سنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم .

    رجاء (قراءة فهرس الموضوعات وإضافة الجديد فقط عن سيرة الحبيب صلى الله عليه وسلم )

    أنا أسفة للأطاله بس حقيقى جمعت المواضيع وإستفدت منها حبيبت تستفيدوا معايا منا

    * * تم إعداده بمعرفتي من المواقع الإسلامية والمنتديات .


    فهرس للموضوعات :
    1- مولد أمة على يد الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم .
    2- محمد محمد صلى الله عليه وسلم .
    3- السيرة النبوية .
    - أهمية دراسة السيرة النبوية ومعرفتها .
    - التثبت والتوثق من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم
    - معرفة تفاصيل سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم .
    - دعم صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم .
    - معرفة عظمة الإسلام وقوته .
    - أهم مزايا السيرة النبوية .
    - أولا التوثيق المعتمد على الرواية المسندة المتصلة .
    - ثانيا التدوين المبكر للسيرة النبوية .
    - ثالثا الشمول والوضوح .
    - مصادر السيرة النبوية
    وأهم هذه المصادر ثلاثة وهي:
    - القرآن الكريم
    - السنة النبوية
    - الكتب المؤلفة في السيرة
    - نسب النبي صلى الله عليه وسلم
    - الجذور الأولى للنسب الفاضل
    - نسب النبي صلى الله عليه وسلم
    - الطفولة والصبـا
    - الزواج والرجولة
    - الوحي والنبوة
    4- محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن والسنة
    - نبوة محمد صلى الله عليه وسلم .
    - هذه آيات باهرات ، ومعجزات ظاهرات ، لم يستطيعوا دَفعها
    5- صفاته صلى الله عليه وسلم الخُلُقية والخَلْقية
    - من أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم
    - ما المقصود بحُسن الخلق ؟
    - أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم مع أهله :
    - عدل النبي صلى الله عليه وسلم :
    - كلام النبي صلى الله عليه وسلم :
    - أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم مع الأطفال
    - أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم مع الخدم:
    - رحمة النبي صلى الله عليه وسلم
    - عفو النبي صلى الله عليه وسلم:
    - تواضعه صلى الله عليه وسلم :
    - مجلسه صلى الله عليه وسلم
    - عبادته
    - دعوته
    - مزاح النبي صلى الله عليه وسلم
    - كرم النبي صلى الله عليه وسلم
    - صبر النبي صلى الله عليه وسلم
    - تعاون النبي صلى الله عليه وسلم
    6- جوانب إعلامية في سيرة الرسول
    صلى الله عليه وسلم
    - مزايا إعلامية سامية في شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم :
    - عبقرية محمد صلى الله عليه وسلم الإعلامية
    - تقويم عمل الرسول صلى الله عليه وسلم الإعلامي من خلال سيرته
    - القرآن الكريم كرسالة إعلامية
    - بعض الخصائص الإعلامية للقرآن الكريم
    7- منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في الحفاظ على سمعة الإسلام
    8 - الرحمة النبوية.. منهج إنساني نادر*
    - الإفراط والتفريط في الرحمة
    - خدعة "الإنسانية"(Humanizm)
    - كان ذروة في كل شيء
    - الرحمة العالمية
    - الشفقة مع الأطفال
    - رحمة بالحيوانات.. أيضًا
    9- ملامح العظمة في شخصية الرسول
    صلى الله عليه وسلم
    - سرّ الإنسانية في النبوّة:
    - رسول الرحمة:
    10 - بناء الرسول صلى الله عليه وسلم للجانب الاقتصادي في دولة المدينة
    - إحياء للأرض
    - نهضة زراعية
    - كفالة المهاجرين
    - تنظيم الري
    11 - وجوه العظمة المتعلقة بأمته صلى الله عليه وسلم والأمم الأخرى
    1. كونه صلى الله عليه وسلم أولى بالأنبياء من أممهم:
    2. كونه صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمنين من أنفسهم
    3 . منة الله -جل وعلا- ببعثته صلى الله عليه وسلم على العباد والخلائق:
    4. كونه صلى الله عليه وسلم أكثر الأنبياء أتباعاً من الأمم :
    5. كونه صلى الله عليه وسلم رحمةً للعالمين
    6. كونه صلى الله عليه وسلم أماناً وأمنهً لأمته:
    7. ادخار دعوته صلى الله عليه وسلم لأمته في يوم القيامة:
    8. شهادته صلى الله عليه وسلم على الأمم والأنبياء يوم القيامة:
    9. شفاعته الأمم كلها عامةً ولأمته خاصة:
    10. خيرية أمته وصحابته رضوان الله عليهم أجمعين:
    12- أخلاقيات الرسول صلى الله عليه وسلم في الحروب
    - صلح الحديبية
    - فتح مكة
    13- هل الإسلام دين عنف حقاً؟
    14- جهود النبي في مكافحة الرق والاتجار بالبشر
    - تعاليم نبوية في تحسين أوضاع العبيد
    أولاً: وصيته بالعبيد والإماء:
    ثانيًا: تحذيره صلى الله عليه وسلم من إيذاء العبيد والإماء:
    ثالثًا: أمره صلى الله عليه وسلم بالإحسان إلى العبيد والأماء
    رابعًا: تحريك الجهود الشعبية لمكافحة الاسترقاق.
    كفالة الدولة الإسلامية للعبد المعاق أو المريض
    خامسًا: سن قاعدة "كفارة ضرب العبد عتقه"
    سادسًا: كفالة الدولة الإسلامية للعبد المعاق أوالمريض
    - فرية سن الاسترقاق!
    - تحريم الاتجار بالبشر
    15- رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بذوي الاحتياجات الخاصة
    - الفئات الخاصة في المجتمعات السابقة
    - رعاية النبي صلى الله عليه وسلم لذوي الاحتياجات الخاصة
    - ومن صور هذه الرعاية
    - عفوه صلى الله عليه وسلم عن سفهائهم وجهلائهم:
    - تكريمه ومواساته صلى الله عليه وسلم لهم
    - زيارته صلى الله عليه وسلم لهم
    - الدعاء لهم
    - تحريم السخرية منهم
    - رفع العزلة والمقاطعة عنهم:
    - التيسير عليهم ورفع الحرج عنه
    16- رحمة الرسول صلى الله عليه وسلم بالمسنين
    - تعاليمه صلى الله عليه وسلم في رعاية المسنين..
    - أسس الشريعة السمحاء .
    - نماذج رحمته صلى الله عليه وسلم للمسنين
    - الهدي النبوي في التعامل مع المسنين
    17- صفـة الأبوة لدى النبي صلى الله عليه وسلم
    - شـفـقـتـه على أولاده وأحـفاده
    - التوازن الجم في التربية:
    - حـبـه وحنانه تجاه فاطمة رضي الله عنها
    - تـهـيـئـة أولاده للحياة الأبدية
    - الـجـو العام للتربية في بيته الـكريم
    18-هدي الحبيب صلى الله عليه وسلم في الممازحة
    - أسوة حسنة حتى في الممازحة
    - المصطفى يمازح النساء والأطفال
    - منهج نبوي في المزاح
    19- المنهج النبوي في تدعيم الثقة بالنفس
    - أهمية الثقة بالنفس
    - العوامل التي تدعم الثقة بالنفس لدى الفرد،
    1 ـ تغيير الأسماء القبيحة.
    2 ـ النهي عن تحقير الذات .
    3 ـ الرسائل الإيجابية .
    - أقوال النبي صلى الله عليه وسلم
    4ـ مدح النفس بضوابطه
    - أقوال النبي صلى الله عليه وسلم
    5 ـ توظيف الطاقات
    6ـ عدم توجيه الرسائل السلبية
    - بين الثقة والغرور
    20- عظمة محمد صلى الله عليه وسلم مع أطفال غير المسلمين
    - تعامله صلى الله عليه وسلم مع أطفال غير المسلمين
    1 - الحرص عليهم وهم في أصلاب آبائهم .
    2 - النظرة نحوهم تتميز بالروح الطيبة.
    3 - الحرص على الطفل الموهوب غير المسلم.
    4 - الاهتمام بالأطفال المرضى غير المسلمين ودعوتهم
    5 - عدم تكليف الأطفال غير المسلمين أعباء مالية أو ضريبية في ظل الدولة الإسلامية.
    6 - عدم إكراه الأبناء على اعتناق العقيدة
    7 - الحفاظ على حياة أطفال غير المسلمين وعدم التعرض لهم أثناء الحروب
    8- المسلم في حالة الأسر والظلم وعند الإعدام لا يغدر ولا يقتل أطفال الأعداء:
    21- منهج الرسول صلى الله عليه وسلم البارع في تربية النفوس**
    - تبسمك في وجه أخيك صدقة
    - كل خير صدقة
    - غاية الغايات
    - إيجابية فاعلة
    22- صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم
    23- وصف الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم
    24- غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم ( أتمنى إضافته)


    1- مولد أمة على يد الحبيب
    صلى الله عليه وسلم
    الدكتور: عبد الستار الهيتي**

    في فترة من فترات التاريخ الغابرة، وعلى ثرى البقعة المباركة التي اختارها الله لتكون مثابة للناس وأمنا، وفي ظل أجواء مليئة بالجهل والظلم، وتحكـم الغني بالفقير، وسيطرة القوي على الضعيف؛ كان العالم كله يرقب ولادة جديدة تنتشل الأمة من وهدتها، وتطيح بالظلم والطغيان؛ لتضع الأمور في نصابها وتعيد للإنسانية كرامتها وترتفع بالبشرية من حياة الذل والضياع متطلعة بها إلى حياة العزة والمجد.
    وسط هذه الأجواء الملبدة بغيوم الجهل والشرك والوثنية كانت الولادة المرتقبة؛ فانتبهت مكة على إيقاع صوت الحق ينطلق من بين أزقتها، وأفاقت تلك المدينة المقدسـة الوادعة على أنغام الترحاب بالوليد اليتيم الذي لم يكن يخطر ببال أحـد أنه سيكون منقذا لأمة ومؤسسا لحضارة ومعلما للبشرية وقائدا لركب الإيمان والتوحيد.
    علامة مضيئة
    إنه في صبيحة الثاني عشر من ربيع الأول كان العالم على موعد مع العلم والفضيلة والحضارة التي انطوت جميعها فتمثلت بالميلاد الميمون لرسول الله صلى الله عليه وسلم، في وقت كانت فيه البشرية بأمس الحاجة إلى تصحيح الأفكار وبناء العقائد وبرمجة الرؤى والتوجهات.
    بحيث أصبح ذلك الميلاد علامة مضيئة في التاريخ الإنساني ليس للمسلمين فحسب وإنما للإنسانية جمعاء على اختلاف مللها وتعدد نحلها، ويؤكد هذا المعنى ما أشار إليه أحد الشعراء المسيحيين بقوله:
    أمحـمد والمجد بعض صفاته
    مجّـدت في تعليمك الأديانا
    بعث الجهاد لدن بعثت وجردت
    أسياف صحبك تفتح البلدانا
    ورفـعت ذكـر الله في أميـة
    وثنيـة ونفحـتها الإيـمانا
    مرحـا لأمـي يعـلم سـفره
    نبغـاء يعـرب حكمة وبيانا
    إنـي مسيحي أحـب محـمدا
    وأراه في فلك العلا عنـوانا

    لم يكن ميلاد محمد بن عبد الله العربي القرشي حدثا تاريخيا عابرا يمر عليه المؤرخون مرورا، وإنما مثـّل من خلال نبوته ورسالته أبرز دعوات الإصلاح والتربية في دنيا البشرية على الإطلاق.
    فقد استطاع أن يجعل من جزيرة العرب مصدر إشعاع فكري وثقافي وحضاري، قدمت الأمة من خلاله للعالم صياغة روحية ومادية حملت بين طياتها معالم البعد الرسالي لدعوة الإسلام عقيدة وشريعة ومنهج حياة.
    حيث تمكن محمد -صلى الله عليه وسلم- من أن يتبوأ قمة الهرم ليكون على رأس المصلحين الذين كان لهم أثر بارز في توجيه البشرية نحو الفضيلة والرشاد، وفي هذا يقول أمير الشعراء أحمد شوقي:
    المصلحون أصابع جمعت يـدا
    هي أنت بل أنت اليـدالعصماء
    ففي ميدان الإصلاح العقائدي والفكري كان لمحمد -صلى الله عليه وسلم- الفضل الكبير في ترسيخ معالم عقيدة التوحيد التي تعني إفراد العبودية لله تعالى ونبذ الشرك والوثنية والإطاحة بعبادة الأصنام لتخليص الفكر البشري من سفاهات العقائد الباطلة والترفع به عن عبادة البشر أو الحجر:
    بك يا ابن عبد الله قامت سمحة
    للحق من ملل الهدى غـراء
    بنيت على التوحيد وهو حقيقة
    نادى بها سـقراط والحكماء

    نبذ التمايز الطبقي
    وفي ميدان الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي كان لمحمد -صلى الله عليه وسلم- الباع الطويل في بناء نظرية اقتصادية ترعى الفقراء وتهتم بشئونهم وتحافظ على حقوقهم من أن يتعدى عليها المتنفذون وأصحاب رؤوس الأموال، كما كان له الفضل الكبير في تحقيق العدالة والمساواة بعيدا عن التمايز الطبقي أو التفاوت الاجتماعي:
    جاءت فوحـّدت الزكاة سبيله
    حتى التقى الكرماء والبخلاء
    أنصفت أهل الفقر من أهل الغنى
    فالكـل في حق الحياة سواء
    فلـو أن إنسـانا تخيـّر ملـّة
    ما اخـتار إلا دينـَك الفقراء
    قيم وثوابت
    أما السياسة والقيادة عند محمد -صلى الله عليه وسلم- فلها نمط آخر وصيغة متقدمة لم يستطع العالم الذي يعيش اليوم أوج حضارته وقمة تقدمه الحضاري أن يصل إلى ذلك النهج السوي من حيث الوضوح في الطرح، والصدق في التعامل، والأمانة في العهود، والعدل في الحكم؛ فمزج بذلك السياسة بالأخلاق والقيادة بالرحمة والإمارة بالمساواة، فتحقق بذلك حلم الفلاسفة القدماء وآمال المفكرين الحكماء:
    والدين يسـر والخلافة بيعة
    والأمر شورى والحقوق قضاء
    وإذا أخذت العهد أو أعطيته
    فجميع عـهدك ذمـة ووفاء
    وإذا رحـمت فأنت أم أو أب
    هذان في الدنيا هما الرحـماء

    وعلى أساس هذه الثوابت شيّد "محمد النبي والرسول" قواعد حضارة عربية إسلامية، وبنى مجدا وعزا وعلما لا يزال العالم ينهل منه ويفيد من طروحاته ويرجع إليه عند اشتداد الأزمات واحتلاك الخطوب؛ فالمصدر رباني إلهي، والصياغة محمدية نبوية، وآلية التطبيق عربية إسلامية عاش العالم في ظلالها ردحا طويلا من الزمن ينعم بالأمن والأمان والخير والسلام.
    فلا ظلم ولا طغيان، ولا انتهاك ولا عدوان؛ الجميع تحت مظلة القانون سواسية؛ فكلكم لآدم وآدم من تراب،
    فلا ميزة لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، ولا فرق بين مسلم أو يهودي أو نصراني من حيث الحقوق والواجبات فلهم ما لنا وعليهم ما علينا.
    ومحمد -صلى الله عليه وسلم- يقول: "من آذى ذميا فأنا خصمه" رواه أبو داود،
    ويقول صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس إنما ضل من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها" رواه البخاري.
    وهكذا قدم "محمد صلى الله عليه وسلم " برنامج عمل وصياغة قانونية لدولة العدل والتسامح والمساواة قبل أن يعرف العالم بوادر النهضة الحديثة وقبل أن تبرز طلائع الثورة الفرنسية التي يفخرالغرب بها وبطروحاتها حتى كان ميلاد محمد -صلى الله عليه وسلم-
    ميلاد أمة بكاملها ؛ شيدت حضارة وأقامت دولة ونشرت في ربوع العالم العلم والمعرفة.
    إذا كانت هذه هي المعاني السامية التي قدمها محمد صلى الله عليه وسلم للعالم كافة وللعرب والمسلمين خاصة، فإن الأمة اليوم مطالبة ببرمجتها على أرض الواقع وتقديمها كحلول ناجعة للخلاص من حالة الضياع والتشرذم الذي آلت إليه أحوالها في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
    وإذا كان العامة من أبناء الأمة ملتزمين بالكثير من هذه المفاهيم والمعاني الكبيرة في علاقاتهم الدينية والأخلاقية، فإن خاصتها من المثقفين والسياسيين وأصحاب القرار يحتاجون إلى مراجعة حثيثة لأنفسهم ولخطواتهم ولقراراتهم؛ لتأتي متفقة مع الإرث الحضاري الذي خلفه محمد بن عبد الله لهذه الأمة ولتحظى بالمكانة السامية التي حظي بها أسلافنا يوم سادوا العالم وقدموا له أفضل برامج الحياة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.
    وإلى أن يتحقق ذلك فإن أولي الأمر في هذه الأمة وعلماءها ومثقفيها مطالبون بجهد كبير وسعي حثيث لتصحيح علاقاتهم مع الله أولا ومع شعوبهم ثانيا، عن طريق الحوار الهادف البناء والمرونة في الطرح والتعامل والمشاركة الحقيقية لشعوبهم في آمالهم وآلامهم ليكونوا جزءا من الأمة وليس في أبراج عالية بعيدة عنها.

    يا ربّ أنت غفور وبالسماح قدير

    مالي سواك أغثني وهل لي سواك يجير

    وصلَّ الله على سيدنا محمد.. خير مولود وأحسن مخلوق.. صاحب الشرع المحمود.. والحوض المورود.. واللواء المعقود.. والذي كشف الهم بالسجود.. والشفيع في اليومالمشهود..و على آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربالعالمين.


    hgwpfm hgwhgpm lpl] vs,g hggi wgn ugdi ,sgl gdgn Hdih Htqg l,g,] hgl,hru hgpdhm hg[]d] hgodv hg]uhx hgd,l hgvs,g hg.,h[ hg,gh]m hgkfd hgkshx hgrhk,k hgrvNk fvkhl[ skm w,v ugn tivs






  2. #2
    عضوة فعالة
    الحالة : صراحة غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 10025
    تاريخ التسجيل : Nov 2007 11
    المشاركات : 65
    التقييم : 50

    افتراضي 2- محمد صلى الله عليه وسلم


    2- محمد صلى الله عليه وسلم

    الدكتور سلمان العودة**
    لم يكتب لأحدٍ من البشر من الأثر والخلود والعظمة ما كتب لصاحب النسب الشريف صلى الله عليه وسلم.
    ولقد دونت في سيرته الكتب، ودبجت في مديحه القصائد، وعمرت بذكره المجالس، وبقيت عظمته قمة سامقة لا تنالها الظنون.
    تقلبت به صروف الحياة من قوة وضعف، وغنى وفقر، وكثرة وقلة، ونصر وهزيمة، وظعن وإقامة، وجوع وشبع، وحزن وسرور، فكان قدوة في ذلك كله، وحقق عبودية الموقف لربه كما ينبغي له.

    ظل في مكة ثلاث عشرة سنة، وما آمن معه إلا قليل، فما تذمّر ولا ضجر، وجاءه أصحابه يشتكون إليه ويسألونه الدعاء والاستنصار فحلف على نصر الدين وتمام الأمر، وأنكر عليهم أنهم يستعجلون، فكان الأمر كما وعد، علما من أعلام نبوته، ونصرا لأمر الله، لا للأشخاص.

    وكان من نصره أن تأتيه وفود العرب من كل ناحية مبايعة على الإسلام والطاعة فما تغير ولا تكبّر، ولا انتصر لنفسه من قوم حاربوه وآذوه وعاندوا دينه.

    كما كان يقول أبو سفيان بن الحارث:

    لعـــــمرك إني يوم أحمل راية
    لتغــلب خيل اللات خيل محمدِ
    لكـــالمدلج الــحيران أظلم ليله
    فهذا أواني حين أهدى وأهتدي
    هـداني هــــادٍ غير نفسي ودلني
    عـلى الله من طردته كل مطرد
    وما حملت من ناقة فوق ظهرها
    أبر وأوفى ذمــــة من محــــمد

    فاستل العداوات، ومحا السخائم، وألّف القلوب، وأعاد اللُّحمة، وعرف عدوُّه قبل صديقه أنها النبوة، وأنه لم يكن صاحب طموح شخصي ولا باني مجد ذاتي، وإن كان الطموح والمجد لبعض جنوده.
    تعجب من عفويته وقلة تكلفه في سائر أمره، واحتفاظ شخصيته بهدوئها وطبيعتها وتوازنها مهما تقلبت عليها الأحوال، واختلفت عليها الطرائق.

    إنسان فوق العادة!
    قل إنسان إلا وله طبعه الخاص الذي يبين في بعض الحال ويستتر في بعض، ويترتب عليه استرواح لقوم دون آخرين، ويحكم العديد من مواقفه وتصرفاته حاشاه صلى الله عليه وسلم.
    فهو يُقْبِل بوجهه على كل جليس، ويخاطب كل قوم بلغتهم، ويحدثهم بما يعرفون، ويعاملهم بغاية اللطف والرحمة والإشفاق، إلا أن يكونوا محاربين حملوا السلاح في وجه الحق، وأجلبوا لإطفاء نوره وحجب ضيائه.
    كل طعام تيسر من الحلال فهو طعامه، وكل فراش أتيح فهو وطاؤه، وكل فرد أقبل فهو جليسه.
    ما تكلف مفقودا، ولا رد موجودا، ولا عاب طعاما، ولا تجنب شيئا قط لطيبه، لا طعاما ولا شرابا ولا فراشا ولا كساء، بل كان يحب الطيب، ولكن لا يتكلفه.

    سيرته صفحة مكشوفة يعرفها محبوه وشانئوه، ولقد نقل لنا الرواة دقيق وصف بدنه، وقسمات وجهه، وصفة شعره، وكم شيبة في رأسه ولحيته، وطريقة حديثه، وحركة يده، كما نقلوا تفصيل شأنه في مأكله، ومشربه، ومركبه، وسفره، وإقامته، وعبادته، ورضاه، وغضبه، حتى دخلوا في ذكر حاله مع أزواجه أمهات المؤمنين في المعاشرة، والغسل، والقسم، والنفقة، والمداعبة، والمغاضبة، والجد، والمزاح، وفصلوا في خصوصيات الحياة وضروراتها.

    ولعمر الله إن القارئ لسيرته اليوم ليعرف من تفصيل أمره ما لا يعرفه الناس عن متبوعيهم من الأحياء، وما لا يعرفه الصديق عن صديقه، ولا الزوج عن زوجه، ولا كان أهل الكتاب يعرفون شيئا يقاربه أو يدانيه عن أنبيائهم وهم أحياء؛ وذلك لتكون سيرته موضع القدوة والأسوة في كل الأحوال، ولكل الناس.
    فالرئيس والمدير والعالم والتاجر والزوج والأب والمعلم والغني والفقير.. كلهم يجدون في سيرته الهداية التامة على تنوع أحوالهم وتفاوت طرائقهم.

    والفرد الواحد لا يخرج عن محل القدوة به صلى الله عليه وسلم مهما تقلبت به الحال، ومهما ركب من الأطوار، فهو القدوة والأسوة في ذلك كله.

    وإنك لتقرأ سيرة علم من الأعلام فتندهش من جوانب العظمة في شخصيته فإذا تأملت صلاحيتها للأسوة علمت أنها تصلح لهذا العلم في صفته وطبعه وتكوينه، ولكنها قد لا تصلح لغيره.

    ولقد يرى الإنسان في أحوال السالفين من الجلد على العبادة، أو على العلم، أو على الزهد ما يشعر أنه أبعد ما يكون عن تحقيقه حتى يقول لنفسه:

    لا تـــعرضن لذكرنا مع ذكرهم
    ليس الصحيح إذا مشى كالمقعدِ

    منصب القدوة والأسوة

    فإذا قرأ سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحس بقرب التناول وسهولة المأخذ، وواقعية الاتباع.
    حتى لقد وقع من بعض أصحابه ما وقع
    فقال لهم صلى الله عليه وسلم: "أنا أخشاكم لله، وأتقاكم له، وأعلمكم بما أتقي".
    وقال: "اكلَفوا من العمل ما تطيقون".

    وقال صلى الله عليه وسلم: "إن هذا الدين يسر، ولن يشادَّ الدينَ أحدٌ إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة، والقصدَ القصدَ تبلغوا".
    ولهذا كان خير ما يربى عليه السالكون مدارسة سيرته وهديه وتقليب النظر فيها وإدمان مطالعتها واستحضار معناها وسرها، وأخذها بكليتها دون اجتـزاء أو اعتساف.
    إن الله عز وتعالى لم يجعل لأحد وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المنصب الشريف؛ منصب القدوة والأسوة؛ لأنه جمع هدى السابقين الذين أمر أن يقتدي بهم {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} إلى ما خصه الله تعالى وخيَّره به من صفات الكمال ونعوت الجمال،
    ولهذا قال سبحانه: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} [الأحزاب:21].

    إن حياته صلى الله عليه وسلم وحياة خلفائه الراشدين هي المذكرة التفسيرية والترجمة العملية لنصوص الشريعة.
    ومن الخير أن تظل هذه السيرة بواقعيتها وصدقها محفوظة من تزيد الرواة، ومبالغات النقلة التي ربما حولتها إلى ملحمة أسطورية تعتمد على الخوارق والمعجزات، وبهذا يتخفف الناس من مقاربتها واتباعها ليكتفوا بقراءتها مع هزِّ الرءوس وسكب الدموع وقشعريرة البدن.

    إن الآيات التي تأتي مع الأنبياء حق، لكنها الاستثناء الذي يؤكد القاعدة، والقاعدة هي الجريان مع السنن الكونية كما هي.
    وكثيرون من المسلمين، وربما من خاصتهم يستهويهم التأسي بالأحوال العملية الظاهرة في السلوك والعبادة وغيرها، فيقتدون به صلى الله عليه وسلم في صلاته "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وحجّه "خذوا عني مناسككم"، وسنن اللباس والدخول والخروج..

    وهذا جزء من الاتباع المشروع، بيد أنه ليس كله، ولا أهم ما فيه، فإن اتباع الهدي النبوي في المعاملة مع الله تعالى، والتجرد والإخلاص، ومراقبة النفس، وتحقيق المعاني المشروعة من الحب والخوف والرجاء أولى بالعناية وأحق بالرعاية، وإن كان ميدان التنافس في هذا ضعيفا؛ لأن الناس يتنافسون عادة فيما يكون مكسبة للحمد والثناء من الأمور الظاهرة التي يراها الناس، ولا يجدون الشيء ذاته في الأمور الخفية التي لا يطلع عليها إلا الله، وربما تحرى امرؤ صفة نبوية في عبادة أو عمل واعتنى بها وتكلف تمثلها فوق المشروع، دون أن يكلف نفسه عناء التأمل في سر هذه الصفة وحكمتها وأثرها في النفس.
    وهذه المسائل -حتى التعبدية منها- ما شرعت إلا لمنافع الناس ومصالحهم العاجلة والآجلة، وليست قيمتها في ذاتها فحسب، بل في الأثر الذي ينتج عنها فيراه صاحبه ويراه الآخرون.
    وإنه لخليق بكل مسلم أن يجعل له وردا من سيرة المصطفى عليه السلام،
    - إن كان ناشئا فمثل (بطل الأبطال) لعزام،
    - وإن كان شابا فمثل (الشمائل المحمدية) لابن كثير أو الترمذي، و(الفـصول) لابـن كثير، أو (مختصر السـيرة) أو (الرحيق المختوم) أو (تهذيب سيرة ابن هشام)
    - وإن كان شيخا فمثل (سيرة ابن هشام) أو (ابن كثير)، - وإن كان متضلعا بالمطولات فمثل (سبل الهدى والرشاد) وكتاب (نضرة النعيم).

    رزقنا الله حب نبينا صلى الله عليه وسلم وحسن اتباعه ظاهرا وباطنا وحشرنا في زمرته مع الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.






  3. #3
    عضوة فعالة
    الحالة : صراحة غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 10025
    تاريخ التسجيل : Nov 2007 11
    المشاركات : 65
    التقييم : 50

    افتراضي 3- السيرة النبوية


    3- السيرة النبوية

    السيرة النبوية
    - أهمية دراسة السيرة النبوية ومعرفتها
    - التثبت والتوثق من سيرة الرسول
    - معرفة تفاصيل سيرة الرسول
    - دعم صدق نبوة محمد
    - معرفة عظمة الإسلام وقوته
    - أهم مزايا السيرة النبوية
    - أولا التوثيق المعتمد على الرواية المسندة المتصلة
    - ثانيا التدوين المبكر للسيرة النبوية:
    - ثالثا الشمول والوضوح
    - مصادر السيرة النبوية
    وأهم هذه المصادر ثلاثة وهي:
    - القرآن الكريم
    - السنة النبوية
    - الكتب المؤلفة في السيرة
    - نسب النبي
    - الجذور الأولى للنسب الفاضل
    - نسب النبي
    - الطفولة والصبـا
    - الزواج والرجولة
    - الوحي والنبوة
    أهمية دراسة السيرة النبوية ومعرفتها

    لدراسة السيرة النبوية اهمية عظيمة فى مسيرة الحياة البشرية فإذا كان العظماء والقادة دائما يحرصون على كتابة مذاكراتهم وسيرهم الذاتية حتى يتلمس الناس فى تلك السيرة مواطن الاقتداء والأستفادة

    , إذا كان الأمر كذلك فإن سيرة النبى محمد صلى الله عليه وسلم هى أولى السير بالدراسة ,
    وتمكن أهمية دراسة السيرة النبوية فى النقاط الأساسية الآتية : -

    التثبت والتوثق من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم

    1- التثبت والتوثق من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم لأن سيرته صلى الله عليه وسلم تعد رسمًا لطريقه التى سلكها , وقد أمرنا الله تعالى بإتباع هديه , فكان لا بد من توثيق وإثبات كل ما ينسب إلى سيرة النبى صلى الله عليه وسلم لأن ذلك أصل من أصول الدين . لذلك إمتلأ القرآن الكريم بذكر سير الأنبياء السابقين , وقد ذكر الله تعالى الحكمة من ذلك فى كثير من الآيات من ذلك
    قوله تعالى : {وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَـذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ }هود120
    بعد أن ذكر الله تعالى تسعة عشر رسولا فى آيات متتالية فى سورة الأنعام أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالأقتداء بهديهم
    فقال تعالى : {أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ }الأنعام90

    معرفة تفاصيل سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم
    2- معرفة تفاصيل سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم حتى يمكن الأقتداء به فى جميع شئون الحياة , حيث كانت سيرته تطبيقا عمليا لأحكام الأسلام وسريعته , حتى لا يظن ظان أن هذه الأحكام غير قابلة للتطبيق
    وقد قال الله تعالى : {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً }الأحزاب21
    ( ولما سئلت عائشة رضى الله عنها عن خلق الرسول صلى الله عليه وسلم قالت :
    كان خلقه القرآن )
    النسائى قيام الليل وتطوع النهار (1601) " أبو داود الصلاة (1342) .أحمد (6/216)الدارمى الصلاة (2475 )

    دعم صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم
    3- إن تقديم السيرة النبوية الموثقة بأسانيدها المتصلة إلى مصادرها الأصلية المتضافرة , والتى تبين كل ما يتعلق بحياته صلى الله علية وسلم بجميع تفاصيلها سواء كان فى شئونه الخاصة أو العامة ،
    مهما بلغت تلك التفاصيل من خصوصية، وسرد الحوادث التاريخية التي صاحبت تلك الحقبة مع وجود الآثار المادية التي تؤكد البحوث العلمية صحتها ومطابقتها للمذكور في الحوادث التاريخية كل ذلك يدعم صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه مهما بلغ المرء من عظمة، فإن من العسير أن تتوافر له الظروف التي تمكن من متابعة جميع مسيرة حياته حتى من قبل ولادته إلى وفاته، فإذا تم ذلك لشخص، وتضافرت المصادر المتعددة على رصد وتسجيل مسيرة حياته، دون أن تختلف تلك المصادر على شيء ذي بال، إلا في أمور يسيرة تحتمل التأويل بيسر، دل ذلك على أن هذا ليس أمرًا طبيعيًا بل هو أمر خارق للمعتاد مما يؤكد رعاية الله له تصديقًا لنبوته.
    معرفة عظمة الإسلام وقوته
    4- معرفة عظمة الإسلام وقوته، عندما ندرك أن هذا الدين قد أرسى قواعده وأحكامه، وقلب موازين القوى السياسية والاجتماعية والثقافية لأجزاء كبيرة من الكرة الأرضية، ثم قدم نموذجًا حضاريًا قويًا ظل عطاؤه مستمرًا حتى يومنا هذا، وتظهر لنا هذه العظمة جلية إن علمنا أن هذا البناء الضخم قد تم تشييده في فترة وجيزة هي مدة حياته صلى الله عليه وسلم بعد الرسالة التي لم تجاوز ثلاثا وعشرين سنة فقط.
    أهم مزايا السيرة النبوية
    أولا : التوثيق المعتمد على الرواية المسندة المتصلة
    عن طريق الثقات الأثبات الذين شاركوا الرسول صلى الله عليه وسلم فترات حياته ثم التابعين الذين عاصروا الصحابة وسمعوا منهم وحملوا عنهم. فالصحابة عاشوا مع النبي صلى الله عليه وسلم وشاركوا في صياغة سيرته ثم امتدت حياة الكثيرين منهم لفترة طويلة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فعاشوا مع التابعين فترة طويلة، فلو علمنا أن من الصحابة من امتدت به الحياة إلى سنة مائة أو بعدها بقليل من الهجرة فقد توفى أبو الطفيل عامر بن واثلة عام 101هـ ومحمود بن الربيع 99هـ وعبد الله بن بسر المازني 96هـ وأنس بن مالك 93هـ رضى الله عنهم. وقد علمنا أن تدوين السنة رسميًا قد بدأ في عهد عمر بن عبد العزيز رحمه الله وكانت وفاته سنة (101) هـ إذا علمنا ذلك كله ثبت لنا أن تتابع التلقي للسنة والسيرة لم ينقطع قط، ولم تكن هناك فترة فاصلة بين التدوين والتلقي عن الرسول صلى الله عليه وسلم ثم الصحابة ثم التابعين.
    ثانيا : التدوين المبكر للسيرة النبوية
    فقد بدأ تدوين السنة والسيرة النبوية جنبًا إلى جنب منذ وقت مبكر في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك بكتابة الأحاديث التي تتعلق بالحوادث التي وقعت في زمنه صلى الله عليه وسلم مثل بعثته صلى الله عليه وسلم وبداية نزول الوحي عليه وما لقيه بمكة قبل الهجرة ثم هجرته إلى المدينة، وهجرة بعض أصحابه إلى الحبشة قبل ذلك، وزيجاته صلى الله عليه وسلم وغزواته وأسفاره وغير ذلك من الأمور التي تتعلق بشخصه وسلوكه في حياته كلها. فكل هذه الأمور مثبتة في السنة وكتبها.
    أما التدوين الشامل للسيرة فقد بدأ منذ عهد معاوية بن أبي سفيان رضى الله عنه حيث كان عبد الله بن عباس المتوفى سنة (68) هـ رضى الله عنه يدرس تلاميذه نسب النبي صلى الله عليه وسلم ومغازيه وكان تلاميذه يدونون ذلك، وكذلك فعل عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما المتوفى سنة (63) هـ ومثلهما البراء بن عازب رضى الله عنه المتوفى سنة (74) هـ حيث كان يملي تلاميذه مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    وفي عصر التابعين -الذين عاصروا الصحابة وأخذوا عنهم - بدأ التأليف في السيرة فقد ألف كتاب عروة بن الزبير بن العوام المتوفى سنة (93) هـ وهو ابن الصحابي الجليل الزبير بن العوام - ألف كتاب (مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم)
    وكان أهم تأليف للتابعين هو كتاب أبان بن عثمان بن عفان المتوفى سنة(105) هـ وهو ابن خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أتم كتابه في السيرة والمغازي قبل سنة (83) هـ ثم كتاب وهب بن منبه المتوفى سنة (110) هـ وتوجد قطعة من كتابه (المغازي) في مدينة (هيد لبرغ) بألمانيا. وكذلك موسى بن عقبة المتوفى سنة (141) هـ وتوجد أيضًا نسخة من كتابه (المغازي) في (مكتبة برلين) بألمانيا وهؤلاء جميعًا عاصروا الصحابة وأخذوا عنهم.
    وأشمل كتابين في السيرة هما: (السير والمغازي) لمحمد بن إسحاق المتوفى سنة (151) هـ، و(السيرة النبوية) لابن هشام المتوفى سنة (213) هـ وكلا المؤلفين قد عاصر التابعين وأخذ عنهم.
    ثالثا : الشمول والوضوح
    فقد ثبتت تفاصيل سيرته صلى الله عليه وسلم بصورة شاملة وواضحة في جميع مراحلها منذ زواج أبيه عبد الله بأمه آمنة بنت وهب إلى ولادته صلى الله عليه وسلم ثم إلى بعثته صلى الله عليه وسلم بكل ما مر به قبل ذلك، ثم من نشر دعوته إلى وفاته صلى الله عليه وسلم فكل من أراد أن يعرف تفاصيل حياته صلى الله عليه وسلم يستطيع ذلك بيسر ومن مصادر متعددة ثابتة النسبة إلى مؤلفيها، موثوقة البيانات التاريخية بصورة علمية، فالرسول صلى الله عليه وسلم -كما قال أحد الناقدين الغربيين -
    (هو الوحيد الذي ولد في ضوء الشمس)- فقد تضمنت كتب السنة والسيرة النبوية إضافة إلى القرآن الكريم، تضمنت كل تفاصيل حياته صلى الله عليه وسلم العامة والخاصة، فنحن الآن نعرف بدقة تامة جميع صفاته الخلقية والخلقية والسلوكية، فنعرف على سبيل المثال: لون بشرته وشكل أنفه ومنخره، وشكل فمه وأسنانه، ولون شعره وطوله وهيئة مشيته وجلسته، وكيفية كلامه وضحكه، وأحب الطعام إليه، وكيفية أكله وشربه بل حتى علاقاته الزوجية وسلوكه مع أزواجه‍ ! بل أبعد من ذلك إن آثار بيته وبقاياه، وقبره الذي دفن فيه موجود حتى الساعة، وبالإمكان التأكد من كل الصفات المنسوبة إليه بالوسائل العلمية الحديثة. فقد توفر لسيرته صلى الله عليه وسلم من الحفظ والصون ما لم يتهيأ لبشر من قبله ولن يتوفر لكائن من كان من بعده صلى الله عليه وسلم وهذه المزايا الثلاث تجعلنا على يقين تام بصحة هذه السيرة وأنها سيرة نبي خاتم هو محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ونوقن يقينًا مبنيًا على أساس علمي منهجي بأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله تعالى إلى الناس كافة.
    مصادر السيرة النبوية
    تعد ميزة التوثيق صفة أساسية في كل التراث الإسلامي، وهذه خصيصة خص بها الله تعالى الرسالة الخاتمة وذلك من تمام حكمته، ذلك أن الدين الخاتم يجب أن يكون محظوظًا مصونًا حتى تتعاقب عليه جميع أجيال البشرية إلى قيام الساعة، لذا
    قال الله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }الحجر9
    ومن تمام حفظ الذكر - وهو شريعة الإسلام كتابًا وسنة - حفظ سيرة من جاء به،
    لذا قدر الله تعالى أن تحفظ سيرة رسوله صلى الله عليه وسلم في مصادر موثوقة متعددة،
    وأهم هذة المصادر ثلاثة وهى :-
    القرآن الكريم
    1- القرآن الكريم: فقد جاء في القرآن الكريم كثير من سيرته صلى الله عليه وسلم فقد ذكر الله تعالى حال النبي صلى الله عليه وسلم منذ صغره في
    قوله تعالى: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى }6 {وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى }7 {وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى } 8الضحى
    وذكر حاله بعد بدء نزول الوحي عليه حين خاف وذهب إلى زوجه خديجة يقول لها:
    ( زملوني دثروني)،
    فأنزل الله تعالى: َا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ{1} قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً{2} نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً{3} أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً{4} إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً{5} المزمل
    كما أنزل عليه: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ{1} قُمْ فَأَنذِرْ{2} وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ{3} المدثر
    وذكر قصة زواجه من زينب بنت جحش بعد طلاقها من زوجها زيد بن حارثة رضى الله عنه
    فقال تعالى: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً{36}
    وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً
    {37} مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً{38} الأحزاب
    وقد اشتملت هذه السورة - سورة الأحزاب -على كثير من تفاصيل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم مع أزواجه وأصحابه كما تضمنت تفاصيل كثيرة عن غزوة الأحزاب.
    ومما تضمنه القرآن من السيرة: الآيات النازلة عقب سؤال الصحابة أو غيرهم عن أمر من الأمور، كما حدث حين سألت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم عن
    الروح
    فأنزل الله تعالى: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } 85 الإسراء
    ومن أخص ما تضمنه القرآن من السيرة حادثة الإفك المفترى على زوجه صلى الله عليه وسلم عائشة رضى الله عنها ففّصل تلك الحادثة في أكثر من عشر آيات من سورة النور في الآيات
    قال الله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ{11} لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ{12} لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ{13} وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ{14} إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ{15} وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ{16} يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ{17} وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ{18} إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ{19} وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّه رَؤُوفٌ رَحِيمٌ{20}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ{21}
    وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ{22}
    إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ{23} يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ{24}
    يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ{25}الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ{26}النور

    السنة النبوية
    2- السنة النبوية : وقد سبق أن بينا أن السنة النبوية قد حوت جل تفاصيل السيرة مما رواه النبي صلى الله عليه وسلم عن نفسه أو ما رواه عنه أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين. وقد ذكرنا ما يتعلق بثبوت هذا المصدر، والمنهج العلمي الدقيق الذي وضعه العلماء لدراسة السنة ومصادرها.
    الكتب المؤلقة فى السيرة
    2- الكتب المؤلفة في السيرة: وقد تتبعنا تسلسل التدوين لهذه الكتب، وذكرنا بأنه بدأ منذ عهد الصحابة رضوان الله عليهم، وفي عهد معاوية بن أبي سفيان تحديدًا بدأ التأليف الفعلي واستمر حتى عصر التابعين ومن بعدهم ويمكن مراجعة الفقرة المتعلقة بمميزات السيرة النبوية للوقوف على تفاصيل ذلك.

    نسب النبي صلى الله عليه وسلم
    الجذور الأولى للنسب الفاضل
    لقد اختار الله تعالى محمدًا صلى الله عليه وسلم ليكون النبي الخاتم الذي بشر به الأنبياء السابقون عليهم السلام. فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذا نسب شريف في قومه، إذ إنه كان من أعرق قبيلة عربية وهي قريش ومن أشرف بيت في تلك القبيلة، وهو بيت بني هاشم،
    كما قال صلى الله عليه وسلم ( إن الله اصطفى كنانة من بني آدم، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفاني من بني هاشم، فأنا خيار من خيار) مسلم الفضائل (2276)، الترمذي المناقب (3606)، أحمد (4/107).
    وكان لهذا الاصطفاء أهمية، إذ كانت الأنظار تحيط ببيت النبي صلى الله عليه وسلم والمتمثل في هاشم الجد الأعلى للنبي صلى الله عليه وسلم لذا حفظت سيرة ذلك البيت وأحداثه التاريخية منذ أن انتقلت الزعامة إلى هاشم حيث تولى سقاية الحاج ورفادتهم، فأصبح قبلة وفخر قريش.
    بعد وفاة هاشم تتبع الناس بأبصارهم وولائهم انتقال الزعامة إلى أخيه المطلب، الذي كان رجلًا عظيمًا مطاعًا ذا فضل في قومه. وكان لأخيه هاشم زوجة بالمدينة من بني النجار، ولها من هاشم طفل وضعته بعد موته وسمته عبد المطلب، فلما شب الطفل ذهب إليه عمه المطلب فأخذه من يثرب إلى مكة حيث تربى بها. ثم إن المطلب مات بردمان بأرض اليمن، فولى الزعامة بعده ابن أخيه عبد المطلب، فأقام لقومه ما كان يقيمه آباؤه من السقاية والرفادة وولاية شئون الناس، فشرف في قومه شرفًا لم يبلغه أحد من آبائه، وكان أعظم ما حدث له أنه رأى في المنام آمرًا يأمره بحفر بئر زمزم، وتكررت له هذه الرؤيا ثلاث ليال، فعرف أن الأمر حق، ففعل كما أمر، إذ حفر بئر زمزم التي لا يزال ماؤها ينضح حتى اليوم.
    ثم إن عبد المطلب ولد له عشرة من البنين، منهم عبد الله، وهو أحب أبنائه إليه، وكان لعبد الله هذا واقعة مهمة مع أبيه جذبت أنظار قريش إليه، ذلك أن عبد المطلب كان نذر أن يذبح أحد أبنائه قربانًا لله تعالى إن رزقه عشرًا من البنين، فلما بلغوا عشرا أقرع بينهم، فوقع السهم على عبد الله، فأعاد ذلك فخرج عليه مرة أخرى، فذهب به إلى الكعبة ليذبحه وفاءً نذره، فمنعته قريش من ذلك لما كان لها من حب لعبد الله، ثم إن عبد المطلب لجأ إلى عرافة لترى له مخرجًا من نذره، فأخبرته أن يقرع مرة أخرى فإذا خرج السهم على عبد الله جعل محله عشرة من الإبل، ثم يعيد ذلك كلما خرج السهم على عبد الله، ولم يخرج السهم على الإبل حتى بلغت المائة عندئذ خرج عليها، فنحرها عبد المطلب جميعًا فداء لابنه، ففرحت قريش بذلك.
    وقد كانت هذه الواقعة تقديرًا من الله تعالى، إذ إن عبد الله هذا هو والد النبي محمد صلى الله عليه وسلم
    وقد أشار صلى الله عليه وسلم لذلك بقوله:
    ( أنا ابن الذبيحين)
    يشير بذلك إلى قصة جده إبراهيم الخليل عليه السلام حيث أمره الله تعالى بذبح ابنه في رؤيا رآها، وقصة جده عبد المطلب هذه مع أبيه عبد الله.
    بهذه النبذة اليسيرة يتبين أن مكانة أسرة النبي صلى الله عليه وسلم.
    جعلت أحداثها تحظى بالاهتمام والمتابعة، مما جعل أهم تفاصيلها معلومة بدقة تامة، حتى زواج عبد الله من آمنة بنت وهب بن عبد مناف ابن زهرة بن كلاب، ووفاة عبد الله بعد هذا الزواج الذي خلف لعبد الله ابنه الوحيد من آمنة والذي ولد بعد وفاته بقليل وكان هذا المولود هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    نسب النبي صلى الله عليه وسلم
    لقد اشتهرت العرب بالاهتمام بالأنساب ومعرفتها متصلة متسلسلة بدقة تامة، لذا حفظ التاريخ كثيرًا من التراث النسبي في مؤلفات كثيرة تذكر أنساب القبائل وفروعها، ومما حفظته المصادر، نسب النبي صلى الله عليه وسلم إذ اتفقت جميع المصادر على سلسلة نسببه صلى الله عليه وسلم بلا خلاف يذكر رواية وكتابة، فنسبه صلى الله عليه وسلم هو: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هشام بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر - وهو الملقب بقريش، وإليه تنسب القبيلة - ابن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد ابن عدنان.
    الطفولة والصبا
    لقد سجلت المراجع التاريخية المروية بأسانيد متصلة إلى جميع المصادر الثابتة منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضى الله عنهم - تفاصيل نشأة النبي صلى الله عليه وسلم وما مر بها من أحداث خلال فترة الطفولة والصبا، فذكرت تلك المصادر أنه صلى الله عليه وسلم بعد ولادته تولت إرضاعه حليمة السعدية، حيث كانت عادة العرب أن تدفع بأطفالها إلى نساء البوادي ليقمن بإرضاع الأطفال في البادية حتى ينشأوا على الفصاحة، والفطرة السليمة، والقوة البدنية.
    وقد روت المصادر الإرهاصات التي حدثت لحليمة وزوجها منذ أن حل بهم الطفل الجديد - محمد صلى الله عليه وسلم - إذ تحول حالهما من العسر إلى اليسر، فقد أصبحت شاتهم العجفاء دارة للبن، وحتى حليمة ذاتها أصبح ثديها مدرارا للبن لأنها رضيع النبي صلى الله عليه وسلم وغير ذلك مما روته حليمة فيما ذكرته المصادر.
    وقد بقى الصبي مع حليمة حتى بلغ الخامسة من عمره، وما أعادته إلا أنها خافت عليه من واقعة حدثت له،
    وهي حادثه شق الصدر.
    ذلك أن (ملكين جاءاه صلى الله عليه وسلم وهو بين صبية يلعبون فأخذاه وشقا صدره وأخرجا قلبه وغسلاه في طست ثم أعاداه موضعه فالتأم الجرح كأن شيئًا لم يكن) ( البخارى التوحيد (7079 ) , مسلم الأيمان (162 ) , النسائى الصلاة (452 ) , أحمد (3/288)
    فلما حكى الصبية وفيهم صلى الله عليه وسلم هذه الحادثة لحليمة وزوجها خافا عليه خوفًا شديدًا فقررا إعادته إلى ذويه بمكة، ولكن ما بلغ الصبي السادسة من عمره حتى توفيت أمه آمنة ، فتولى تربيته جده عبد المطلب فلما بلغ الصبي ثماني سنين وشهرين وعشرة
    أيام توفى جده عبد المطلب فانتقلت رعايته إلى عمه أبي طالب، فبقى بكنفه حتى بلغ أربعين سنة. وكان صلى الله عليه وسلم في أول شبابه عمل في رعي أغنام قريش على دراهم يعطونها إياه على ما هي عليه سنة الأنبياء من قبله.

    الزواج والطفولة
    كان صلى الله عليه وسلم مميزًا في شبابه كما هو مميز في طفولته وصباه، فقد برزت فيه أسمى الصفات الخلقية حتى إن قريش لقبته بالأمين، وكانت تضع عنده أماناتها، فلما كانت هذه حاله في قومه فقد جذبت هذه الخصال إليه سيدة قريش وصاحبة التجارة والمال فيهم خديجة بنت خويلد، فأوكلت إليه الاتجار في مالها فكان نعم التاجر الأمين فجرى على يديه لتجارتها نمو كبير، فلما رأت همته وصدقه وأمانته وخصاله الحسنة عرضت عليه الزواج من نفسها وهي بنت الأربعين وهو ابن الخامسة والعشرين فأجابها وتم الزواج، وبقى معها زوجًا وفيًا حتى بلغ الأربعين من العمر.
    وكان أعظم ما مر به مع قريش قبل النبوة، أن قريشًا أرادت أن تعيد بناء الكعبة بعد أن تهدم جزء منها ففعلت حتى إذا بلغت موضع الحجر الأسود، وهو حجر معظم فيها اختلفت قريش فيمن يكون له شرف وضع ذلك الحجر في موضعه واشتد خلافهم حتى أوشكوا أن يفتتنوا، إلا أنهم رضوا برأي من أشار عليهم بتحكيم أول مارّ بهم، فكان أول من مرّ بهم هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، فلما رأوه هللوا جميعًا فرحًا: رضينا بالأمين حكمًا. فعرضوا عيه الأمر، فطلب منهم ثوبًا وضع عليه الحجر الأسود وطلب من كل فريق أن يرشح واحدًا منهم، فرشحت كل قبيلة واحدًا منها، وطلب منهم أن يأتوا فيرفعوه جميعًا، حتى إذا بلغوا به موضعه من الكعبة أخذه هو صلى الله عليه وسلم فوضعه في مكانه، فازداد بهذا الحدث ذكره عند قريش وغيرهم.
    الوحي والنبوة
    مما يجدر ذكره قبل التعرض للوحي والنبوة، واقعة مهمة حدثت في حياة محمد صلى الله عليه وسلم ذلك أنه لما بلغ العاشرة - أو يزيد قليلًا - خرج به عمه أبو طالب في رحلته التجارية إلى الشام، حتى بلغوا بصرى، وهي بلدة في الطريق إلى الشام، التقوا فيها براهب يدعى بحيرا، واسمه جرجيس، نزل عنده الركب، فأكرمهم وأحسن ضيافتهم، ثم إنه رأى معهم الصبي محمد بن عبد الله، فعرفه بوصفه المذكور في كتبهم، فقال وهو آخذ بيد الصبي: هذا سيد العالمين، هذا يبعثه الله رحمة للعالمين، ثم سأل عن أبيه، فقال أبو طالب أنا أبوه، فقال بحيرا: لا ينبغي أن يكون أبوه حيًّا.
    فأخبره أبو طالب بقصته فقال له بحيرا: هذا هو النبي الذي بشر به عيسى، وإنا نجد صفته في كتبنا، ثم قال: احذره من يهود. وقد شب صلى الله عليه وسلم بمكة حتى بلغ الأربعين متميزًا بخصاله التي بهرت من حوله، فقد كان قوي الفطنة، طيب المعشر، جميل السيرة، سليم السريرة، كامل الخلق والخلق، تام المروءة، عالي الهمة طويل الصمت في التأمل والتفكير، محبًا للخلوة معتزلًا للهو والعبث، هاجرًا للأوثان، مطمئن القلب، سامي النفس، حتى إذا كان قريب عهد من النبوة حببّ إليه الخلاء. فكان يخلو بنفسه الليالي ذوات العدد يخلد فيهن إلى غار حراء يتحنث فيه، متأملًا متدبرًا.
    ثم توالت آثار النبوة تلوح عليه، وكان أعظم ذلك الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى شيئًا في منامه إلا كان مثل فلق الصباح في تحققه حتى مضى على ذلك ستة أشهر، ثم نزل عليه الوحي بالقرآن الكريم وهو متحنث في غار حراء، وذلك شهر رمضان في السابع والعشرين منه - على الأرجح –
    وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فيما روته عنه عائشة زوجه رضى الله عنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي، الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى شيئًا إلا جاء مثل فلق الصبح. ثم حبّب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء يتحنث فيه - أي يتعبد فيه- الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة -زوجه - فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ. قال صلى الله عليه وسلم فقلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني
    فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ{1} خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ{2} اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ{3} الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ{4} عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ{5} العلق
    فرجع بها رسول الله يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد، فقال زمّلوني زملونّي، فزمّلوه حتى ذهب عنه الرّوع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلا والله، ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم وتحمل الكّل وتكسب المعدوم، وتقرى الضيف وتعين على نوائب الدهر.
    فانطلقت به خديجة إلى ورقة بن نوفل بن عبد العزّى -، ابن عم خديجة - وكان امرءا تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمى -فقالت له خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى. فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى - عليه السلام - يا ليتني جذعًا، ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو مخرجي هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا. ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي}.
    بعد هذه الواقعة استمر نزول الوحي بالقرآن الكريم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاثة عشر سنة، ثم بالمدينة النبوية بعد الهجرة عشر سنين، حتى اكتمل نزول القرآن، فكان هو الكتاب المتضمن لمعجزة النبي صلى الله عليه وسلم في لغته ومضمونه ومعانيه، بما حواه من أخبار وآيات في الآفاق والأنفس، وحقائق علمية معجزة بجانب كونه الكتاب المتضمن لشرائع الإسلام وأحكام به.
    وقد قضى النبي صلى الله عليه وسلم سنين بعثته الأولى وهي ثلاث عشر سنة بمكة التي اضطهده فيها أهلها وأخرجوه منها مهاجرًا إلى المدينة المنورة التي أنشأ فيها دولة الإسلام وتكاملت بها تشريعات الإسلام وتوسعت دائرته إلى خارج الجزيرة العربية حتى توفاه الله تعالى في السنة العاشرة للهجرة.

    اللهم ارزقنا حبك وحب من يحبك وحب العمل الصالح الذي يقربنا إلى حبك وارزقنا الإخلاص في القول والعمل
    واجمعنا مع نبينا في مقعد صدق عند مليك مقتدر
    ( اللهم آمين )
    أشهد أن لا إله إلا الله و أشهد أن محمد رسول الله .
    - اللهم صلَ على محمد وعلى آل محمد وعلى أصحاب محمد وأجعلنا على الاسلام ثابتين لفرائضك مؤدين وبسنة نبيك محمد (صلى الله عليه وسلم) متمسكين وعلى الصلاة محافظين وللزكاة فاعلين ولرضاك مبتغين وبقضائك راضين واليك راغبين
    ياحي ياقيوم انك جواد كريم برحمتك يا أرحم الراحمين.






  4. #4
    عضوة فعالة
    الحالة : صراحة غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 10025
    تاريخ التسجيل : Nov 2007 11
    المشاركات : 65
    التقييم : 50

    افتراضي 4- محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن والسنة


    4- محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن والسنة

    - نبوة محمد صلى الله عليه وسلم .
    - هذه آيات باهرات ، ومعجزات ظاهرات ، لم يستطيعوا دَفعها ولا ردّها في حقيقة الأمر ، وإنما ردّوها ظلما وعُلوّاً


    الحمد لله الذي كرّم الإنسان بالإيمان ، ومَيّزه بالعقل ، ولم يَجعله كسائر المخلوقات ، تعيش بلا هدف ، أو تعيش لغيرها ، بل جَعَله مُفكِّراً ، يَسمو بِفكره ، ويُعمِل عقله .ومن هنا
    قال الله تعالى : ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ) [الإسراء:70] .
    هذا التكريم الرباني هو في الأصل للأصل ، أي لِجنس النوع الإنساني ، إلا أن الإنسان بِنفسه يسمو بالإيمان ، أو يَنحطّ بانعدامه .
    وقد جَعَل الله له اختياراً ، وأعطاه عقلاً ، وأوضح له السَّبيل ، وأبَان له الطريق
    قال الله تعالى (إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) [الإنسان:2 ، 3] .
    وقال رب العزة سبحانه عن هذا الإنسان : (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ) [البلد:8-10] .
    ومِن عدل الله وحِكمته أن أرسل الرُّسُل ، وأنْزَل الكُتب ، وأقام البيّنات ، ونَصَب الأدلّـة على وحدانيته .
    فأيّـد رُسُله بالمعجزات والآيات الباهرات ، فلم يَبْق أمام أعداء الرُّسُل – بل وأعداء العَقْل – إلا المكابَرة والمعانَدة .
    فإن إنكار الوحدانية لله دَفْع بِالصَّدْر ، وضَرب بالوجْه .
    فإن النفوس شاهدة بأن الله ليس له شريك .
    بل الوجود أجمع شاهد بذلك .
    وقد ضرب الله الأمثلة على ذلك ، فمن ذلك
    قوله تعالى : (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا) [الأنبياء:22]
    أي لو كان في الأرض والسماء آلهة مُتعددة لَفَسَدتِ السماوات والأرض ، فالعقل والمنطق يقول : إما أن يتغلّب إله على إله على آخر ، فيكون الغالِب هو المتفرِّد ، وإما أن يَذهب كل إلهٍ بما له من مُلك ومكان وخَلْق ، وهنا يَفسد أمر السماوات والأرض ، ولذا
    قال رب العزة سبحانه : (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ) [المؤمنون:91]
    ومِن هنا فإننا ندعو كل إنسان مُنصف عاقل أن يتأمل في هذا المعنى ، وأن يَعلم أن دعوة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم لم تَخرج عن دعوات الأنبياء السابقين ، بل هي مُنتظمة في سِلكهم ، سائرة في طريقهم ، مُقتفية آثارهم ، ومن هنا
    قال رب العزة سبحانه : (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ) [الأحقاف:9] .
    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنا أولى الناس بابن مريم ، والأنبياء أولاد علات ، ليس بيني وبينه نبي . رواه البخاري ومسلم .
    وفي رواية لمسلم : أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الأولى والآخرة . قالوا : كيف يا رسول الله ؟ قال : الأنبياء إخوة من علات ، وأمهاتهم شتى ، ودينهم واحد ، فليس بيننا نبي .
    ودعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم استجابة لدعوة أبي الأنبياء إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام ، حينما قال : (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [البقرة:129] .
    هي بِشارة نبي الله عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام .
    قال الله تبارك وتعالى : (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) [الصف:6] .
    ونحن إذ نَضع بين يدي القارئ هذا الموضوع لنرجو الله وندعوه أن يَفتح به أعيناً عُمياً ، وآذانا صُمّـا ، وقلوباً غُلْفا .
    ونضع بين يدي القارئ
    أعظم إنسان في العالم [ محمد صلى الله عليه وسلم ]
    لِيَقف بنفسه على بعض البشارات التي وَرَدتْ في الكُتب المتقدمة من كُتُب أهل الكتابات ، والتي كانت سببا في إسلام الكثيرين من أهل الكتاب .
    كما نضع بين يديه إشارات إلى البشارات من خلال واقع مُعاصِريه صلى الله عليه وسلم ، سواء ممن آمن به أو ممن لم يؤمن به ، وإن كان أضمر ذلك في نفسه ، وأقرّ به في قرارة نفسه .
    كما نُشير إلى طريقة القرآن في إثبات


    نبوة محمد صلى الله عليه وسلم .

    وأشرنا إلى الأدلّـة العقلية التي تقتضي صِدق


    نبوة محمد صلى الله عليه وسلم .

    وأن دعوته ليست بِدعاً من الدعوات ، وهو لم يُخالِف الرُّسل والأنبياء في أصل الدعوة إلى وحدانية الله وإفراده بالعبودية .
    بل هذا أمر اتّفقت عليه الرسالات ، وتتابع عليه الأنبياء ، وأقر به الموحِّدون على مرّ الأزمان ، حتى كان ذلك الإقرار في فترات خَلتْ من الرُّسُل ، كتلك الفترة التي سَبَقتْ مَبعثه صلى الله عليه وسلم ، فقد وُجِد فيها من أفراد الناس من يُوحِّد الله ، ولا يأكل ما ذُبِح لغير الله ، وكان هؤلاء يُنكرون عِبادة غير الله .
    وقد آن أن نترك القارئ مع محاور هذا الموضوع ، وهي كالتالي :
    1- أعظم إنسان في العالم في القرآن والسنه.
    2- أعظم إنسان في العالم في كتب أهل الكتاب.


    ( أعظم إنسان في العالم في القرآن والسنه )

    محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن والسنة
    لقد قرر الله في كتابه الْمُبِين نبوة نبيِّـه محمد صلى الله عليه وسلم بِطُرق كثيرة مُتنوّعة ، " يُعرَف بها كمال صِدقه صلى الله عليه وسلم ، فأخْبَر أنه صدَّق المرسلين ، ودَعا إلى ما دَعوا إليه ، وأن جميع المحاسن التي في الأنبياء فهي في محمد صلى الله عليه وسلم ، وما نُزِّهوا عنه من النواقص والعيوب فمحمدٌ أولاهم وأحقّهم بهذا التنْزِيه ، وأن شريعته مُهيمنة على جميع الشرائع ، وكتابه مُهيمن على كل الكُتُب ، فجميع محاسن الأديان والكُتُب قد جَمعها هذا الكتاب وهذا الدِّين ، وفَاق عليها بِمحاسِن وأوصاف لو تُوجَد في غيره ، وقرّره نبوته بأنه أميّ لا يَكتب ولا يَقرأ ، ولا جَالَس أحدا من أهل العلم بالكُتُب السابقة ، بل لم يُفجأ الناس حتى جاءهم بهذا الكتاب الذي لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله ما أتوا ، ولا قَدَروا ، ولا هُوَ في استطاعتهم ، ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً ، وأنه مُحال مع هذا أن يكون من تلقاء نفسه ، أو مُتقوّل ، أو متوهّم فيما جاء به . وأعاد في القرآن وأبدى في هذا النوع ، وقرّر ذلك بأنه يُخبِر بقصص الأنبياء السابقين مُطوّلة على الوجه الواقع الذي لا يستريب فيه أحد ، ثم يُخبر تعالى أنه ليس له طريق ولا وصول إلى هذا إلا بما آتاه الله من الوحي ،
    كمثل قوله تعالى لما ذَكَر قصة موسى مُطوّلة :
    {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ }القصص46

    {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ }القصص44


    وكما في قوله :{ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ }آل عمران44

    ولما ذَكَر قصة يوسف وإخوته مُطوّلة
    قال : {ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ }يوسف102

    فهذه الأمور والإخْبَارات المفصّلة التي يُفصِّلها تفصيلا لم يتمكّن أهل الكتاب الذين في وقته ولا من بعدهم على تكذيبه فيها ولا مُعارَضته – من أكبر الأدلة على أنه رسول الله حقّـاً .
    وتارة يُقرِّر نبوته بِكمال حكمة الله وتمام قُدرته ، وأن تأييده لرسوله ، ونَصْرِه على أعدائه ، وتمكينه في الأرض موافق غاية الموافقة لِحكمة الله ، وان مَن قَدَح في رسالته فقد قَدَح في حِكْمَة الله وفي قُدْرَته .
    وكذلك نَصْره وتأييده الباهر على الأمم الذين هم أقوى أهل الأرض من آيات رسالته ، وأدلة توحيده ، كما هو ظاهر للمتأمّلين .
    وتارة يُقرِّر نبوته ورسالته بما حازَه من أوصاف الكمال ، وما هو عليه من الأخلاق الجميلة ، وأن كل خُلُق عال سامٍ فَلِرَسول الله صلى الله عليه وسلم منه أعلاه وأكمله ؛ فَمَن عظُمت صِفته وفاقَتْ نُعُوته جميع الْخَلْق التي أعلاها الصِّدق . أليس هذا أكبر الأدلة على أنه رسول رب العالمين ، والمصطفى المختار من الْخَلْق أجمعين ؟
    وتارة يُقرِّرها بما هو موجود في كُتُب الأولين ، وبشارات الأنبياء والمرسلين ، إما باسمه الْعَلَم ، أو بأوصافه الجليلة ، وأوصاف أمّته ، وأوصاف دِينه .
    وتارة يُقرِّر رسالته بما أخبَر به من الغيوب الماضية ، والغيوب المستقبَلة ، التي وَقَعتْ في زمانه ، والتي لا تزال تَقَع في كل وقت ، فلولا الوحي ما وصل إليه شيء من هذا ، ولا له ولا لِغيره طريق إلى العلم به .
    وتارة يُقرِّرها بِحفظه إياه ، وعِصمته له من الْخَلْق ، مع تكالب الأعداء وضغطهم ، وجدّهم التام في الإيقاع به بكل ما في وسعهم ، والله يَعصِمه ، ويمنعه ، وينصره ! وما ذاك إلا لأنه رسوله حقاً ، وأمِينه على وحيه .
    وتارة يُقرِّر رسالته بِذِكْر عظمة ما جاء به ،
    وهو القرآن الذي
    {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ }فصلت42
    وتحدّى أعداءه ومَنْ كَفَر به أن يأتوا بمثله ، أو بِعشر سور مثله ، أو بِسورة واحدة ، فعجزوا ، ونكصوا ، وباؤوا بالخيبة والفَشَل ! وهذا القرآن أكبر أدلّـة رسالته ، وأجلّها ، وأعمّها .
    وتارة يُقرِّر رسالته بما أظهر على يديه من المعجزات ، وما أجرى له من الخوارق والكرامات الدالّـة – كل واحد بِمفرَدِه منها ، فكيف إذا اجتمعت – على أنه رسول الله الصادق المصدوق ، الذي لا يَنطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يُوحى .
    وتارة يُقرِّرها بِعظيم شفقته على الْخَلْق ، وحُنوّه الكامل على أمّته ، وانه بالمؤمنين رؤوف رحيم ، وانه لم يُوجد ، ولن يُوجَد أحد من الْخَلْق أعظم شفقة وبِـراً وإحساناً إلى الخلق منه ، وآثار ذلك ظاهرة للناظرين .
    فهذه الأمور والطُّرُق قد أكثر الله من ذِكرها في كتابه ، وقرّرها بِعبارات مُتنوّعة ، ومعاني مفصّلة ، وأساليب عجيبة ، وأمثلتها تَفوق العد والإحصاء " [ بطوله من القاعدة السابعة من : " القواعد الحسان المتعلقة بتفسير القرآن " للشيخ السعدي رحمه الله ] .
    فهذه الأمور التي قرّرها الشيخ وبسطها هي من ألأدلة العقلية المتّفقة مع الأدلة النقلية ، فالله تبارك وتعالى خاطَب العقول ، ولذا نَعى على العرب أنهم لا يُعمِلون عقولهم في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ، وفيما جاء به رسول الله عليه الصلاة والسلام ، فمن ذلك :

    قوله تعالى : ( أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) [الأعراف:169] .
    وقوله تعالى : ( قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) [يونس:16] .
    وقوله سبحانه وتعالى : ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) [يوسف:2] .
    وقوله عز وجل : ( لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) [الأنبياء:10] .
    إلى غير ذلك من الآيات التي خاطَبتْ عقول الناس ، أفلا ترون إلى هذا النبي الذي أُرسل إليكم ، لم يكن قبل اليوم يتلو من كتاب
    ( وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ) [العنكبوت:48] ؟
    كما أن هذا النبي الذي أُرسِل إليكم لبِث فيكم سنين عددا قبل بعثته ، فأنتم تعرفون خُلُقَه ، وتعرفون أمانته ، وهو ذو نسب فيكم ، بل هو من أشرافكم .
    هذا خطاب للعقول السليمة أن تتفكّر وتتأمّل قبل أن تُكذِّب هذا الرسول الذي يأتيهم بأنباء الغيب ، والتي لم يَجِدوا لها مَدْفَع ، إلا أن يُدفَع في الصَّدْر ، ويُقال عن الشمس في رابعة النهار ليس دونها غيم : هذا ليل !
    فمن ذلك أنه أخبر بنبأ غَلَبة الرُّوم – النصارى – فيما بعد ، وذلك في أَمَـدٍ قريب :
    ( غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) [الروم:2-6] .
    وقد وَقَع هذا خلال الزمن الذي جاء به الوحي ، والذي حُدِّد بـ (بِضْعِ سِنِينَ) من الثلاث إلى التسع سنوات .
    ودارت الأيام ، ودَالَتْ الرّوم على فارس ، وانتصرتْ الروم من بعد غَلَبِهم .
    هذه آيات باهرات ، ومعجزات ظاهرات ، لم يستطيعوا دَفعها ولا ردّها في حقيقة الأمر ، وإنما ردّوها ظلما وعُلوّاً ،
    كما قال تعالى عن آل فرعون مع موسى عليه الصلاة والسلام : ( فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آَيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (13) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ) [النمل:13، 14] .
    ثم يُذكّرهم مع جحودهم ، بأن هذا النبي لو كان كاذباً لم يُمكّن له في الأرض ، ولا نَصَره الله على أعدائه ،
    فقال تعالى : ( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ (41) وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ (42) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (43) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ (44) لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ) [الحاقة:40-46]
    وهذه أدلة عقلية تُخاطِب العقول إن كانت تَعِي !
    كيف يُمكِّن الله لمن كَذَب عليه ؟
    وكيف يَنصر الله من زَعم أن الله أرسله ؟
    ( أي : لو كان كاذبا على الله لَقَصَمه ولم يُمكِّن له ولم يَنصره )
    فإن سُـنّـة الله أنه يأخذ الظالم أخذ عزيز مُقتَدر ، وأنه يُملي للظالِم فإذا أخذه لم يُفلِتْه
    والله لا يُحب الظالمين ، ولا يُحب الكاذِبين ، ولا يُصلِح أعمال المفسِدِين ،
    قال تعالى : (إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ) [يونس:81] .
    وقد نصر الله نبيَّـه مُحمدا صلى الله عليه وسلم ، وأظهر صدقه ، وأيّـده على أعدائه ، ونَصَره عليهم ، حتى طأطأت أمامه رؤوس الجبابرة ، وخضعت له صناديد قريش ، وبَلَغتْ دعوته المشارق والمغارِب ، واعترف بِصدقه القريب والبعيد ، والعدو الْمُحارِب .
    وقد صدّقه أهل الكتاب ، وعرفوه بصفاته المذكورة في كُتبهم .
    روى البخاري من طريق عطاء بن يسار قال : لَقيت عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قلت : أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة . قال : أجل والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صِفته في القرآن : يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحِرزا للأميين ، أنت عبدي ورسولي ، سَمّيتُك المتوكل ، ليس بفظ ولا غليظ ولا سَخّاب في الأسواق ، ولا يَدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر ، ولن يقبضه الله حتى يُقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله ، ويفتح بها أعينا عُميا ، وآذانا صُما ، وقلوبا غُلفا .
    ومِن هنا فإننا نُخاطِب العقول التي تَعِي أن تتأمل في حياة ذلك الرجل العظيم ، الذي شهِد بنبوته كل مُنصِف من أهل الكتاب ، كعبد الله بن سلام الذي كان يَهوديا فأسلَم لما رأى وجه النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، فقال : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئتُ في الناس لأنظر إليه ، فلما استثبتّ وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم عَرَفْتُ أن وجهه ليس بوجه كذّاب . رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه .
    وهو الذي
    قال الله في شأنه : {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }الأحقاف10

    ولذا ذهب غير واحد من المفسِّرين إلى أن المقصود بالآية هو عبد الله بن سلام رضي الله عنه .
    فهو قد شهد شهادة الحق ، وأخبر أن صفة النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة .وقصة إسلامه في صحيح البخاري وشهِد كذلك هرقل ( رئيس النصارى في زمانه ) بصدق نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم .
    فإنه لما جاء كتاب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى هرقل – عظيم الرُّوم – لم يَقُل : هذه رسالة خاصة بالعرب ، ولا بالأعراب ، كما لم يَقُل : هذا غير صادق ، وإنما قال لأبي سفيان – وكان أبو سفيان آنذاك مُشرِكاً – : فإن كان ما تقول حقاً فسيملك موضع قدمي هاتين ، وقد كنت أعلم أنه خارج لم أكن أظن أنه منكم ، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشّمتُ لقاءه ، ولو كُنْتُ عنده لَغَسَلْتُ عن قَدَمِـه . رواه البخاري ومسلم .
    وآمن به ملِك الحبشة ( النجاشي ) ، وقال عن القرآن – وقد سَمِع آيات من سورة مريم – فبكى حتى أخضل لحيته ، وبَكَتْ أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تُلْيَ عليهم ، ثم قال النجاشي : إن هذا والله والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة . رواه الإمام أحمد .

    كما شهِد بنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم غير واحد من اليهود ، مع أنهم لم يُؤمِنوا به إلا أنهم اعترفوا أنه هو الذي ذُكِر ووُصِف في التوراة .
    يهود يشهدون بنبوة نبينا صلى الله عليه وسلم
    شهِدت اليهود بصدق نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم .
    قال الله عز وجل : {وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ }البقرة89
    وعن أنس رضي الله عنه قال : كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض ، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده فقعد عند رأسه فقال له : أسلم . فنظر إلى أبيه وهو عنده ، فقال له : أطع أبا القاسم صلى الله عليه وسلم ، فأسْلَمَ ، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول : الحمد لله الذي أنقذه من النار . رواه البخاري .
    فهذا اليهودي أمـر ابنه أن يُطيع أبا القاسم ، مما يدلّ على أنه يعلم في قرارة نفسه بصدق نبوة النبي صلى الله عليه وسلم .
    وحدّث سلمة بن سلامة بن وقش - وكان من أصحاب بدر - قال : كان لنا جار من يهود في بني عبد الأشهل قال : فخرج علينا يوما من بيته قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بيسير فوقف على مجلس عبد الأشهل . قال سلمة : وأنا يومئذ أحْدَث من فيه سِناً على بردة مضطجعا فيها بفناء أهلي فذكر البعث والقيامة والحساب والميزان والجنة والنار ، فقال ذلك لقوم أهل شرك أصحاب أوثان لا يرون أنّ بعثاً كائن بعد الموت ، فقالوا له : ويحك يا فلان ترى هذا كائناً أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار ، يُجزون فيها بأعمالهم ؟ قال : نعم ، والذي يحلف به لودّ أن له بحظه من تلك النار أعظم تنور في الدنيا يحمونه ثم يدخلونه إياه فيطبق به عليه ، وأن ينجو من تلك النار غدا . قالوا له : ويحك وما آية ذلك ؟ قال : نبي يُبعث من نحو هذه البلاد ، وأشار بيده نحو مكة واليمن . قالوا : ومتى تراه ؟ قال : فنظر إلـيّ وأنا من أحدثهم سناً ، فقال : إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه . قال سلمة : فو الله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم وهو حي بين أظهرنا ، فآمنا به وكفر به بغياً وحسداً ، فقلنا : ويلك يا فلان ! ألست بالذي قلت لنا فيه ما قلت ؟ قال : بلى ، وليس به !
    وحدّثت صفية – رضي الله عنها – فقالت : كنت أحبّ ولد أبي إليه وإلى عمي أبي ياسر ، لم ألقهما قط مع ولدٍ لهما إلا أخذاني دونه . قالت : فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ونزل قباء في بني عمرو بن عوف غدا عليه أبي حُيي بن أخطب وعمي أبو ياسر بن أخطب مغلسين ، فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس ، فأتيا كالَّيْن كسلانين ساقطين يمشيان الهوينا . قالت : فهششت إليهما كما كنت أصنع ، فوالله ما التفت إليّ واحد منهما مع ما بهما من الغمّ . قالت : وسمعت عمي أبا
    ياسر وهو يقول لأبي حُيي بن أخطب : أهـو هـو ؟ قال : نعم والله ! قال : أتعرفه وتثبته ؟ قال : نعم . قال : فما في نفسك منه ؟ قال : عداوته والله ! رواه ابن إسحاق في السيرة فيما ذكره ابن هشام .
    ها هم اليهود يشهدون بنبوة سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام ، ومع ذلك جحدوا بها .
    {وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ }البقرة89
    ولذا قال عليه الصلاة والسلام : لو آمن بي عشرة من اليهود ، لآمن بي اليهود . رواه البخاري ومسلم .
    وفي رواية لمسلم : لو تابعني عشرة من اليهود ، لم يبق على ظهرها يهودي إلا أسلم .
    اللهم صل وسلم وزد وبارك على عبدك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .
    التواضع والبَسَاطَة في حياة سيّد السّادة
    لقد تواضع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لم يدَع لمتواضِع قولاً ، ولم يترك لِمُتَكَبِّر حجة .
    فهو عليه الصلاة والسلام المؤيّد بالوحي ، وهو خليل الرحمن ، وهو من أُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، ثم عُرِج به إلى السماوات العُلى ، وهو عليه الصلاة والسلام سيد ولد آدم ، بل هو أفضل الخلق عليه الصلاة والسلام ، ومع ذلك كان يتواضع لله فَرَفَعه الله عز وجل .
    كان يأكل الطعام ويمشي في الأسواق
    فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي السوق ، ويُمازحُ أصحابه ، وكان رجل من أهل البادية اسمه زاهر ، كان يهدي للنبي صلى الله عليه وسلم الهدية من البادية ، فيجهزَه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن زاهراً باديتنا ونحن حاضرته ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه ، وكان رجلا دميما ، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبيع متاعه فاحتضنه من خلفـه ، فقال لـه : من هذا ؟ أرسلني ، والتفت ، فعرف النبيَّ صلى الله عليه وسلم فجعل النبيُّ صلى الله عليه وسلم يقول : من يشتري مني هذا العبد ؟ وجعل هو يلصق ظهره بصدر النبي صلى الله عليه وسلم ويقول : إذا تجدني كاسداً ، فقال لـه النبي صلى الله عليه وسلم : لكنك عند الله لست بكاسد . رواه الإمام أحمد وغيره وهو حديث صحيح .
    ويُمازِح أصحابه ، وينام معهم
    روى الإمام مسلم عن المقداد رضي الله عنه قال : أقبلت أنا وصاحبان لي ، وقد ذهبت أسماعنا وأبصارنا من الْجَهْد ، فجعلنا نعرض أنفسنا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس أحد منهم يقبلنا ،
    فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم فانطلق بنا إلى أهله فإذا ثلاثة أعنـز ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : احتلبوا هذا اللبن بيننا .
    قال : فكنا نحتلب فيشرب كل إنسان منا نصيبه ، ونرفع للنبي صلى الله عليه وسلم نصيبه .
    قال : فيجيء من الليل فيسلم تسليما لا يُوقظ نائما ويُسمع اليقظان .
    قال : ثم يأتي المسجد فيُصلي ، ثم يأتي شرابه فيشرب ، فأتاني الشيطان ذات ليلة وقد شربت نصيبي ، فقال : محمد يأتي الأنصار فيتحفونه ، ويصيب عندهم ما به حاجة إلى هذه الجرعة ! فأتيتها فشربتها فلما أن وَغلت في بطني وعلمت أنه ليس إليها سبيل ، ندمني الشيطان ! فقال : ويحك ما صنعت ؟ أشربت شراب محمد ؟ فيجيء فلا يجده فيدعو عليك فتهلك ، فتذهب دنياك وأخرتك ، وعَلَيّ شملة إذا وضعتها على قدمي خرج رأسي ، وإذا وضعتها على رأسي خرج قدماي ، وجعل لا يجيئني النوم ، وأما صاحباي فناما ولم يصنعا ما صنعت .
    قال : فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فسلّم كما كان يسلم ، ثم أتى المسجد فصلى ، ثم أتى شرابه فكشف عنه فلم يجد فيه شيئا ، فرفع رأسه إلى السماء ، فقلت : الآن يدعو عَلَيّ فأهلك ، فقال : اللهم أطعم من أطعمني وأسق من أسقاني .
    قال : فعمدت إلى الشملة فشددتها عليّ ، وأخذت الشفرة فانطلقت إلى الأعنـز أيها أسمن فأذبحها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا هي حافلة وإذا هن حُفل كلهن ، فعمدت إلى إناء لآل محمد صلى الله عليه وسلم ما كانوا يطمعون أن يحتلبوا فيه ، قال : فحلبت فيه حتى عَلَته رغوة ، فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أشربتم شرابكم الليلة ؟
    قال : قلت : يا رسول الله اشرب ، فشرِب ، ثم ناولني فقلت: يا رسول الله اشرب ، فشرِب ، ثم ناولني فلما عرفت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد روى وأصبت دعوته ضَحِكْتُ حتى ألقيت إلى الأرض .
    قال : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إحدى سوآتك يا مقداد !
    فقلت : يا رسول الله كان من أمري كذا وكذا ، وفعلت كذا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما هذه إلا رحمة من الله ، أفلا كنت آذنتني فنوقظ صاحبينا فيصيبان منها ؟
    قال : فقلت : والذي بعثك بالحق ما أبالي إذا أصبتها وأصبتها معك من أصابها من الناس .
    فأي تواضع تكتنفه عَظَمة هذا النبي الأمين صلى الله عليه وسلم ؟
    يُغضي حياءً ويُغضى من مَهَابتِه *** فلا يُكلّم إلا حين يبتسمُ
    النبي صلى الله عليه وسلم يبيت مع أصحابه وهو قائد الأمـة ، بل ويقتسمون اللبن بينهم بالسّوية !
    واليوم نرى من ينتسب إلى العلم أو إلى المناصب الدنيوية لا يُكلِّمون الناس إلا من أطراف أنوفهم!
    وربما لا يردّون السلام خشية أن تذهب الهيبة !
    نبي الله يُسابِق أصحابه رضي الله عنهم
    روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سابَقَ بين الخيل التي أُضمرت من الحفياء ، وأمدها ثنية الوداع ، وسابَقَ بين الخيل التي لم تُضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق .
    وروى البخاري عن أنس قال : كانت ناقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم تُسمى العضباء وكانت لا تسبق ، فجاء أعرابي على قعود له فسبقها ، فاشتدّ ذلك على المسلمين ، وقالوا : سُبِقَت العضباء ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن حقا على الله أن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه .
    سيّد ولد آدم يُدخل السرور على أهله ، فيُسابِق زوجته
    قالت عائشة رضي الله عنها : خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا خفيفة اللحم فنـزلنا منزلا ، فقال لأصحابه : تقدموا ، ثم قال لي : تعالي حتى أسابقك ، فسابقني فسبقته ، ثم خرجت معه في سفر آخر ، وقد حملت اللحم ، فنـزلنا منـزلا ، فقال لأصحابه : تقدموا ، ثم قال لي : تعالي أسابقك ، فسابقني فسبقني ، فضرب بيده كتفي وقال : هذه بتلك . رواه أحمد وأبو داود والنسائي في الكبرى ، وغيرهم ، وهو حديث صحيح .
    نبي الله صلى الله عليه وسلم يُجيب الدعوة ولو كانت على يسير الطعام
    روى البخاري ومسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ له , فَأَكَلَ مِنْهُ , ثُمَّ قَالَ : قُومُوا فَلأُصَلِّ لَكُمْ .
    قَالَ أَنَسٌ : فَقُمْتُ إلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدْ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ , فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ , فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم وَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ , وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا . فَصَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ , ثُمَّ انْصَرَفَ .
    ويُجيب الدعوة ولو كانت من رجل فقير
    ففي الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : إن خياطا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعه . قال أنس : فذهبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك الطعام ، فقرّب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خبزا ومرقا فيه دباء وقديد ، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتتبع الدباء من حوالي القصعة .
    وعند الإمام أحمد : أن خياطا دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى طعام فأتاه بطعام وقد جعله بإهالة سنخة وقرع .
    والإهالة : ما أذيب من الشحم ، وقيل : الإهالة الشحم والزيت ، وقيل كل دُهنٍ أُوتُدِمَ به . ذكره العيني .
    والسَّنِخَة : أي المتغيرة الرِّيح . قاله ابن حجر .
    بل يُجيب الدعوة ولو كانت من يهودي أو يهودية !
    فقد أجاب صلى الله عليه وسلم دعوة امرأة يهودية حينما دعته إلى الطعام .
    روى الشيخان عن أنس أن امرأة يهودية أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة فأكل منها ، فجيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها عن ذلك ، فقالت : أردت لأقتلك . قال : ما كان الله ليسلِّطك على ذاك .
    وقال مُؤكِّدا على هذا المعنى :
    لو دُعيت إلى ذراع أو كراع لأجبتُ ، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقَبِلْتُ . رواه البخاري .
    سيد ولد آدم يجلس بين أصحابه فيأتي الرجل الغريب فلا يُميِّزه من بينهم حتى يسأل عنه !
    فعن أبي هريرة قال : بينما النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه جاءهم رجل من أهل البادية فقال : أيكم ابن عبد المطلب ؟
    قالوا : هذا الأمغر المرتفق .
    قال حمزة – أحد رواة الحديث – : الأمغر الأبيض المشرب حمرة .
    قال : إني سائلك فَمُشْتدّ عليك في المسألة .
    قال : سل عمّا بدا لك .
    قال : أنشدك بربِّ من قبلك ورب من بعدك آلله أرسلك ؟
    قال : اللهم نعم .
    قال : وأنشدك به آلله أمرك أن نصلي خمس صلوات في كل يوم وليلة ؟
    قال : اللهم نعم .
    قال : وأنشدك به آلله أمرك أن تأخذ من أموال الأغنياء فتردّه على فقرائنا ؟
    قال : اللهم نعم .
    قال : وأنشدك به آلله أمرك أن تصوم هذا الشهر من اثني عشر شهرا ؟
    قال : اللهم نعم .
    قال : وأنشدك به آلله أمرك أن نَحُجّ هذا البيت من استطاع إليه سبيلا ؟
    قال : اللهم نعم .
    قال : فإني آمنت وصدّقت ، وأنا ضمام بن ثعلبة . رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي .
    وعن أبي جري جابر بن سليم قال : رأيت رجلا يصدر الناس عن رأيه لا يقول شيئا إلا صدَرُوا عنه .
    قلت : من هذا ؟
    قالوا : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
    قلت : عليك السلام يا رسول الله مرتين .
    قال : لا تقل عليك السلام ، فإن عليك السلام تحية الميت قل : السلام عليك .
    قال : قلت : أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
    قال : أنا رسول الله الذي إذا أصابك ضرّ فدعوته كشفه عنك ، وإن أصابك عام سنة فدعوته أنبتها لك ، وإذا كنت بأرض قفراء أو فلاة فَضَلّت راحلتك فدعوته ردّها عليك .
    قلت : اعهد إليّ .
    قال : لا تسبن أحدا .
    قال : فما سببت بعده حُرّا ولا عبدا ولا بعيرا ولا شاة .
    قال : ولا تحقرن شيئا من المعروف ، وأن تكلم أخاك وأنت منبسط إليه وجهك إن ذلك من المعروف ، وارفع إزارك إلى نصف الساق ، فإن أبيت فإلى الكعبين ، وإياك وإسبال الإزار فإنها من المخيلة ، وإن الله لا يحب المخيلة ، وإن امرؤ شتمك وعيرك بما يعلم فيك فلا تعيره بما تعلم فيه ، فإنما وبال ذلك عليه . رواه الإمام أحمد وأبو داود .
    من أجل ذلك لجأ أصحابه إلى تمييزه
    فعن أبي ذر وأبي هريرة قالا : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس بين ظهري أصحابه فيجيء الغريب فلا يدري أيهم هو حتى يسأل ، فطلبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نجعل له مجلسا يَعرفه الغريب إذا أتاه . قال : فبنينا له دُكاناً من طين فجلس عليه ، وكنا نجلس بجنبتيه . رواه أبو داود والنسائي .
    قال ابن الأثير : الدكان الدَّكة المبنية للجلوس عليها .
    نبي الله صلى الله عليه وسلم يستمع لامرأة في عقلها شيء
    روى الإمام مسلم عن أنس أن امرأة كان في عقلها شيء ، فقالت : يا رسول الله إن لي إليك حاجة ، فقال : يا أم فلان ! انظري أي السكك شئت حتى أقضي لك حاجتك ، فخلا معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها .
    اسْتَمَعَ صلى الله عليه وسلم إلى ما تريد أن تقوله فلم يضع ذلك من قدره بل رفع الله منـزلته صلى الله عليه وسلم .
    كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي لهم حوائجهم
    فعن عبد الله بن أبي أوفى قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُكثر الذكر ، ويُقلّ اللغو ، ويُطيل الصلاة ويقصر الخطبة ، ولا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي له حاجته . رواه النسائي .
    كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس مع أصحابه في بستان ويُدلِّي رجليه مع أرجلهم في البئر
    كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في حائط بالمدينة على قُفّ البئر مُدلِّياً رجليه ، فَدَقّ الباب أبو بكر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي موسى : ائذن له وبشِّره بالجنة ، ففعل فدخل أبو بكر فَدَلَّى رجليه ، ثم دقّ الباب عمر ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ائذن له وبشِّره بالجنة ، ففعل ، ثم دقّ عثمان الباب ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ائذن له وبشِّره بالجنة ، وسيلقى بلاء . رواه الإمام أحمد .
    ارتعد منه رجل فقال له : هوِّن عليك ! فإني لست بملك إنما أنا بن امرأة تأكل القديد !
    طأطأت أمامه رقاب أعدائه ، فطأطأ رأسه تواضعاً لله
    دَخَل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فاتحاً مُتواضعاً حتى إن ذقنه ليمس رَحْلَه .

    كان عليه الصلاة والسلام يركب الحمار ، ويُجيب دعوة المملوك ، ويأكل على الأرض ، ويعتقِل الشاة .
    وكان يُردِف بعض أصحابه خَلْفَه
    فقد أردف ابن عمِّه ابن عباس رضي الله عنهما
    وأردف معاذ بن جبل رضي الله عنه
    وهذا لا يفعله أرباب المناصب ولا أصحاب الأموال !

    كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرقع ثوبه ، ويخصف نعله
    كان في بيته يكون في مهنة أهله ، يعني في خدمتهم
    سُئلت عائشة رضي الله عنها : ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته ؟ قالت : كان يكون في مهنة أهله - تعني خدمة أهله - فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة .
    وقيل لعائشة رضي الله عنها : ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته ؟ قالت : كما يصنع أحدكم : يخصف نعله ، ويرقع ثوبه . رواه الإمام أحمد .

    كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام على الحصير حتى أثّر في جنبه
    قال عمر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : وإنه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء ، وتحت رأسه وسادة من أدَم حشوها ليف ، وإن عند رجليه قرظا مصبوبا ، وعند رأسه أُهُب معلقة ، فرأيت أثر الحصير في جنبه فبكيت ، فقال : ما يبكيك ؟ فقلت : يا رسول الله إن كسرى وقيصر فيما هما فيه ، وأنت رسول الله ! فقال : أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة ؟ رواه البخاري ومسلم .
    وسجد على الأرض من غير حائل بينه وبينها ، حتى سجد في ماء وطين من أثر المطر
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر ، وقد أُرِيت هذه الليلة ثم أنسيتها ، وقد رأيتني أسجد في ماء وطين من صبيحتها ، فالتمسوها في العشر الأواخر ، والتمسوها في كل وتر ، فمطرت السماء تلك الليلة ، وكان المسجد على عريش فَوَكَف المسجد فبصرت عيناي رسول الله صلى الله عليه وسلم على جبهته أثر الماء والطين من صبح إحدى وعشرين . رواه البخاري ومسلم .
    كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقبِّل الصبيان ويُلاعبهم
    وكان يَمُرّ بهم فيُسلِّم عليهم
    لو شاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسير معه الجبال ذهبا لكان ، ذلك أنه خُيِّر بين أن يكون عبداً نبياً وبين أن يكون نبيّاً ملِكاً ، فاختار أن يكون نبيّاً عبدا .
    قال المسيح عليه الصلاة والسلام : طوبى للمتواضعين في الدنيا ، هم أصحاب المنابر يوم القيامة . طوبى للمُصلِحين بين الناس في الدنيا ، هم الذين يرثون الفردوس يوم القيامة .
    منقول عن
    عبد الرحمن بن عبد الله السحيم


    - اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . صلاة تنحل بها العقد وتنفرج بها الكرب وتُقضى بها الحوائج .
    - اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
    صلاة تليق بمكانته عندك .
    - اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم عدد ما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون.
    - اللهم صل على سيدنا محمد في الأولين وصل على سيدنا محمد في الآخرين وصل على سيدنا محمد في الملأ الأعلى إلى يوم الدين.






  5. #5
    عضوة فعالة
    الحالة : صراحة غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 10025
    تاريخ التسجيل : Nov 2007 11
    المشاركات : 65
    التقييم : 50

    افتراضي 5- صفاته صلى الله عليه وسلم الخُلُقية والخَلْقية


    5- صفاته صلى الله عليه وسلم الخُلُقية والخَلْقية

    - من أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم
    - ما المقصود بحُسن الخلق ؟
    - أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم مع أهله :
    - عدل النبي صلى الله عليه وسلم :
    - كلام النبي صلى الله عليه وسلم :
    - أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم مع الأطفال
    - أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم مع الخدم:
    - رحمة النبي صلى الله عليه وسلم
    - عفو النبي صلى الله عليه وسلم:
    - تواضعه صلى الله عليه وسلم :
    - مجلسه صلى الله عليه وسلم
    - عبادته
    - دعوته
    - مزاح النبي صلى الله عليه وسلم
    - كرم النبي صلى الله عليه وسلم
    - صبر النبي صلى الله عليه وسلم
    - تعاون النبي صلى الله عليه وسلم

    فإن الله تعالى قد خص رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بأجمل الصفات وأحسنها وأتمها ظاهراً وباطناً. ومما خصه به من الخلق العظيم: الحياء والكرم والشجاعة والصفح والحلم.. وغيرها من كل خلق جميل.
    ولا عجب في هذا فهو الذي
    يقول صلى الله عليه وسلم عن نفسه: إن الله بعثني لأتمم حسن الأخلاق. رواه مالك في الموطأ،
    ويقول صلى الله عليه وسلم أيضاً: أدبني ربي تأديباً حسنا
    إذ قال: خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين. فلما قبلت ذلك منه قال: وإنك لعلى خلق عظيم. رواه السمعاني.
    ولما سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، عن خلقهقالت فأوجزت وجمعت: كان خلقه القرآن. رواه مسلم.
    ومعنى هذا أنه لايوجد خلق حسن يأمر به القرآن ويدعو إليه إلا وهو آخذ به، ولا يوجد فيه خلق سيء نهي عنه إلا وهو متعال عنه صلوات الله وسلامه عليه. هذا بعض ما يتعلق بصفاته الخُلُقية.
    أما عن صفاته الخَلْقية فقد روى البخاري عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: سمعت أنس بن مالك يصف النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كَانَ رَبْعَةً مِنْ الْقَوْمِ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ أَزْهَرَ اللَّوْنِ لَيْسَ بِأَبْيَضَ أَمْهَقَ وَلَا آدَمَ لَيْسَ بِجَعْدٍ قَطَطٍ وَلَا سَبْطٍ رَجِلٍ أُنْزِلَ عَلَيْهِ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ فَلَبِثَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ وَقُبِضَ وَلَيْسَ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ عِشْرُونَ شَعَرَةً بَيْضَاءَ.
    وعن أنس رضي الله عنه قال: ما مسست حريرا ولا ديباجا ألين من كف النبي صلى الله عليه وسلم، ولا شممت ريحا قط أو عرقاً قط أطيب من ريح أو عرق النبي صلى الله عليه وسلم. رواه البخاري.
    وفي وصف كعب له قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه كأنه قطعة قمر وكنا نعرف ذلك منه. رواه البخاري.
    وبالجملة لم يذكر خلق محمود إلا وكان للنبي صلى الله عليه وسلم، منه الحظ الأوفر.
    من أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم

    كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خُلقاً وأكرمهم وأتقاهم ،
    عن أنس رضي الله عنه قال" كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقًا" - الحديث رواه الشيخان وأبو داود والترمذي.

    وعن صفية بنت حيي رضي الله عنها قالت "ما رأيت أحسن خلقًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم" - رواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن.

    قال تعالى مادحاً وواصفاً خُلق نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم (( وَإِنّكَ لَعَلَىَ خُلُقٍ عَظِيمٍ )) [ القلم 4 ]

    قالت عائشة لما سئلت رضي الله عنها عن خلق النبي عليه الصلاة والسلام ، قالت : ( كان خلقه القرآن) صحيح مسلم.

    فهذه الكلمة العظيمة من عائشة رضي الله عنها ترشدنا إلى أن أخلاقه عليه الصلاة والسلام هي اتباع القرآن ، وهي الاستقامة على ما في القرآن من أوامر ونواهي ، وهي التخلق بالأخلاق التي مدحها القرآن العظيم وأثنى على أهلها والبعد عن كل خلق ذمه القرآن.

    قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره: ومعنى هذا أنه صلى الله عليه وسلم صار امتثال القرآن أمراً ونهياً سجيةً له وخلقاً .... فمهما أمره القرآن فعله ومهما نهاه عنه تركه، هذا ما جبله الله عليه من الخُلق العظيم من الحياء والكرم والشجاعة والصفح والحلم وكل خُلقٍ جميل.أ.هـ

    عن عطاء رضي الله عنه قال: قلت لعبد الله بن عمرو أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة، قال: أجل والله إنه لموصوف في التوراة بصفته في القرآن يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، لا فظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا لا إله إلا الله، ويفتح بها أعينًا عميًا وآذانًا صمًا وقلوبًا غلفًا - رواه البخاري

    ما المقصود بحُسن الخلق ؟

    عن النبي صلي الله عليه وسلم قال : (( البر حسن الخلق ..)) رواه مسلم [ رقم : 2553 ]

    قال الشيخ ابن عثيمين في شرح الحديث السابع والعشرون في الأربعين النووية:

    حسن الخلق أي حسن الخلق مع الله ، وحسن الخلق مع عباد الله ، فأما حسن الخلق مع الله فان تتلقي أحكامه الشرعية بالرضا والتسليم ، وأن لا يكون في نفسك حرج منها ولا تضيق بها ذرعا ، فإذا أمرك الله بالصلاة والزكاة والصيام وغيرها فإنك تقابل هذا بصدر منشرح.
    أما حسن الخلق مع الناس فقد سبق أنه : كف الأذى والصبر على الأذى، وطلاقة الوجه وغيره.
    على الرغم من حُسن خلقه حيث كان يدعو الله بأن يحسّن أخلاقه ويتعوذ من سوء الأخلاق عليه الصلاة والسلام .

    عن عائشة رضي الله عنها قالت "كان صلى الله عليه وسلم يقول اللهم كما أحسنت خلقي فأحسن خلقي" - رواه أحمد ورواته ثقات.

    عن أبي هريرة رضي الله عنه قال كان صلى الله عليه وسلم يدعو فيقول "اللهم إني أعوذ بك من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق" - رواه أبو داود والنسائي

    أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم مع أهله :

    كان صلى الله خير الناس وخيرهم لأهله وخيرهم لأمته من طيب كلامه وحُسن معاشرة زوجته بالإكرام والاحترام ،
    حيث قال صلى الله عليه وسلم: (( خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي )) سنن الترمذي .

    وكان من كريم أخلاقه صلى الله عليه وسلم في تعامله مع أهله وزوجه أنه كان يُحسن إليهم ويرأف بهم ويتلطّف إليهم ويتودّد إليهم ، فكان يمازح أهله ويلاطفهم ويداعبهم ، وكان من شأنه صلى الله عليه وسلم أن يرقّق اسم عائشة ـ رضي الله عنها ـ كأن يقول لها: (يا عائش )، ويقول لها: (يا حميراء) ويُكرمها بأن يناديها باسم أبيها بأن يقول لها: (يا ابنة الصديق) وما ذلك إلا تودداً وتقرباً وتلطفاً إليها واحتراماً وتقديراً لأهلها.

    كان يعين أهله ويساعدهم في أمورهم ويكون في حاجتهم ، وكانت عائشة تغتسل معه صلى الله عليه وسلم من إناءٍ واحد، فيقول لها: (دعي لي) ، وتقول له: دع لي. رواه مسلم

    وكان يُسَرِّبُ إلى عائشة بناتِ الأنصار يلعبن معها‏.‏ وكان إذا هويت شيئاً لا محذورَ فيه تابعها عليه، وكانت إذا شربت من الإِناء أخذه، فوضع فمه في موضع فمها وشرب، وكان إذا تعرقت عَرقاً - وهو العَظْمُ الذي عليه لحم - أخذه فوضع فمه موضع فمها، وكان يتكئ في حَجْرِها، ويقرأ القرآن ورأسه في حَجرِها، وربما كانت حائضاً، وكان يأمرها وهي حائض فَتَتَّزِرُ ثم يُباشرها، وكان يقبلها وهو صائم، وكان من لطفه وحسن خُلُقه مع أهله أنه يمكِّنها من اللعب.

    (عن الأسود قال :سألت عائشة ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟ قال : كان يكون في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة يتوضأ ويخرج إلى الصلاة) رواه مسلم والترمذي.

    وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان يخيط ثوبه ويخصف نعله ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم - رواه أحمد.

    قال صلى الله عليه وسلم "إن من أعظم الأمور أجرًا النفقة على الأهل" رواه مسلم.

    عن عائشة رضي الله عنها قالت "خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، وأنا جارية لم أحمل اللحم ولم أبدن، فقال للناس : اقدموا فتقدموا، ثم قال لي : تعالي حتى أسابقك فسبقته، فسكت عني حتى إذا حملت اللحم وبدنت خرجت معه في بعض أسفاره، فقال للناس: تقدموا فتقدموا، ثم قال لي : تعالي أسابقك فسبقني، فجعل يضحك وهو يقول هذا بتلك" رواه أحمد.

    (وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم وضع ركبته لتضع عليها زوجه صفية رضي الله عنها رجلها حتى تركب على بعيرها) رواه البخاري.

    ومن دلائل شدة احترامه وحبه لزوجته خديجة رضي الله عنها، إن كان ليذبح الشاة ثم يهديها إلى خلائلها (صديقاتها)، وذلك بعد مماتها وقد أقرت عائشة رضي الله عنها بأنها كانت تغير من هذا المسلك منه - رواه البخاري.

    عدل النبي صلى الله عليه وسلم :

    كان عدله صلى الله عليه وسلم وإقامته شرع الله تعالى ولو على أقرب الأقربين.

    قال تعالى: (يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءِ للّهِ وَلَوْ عَلَىَ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ) (النساء:135)

    كان يعدل بين نسائه صلى الله عليه وسلم ويتحمل ما قد يقع من بعضهن من غيرة كما كانت عائشة ـ رضي الله عنها ـ غيورة.

    فعن أم سلمة ـ رضي الله عنها أنها ـ أتت بطعامٍ في صحفةٍ لها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فجاءت عائشة... ومعها فِهرٌ ففلقت به الصحفة، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم بين فلقتي الصحفة وهو يقول: (كلوا، غارت أُمكم ـ مرتين ـ ) ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم صحفة عائشة فبعث بها إلى أُم سلمة وأعطى صحفة أُم سلمة عائشة. رواه النسائي وصححه الألباني

    قال عليه الصلاة والسلام في قصة المرأة المخزومية التي سرقت : ( ‏والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت محمد‏,‏ لقطعت يدها‏)‏.

    كلام النبي صلى الله عليه وسلم :
    كان إذا تكلم تكلم بكلام فَصْلٍ مبين، يعده العاد ليس بسريع لا يُحفظ ، ولا بكلام منقطع لا يُدركُه السامع، بل هديه فيه أكمل الهديِّ ،كما وصفته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بقولها: (ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسرد سردكم هذا ، ولكن كان يتكلم بكلام بيِّن فصل يتحفظه من جلس إليه) متفق عليه

    وكان عليه الصلاة والسلام لا يتكلم فيما لا يَعنيه، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، وإذا كرِه الشيء‏:‏ عُرِفَ في وجهه

    أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم مع الأطفال

    وعن انس رضي الله عنه قال
    كان صلى الله عليه وسلم يمر بالصبيان فيسلم عليهم - رواه البخاري واللفظ له ومسلم.

    كان صلى الله عليه وسلم يسمع بكاء الصبي فيسرع في الصلاة مخافة أن تفتتن أمه.

    وكان صلى الله عليه وسلم يحمل ابنة ابنته وهو يصلي بالناس إذا قام حملها وإذا سجد وضعها وجاء الحسن والحسين وهما ابنا بنته وهو يخطب الناس فجعلا يمشيان ويعثران فنزل النبي صلى الله عليه وسلم من المنبر فحملهما حتى وضعهما بين يديه ثم قال صدق الله ورسوله(وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) (لأنفال:28)
    نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان فيعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما.

    خلقه صلى الله عليه وسلم في معاملة الصبيان فإنه كان إذا مر بالصبيان سلم عليهم وهم صغار وكان يحمل ابنته أمامه وكان يحمل أبنه ابنته أمامه بنت زينب بنت محمد صلى الله عليه وسلم وهو يصلي بالناس وكان ينزل من الخطبة ليحمل الحسن والحسين ويضعهما بين يديه

    أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم مع الخدم:

    ومع هذه الشجاعة العظيمة كان لطيفا رحيماً فلم يكن فاحشاً ولا متفحشا ولا صخاباً في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح.

    عن أنس رضي الله عنه قال" خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، والله ما قال أف قط، ولا قال لشيء لم فعلت كذا وهلا فعلت كذا" - رواه الشيخان وأبو داود و الترمذي.

    عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم خادما له ولا امرأة ولا ضرب بيده شيئا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله.

    وفي رواية ما ضرب رسول الله شيئًا قط بيده ولا امرأة ولا خادمًا إلا أن يجاهد في سبيل الله - رواه مالك والشيخان وأبو داود.

    عن عائشة رضي الله عنها قالت "ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه وما انتقم صلى الله عليه وسلم لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم".

    رحمة النبي صلى الله عليه وسلم

    قال تعالى : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الانبياء:107)

    وعندما قيل له ادع على المشركين
    قال صلى الله عليه وسلم "إني لم أبعث لعانًا، وإنما بعثت رحمة" - رواه مسلم.

    " قال عليه الصلاة والسلام : اللهم إنما أنا بشر ، فأيُّ المسلمين سببته أو لعنته ، فاجعلها له زكاة و أجراً " رواه مسلم .

    كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : ( اللهم من وليَ من أمرِ أمتي شيئاً ، فشقَّ عليهم ، فاشقُق عليه ، و من ولي من أمر أمتي شيئاً ، فرفق بهم ، فارفق به )

    قال صلى الله عليه وسلم : (هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم) رواه البخاري.

    قال تعالى : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ..) (آل عمران:159)

    وقال صلى الله عليه وسلم في فضل الرحمة: (الراحمون يرحمهم الرحمن ، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) رواه الترمذي وصححه الألباني .

    وقال صلى الله عليه وسلم في أهل الجنة الذين أخبر عنهم بقوله: ( أهل الجنة ثلاثة وذكر منهم ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم ) رواه مسلم.

    عفو النبي صلى الله عليه وسلم:

    عن أنس رضي الله عنه قال "كان النبي صلى الله عليه وسلم من احسن الناس خلقًا، فأرسلني يومًا لحاجة، فقلت له والله لا أذهب وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به صلى الله عليه وسلم ، فخرجت حتى أمر على صبيان وهم يلعبون في السوق، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم قد قبض بقفاي من ورائي، فنظرت إليه وهو يضحك فقال يا أنس أذهبت حيث أمرتك؟ قلت نعم، أنا أذهب يا رسول الله – فذهبت" رواه مسلم وأبو داود.

    فعن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء أعرابي ، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : مَه مَه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا تزرموه، دعوه) ، فتركوه حتى بال ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه فقال له: (إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ، ولا القذر، إنما هي لذكر الله، والصلاة، وقراءة القرآن) قال: فأمر رجلاً من القوم فجاء بدلو من ماء فشنّه عليه. رواه مسلم

    تواضعه صلى الله عليه وسلم :

    وكان صلى الله عليه وسلم يجيب دعوتهم دعوة الحر والعبد والغني والفقير ويعود المرضى في أقصى المدينة ويقبل عذر المعتذر.

    وكان صلى الله عليه وسلم سيد المتواضعين ، يتخلق ويتمثل
    بقوله تعالى: (( تِلْكَ الدّارُ الاَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتّقِينَ )) [ القصص 83 ].

    فكان أبعد الناس عن الكبر ، كيف لا وهو الذي
    يقول صلى الله عليه وسلم : (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبدٌ فقولوا عبد الله ورسوله) رواه البخاري.

    كيف لا وهو الذي كان
    يقول صلى الله عليه وسلم : (آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد) رواه أبو يعلى وحسنه الألباني.

    كيف لا وهو القائل بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم (لو أُهدي إليَّ كراعٌ لقبلتُ ولو دُعيت عليه لأجبت) رواه الترمذي وصححه الألباني.

    كيف لا وهو الذي كان صلى الله عليه وسلم يحذر من الكبر أيما تحذير
    فقال صلى الله عليه وسلم : ( لا يدخل في الجنة من كان في قلبه مثقال ذرةٍ من كبر) رواه مسلم

    ومن تواضعه صلى الله عليه وسلم أنه كان يجيب الدعوة ولو إلى خبز الشعير ويقبل الهدية.

    عن انس رضي الله عنه قال كان صلى الله عليه وسلم يدعى إلى خبز الشعير والإهالة السنخة فيجيب - رواه الترمذي في الشمائل.

    الإهالة السنخة: أي الدهن الجامد المتغير الريح من طوال المكث.

    مجلسه صلى الله عليه وسلم

    كان يجلِس على الأرض، وعلى الحصير، والبِساط،

    عن أنس رضي الله عنه قال "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا استقبله الرجل فصافحه لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل ينزع يده، ولا يصرف وجهه من وجهه حتى يكون الرجل هو يصرفه، ولم ير مقدمًا ركبتيه بين يدي جليس له" - رواه أبو داود والترمذي بلفظه.

    عن أبي أمامة الباهلي قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم متوكئًا على عصا، فقمنا إليه، فقال لا تقوموا كما يقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضًا - رواه أبو داود أبن ماجة وإسناده حسن.

    زهده صلى الله عليه وسلم

    كان صلى الله عليه وسلم أزهد الناس في الدنيا وأرغبهم في الآخرة خيره الله تعالى بين أن يكون ملكا نبيا أو يكون عبدا نبيا فاختار أن يكون عبدا نبيا.

    كان ينامُ على الفراش تارة، وعلى النِّطع تارة، وعلى الحصير تارة، وعلى الأرض تارة، وعلى السرير تارة بين رِمَالهِ، وتارة على كِساء أسود‏.

    قال أنس بن مالك رضي الله عنه : ( دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو على سرير مزمول بالشريط وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف ودخل عمر وناس من الصحابة فانحرف النبي صلى الله عليه وسلم فرأى عمر أثر الشريط في جنبه فبكى فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما يبكيك يا عمر قال: ومالي لا أبكي وكسرى وقيصر يعيشان فيما يعيشان فيه من الدنيا وأنت على الحال الذي أرى فقال يا عمر: أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة قال : بلى قال: هو كذلك )

    وكان من زهده صلى الله عليه وسلم وقلة ما بيده أن النار لا توقد في بيته في الثلاثة أهلة في شهرين .

    عن عروة رضي الله عنه قال: عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنها كانت تقول: والله يا ابن أختي كنا لننظر إلى الهلال ثم الهـلال ثـلاثة أهله في شهرين ما أوقـد في أبيـات رسـول الله صلى الله عليه وسلم نار، قلت: يا خالة فما كان عيشكم؟ قالت: الأسودان ـ التمر والماء ـ) متفق عليه.

    وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يبيت الليالي المتتابعة طاوياً وأهله لا يجدون عشاءاً، وكان أكثر خبزهم الشعير) رواه الترمذي وابن ماجه وحسنه الألباني.

    عبادته

    كان عليه الصلاة والسلام أعبد الناس ، و من كريم أخلاقه صلى الله عليه وسلم أنه كان عبداً لله شكوراً.

    فإن من تمام كريم الأخلاق هو التأدب مع الله رب العالمين وذلك بأن يعرف العبد حقّ ربه سبحانه وتعالى عليه فيسعى لتأدية ما أوجب الله عز وجل عليه من الفرائض ثم يتمم ذلك بما يسّر الله تعالى له من النوافل ، وكلما بلغ العبد درجةً مرتفعةً عاليةً في العلم والفضل والتقى كلما عرف حق الله تعالى عليه فسارع إلى تأديته والتقرب إليه عز وجل بالنوافل.

    فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رب العالمين في الحديث القدسي الذي يرويه عن ربه إن الله تعالى قال: (... وما يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه...) رواه البخاري.

    فقد كان صلى الله عليه وسلم يعرف حق ربه عز وجل عليه وهو الذي قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر على الرغم من ذلك كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه ـ صلوات ربي وسلامه عليه ـ ويسجد فيدعو ويسبح ويدعو ويثني على الله تبارك وتعالى ويخشع لله عز وجل حتى يُسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل.

    فعن عبدالله بن الشخير ـ رضي الله عنه ـ قال: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ولجوفه أزيزٌ كأزيز المرجل من البكاء) رواه أبو داود وصححه الألباني.

    وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ: أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقالت عائشة: لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: (أفلا أكون عبداً شكوراً) رواه البخاري.

    وكان مـن تـمثله صلى الله عليه وسلم للقـرآن أنه يذكر الله تعالى كثيراً،
    قال عز وجل : (( ....وَالذّاكِـرِينَ اللّهَ كَثِيراً وَالذّاكِرَاتِ أَعَدّ اللّهُ لَهُـم مّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيـماً )) [ الأحزاب 35 ].

    وقال تعالى : (( ... فَاذْكُرُونِيَ أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ )) [البقرة 152 ].

    ومن تخلقه صلى الله عليه وسلم بأخلاق القرآن وآدابه تنفيذاً لأمر ربه عز وجل أنه كان يحب ذكر الله ويأمر به ويحث عليه،
    قال صلى الله عليه وسلم : (لأن أقول سبحانه الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إليَّ مما طلعت عليه الشمس) رواه مسلم.

    وقال صلى الله عليه وسلم : (مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره ، مثل الحي والميت) رواه البخاري.

    وقال صلى الله عليه وسلم : (ما عمل ابن آدم عملاً أنجى له من عذاب الله من ذكر الله) أخرجه الطبراني بسندٍ حسن.

    كان عليه الصلاة والسلام أكثر الناس دعاءً، وكان من أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول: (اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) متفق عليه .

    وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنه كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم قبل موته: (اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت ومن شر ما لم أعمل) رواه النسائي وصححه الألباني.

    دعوته

    كانت دعوته عليه الصلاة والسلام شملت جميع الخلق، كان رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم أكثر رسل الله دعوة وبلاغـًا وجهادًا ، لذا كان أكثرهم إيذاءً وابتلاءً ، منذ بزوغ فجر دعوته إلى أن لحق بربه جل وعلا .

    وقد ذكر كتاب زاد المعاد حيث قال أن دعوة النبي عليه الصلاة والسلام كانت على مراتب :
    المرتبة الأولى‏:‏ النبوة‏.‏ الثانية‏:‏ إنذار عشيرته الأقربين‏.‏ الثالثة‏:‏ إنذار قومه‏.‏ الرابعة‏:‏ إنذار قومٍ ما أتاهم من نذير من قبله وهم العرب قاطبة‏.‏ الخامسة‏:‏ إنذارُ جميع مَنْ بلغته دعوته من الجن والإِنس إلى آخر الدّهر‏
    وقد قال الله جل وعلا لنبيه صلى الله عليه وسلم :
    {قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ }يوسف108

    وهذا أيضا من أخلاقه عليه الصلاة والسلام ، ومن أخلاق أهل العلم جميعا ، أهل العلم والبصيرة أهل العلم والإيمان أهل العلم والتقوى.

    ومن ذلك شفقته بمن يخطئ أو من يخالف الحق وكان يُحسن إليه ويعلمه بأحسن أسلوب ، بألطف عبارة وأحسن إشارة ، من ذلك لما جاءه الفتى يستأذنه في الزنى.

    فعن أبي أُمامة ـ رضي الله عنه ـ قال: إن فتىً شاباً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه مه فقال له: (ادنه)، فدنا منه قريباً، قال: (أتحبّه لأمّك؟) قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: (ولا الناس يحبونه لأمهاتهم) قال: (أفتحبه لابنتك؟) قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك. قال: (ولا الناس جميعاً يحبونه لبناتهم) قال: (أفتحبه لأختك؟) قال: لا والله جعلني الله فداءك. قال: (ولا الناس جميعاً يحبونه لأخواتهم). قال: (أفتحبه لعمتك؟) قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال: (ولا الناس جميعاً يحبونه لعماتهم). قال: (أفتحبه لخالتك؟) قال: لا والله جعلني الله فداءك. قال: (ولا الناس جميعاً يحبونه لخالاتهم) قال: فوضع يده عليه، وقال: اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصّن فرجه) فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء. رواه أحمد.

    وقد انتهج النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في دعوته ولطيف أسلوبه للناس كلهم حتى شملت الكافرين ، فكان من سبب ذلك أن أسلم ودخل في دين الله تعالى أفواجٌ من الناس بالمعاملة الحسنة والأسلوب الأمثل ، كان يتمثل في ذلك صلى الله عليه وسلم
    قول الله عز وجل: (( ادْعُ إِلِىَ سَبِيــلِ رَبّــكَ بِالْحِكْـمَةِ وَالْمَـوْعِظَـةِ الْحَسَنَـةِ وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ ... )) [ النحل:12]

    إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أُسيء إليه يدفع بالتي هي أحسن يتمثل ويتخلق
    بقوله تعالى: ((... ادْفَعْ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنّهُ وَلِيّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقّاهَا إِلاّ الّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقّاهَآ إِلاّ ذُو حَظّ عَظِيم )) [ فصلت 34-35 ]

    مزاح النبي صلى الله عليه وسلم

    وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أن يمازح العجوز، فقد سألته امرأة عجوز قالت: يا رسول الله! ادع الله أن يدخلني الجنة، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : ( يا أُم فلان إن الجنة لا تدخلها عجوز، فولت تبكي، فقال: أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز،
    إن الله تعالى يقول: (( إِنّآ أَنشَأْنَاهُنّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنّ أَبْكَاراً * عُرُباً أَتْرَاباً)) [ الواقعة 35 – 37 ]
    رواه الترمذي في الشمائل وحسنه الألباني .

    وكان جُلُّ ضحكه التبسم، بل كلُّه التبسم، فكان نهايةُ ضحكِه أن تبدوَ نواجِذُه‏.‏

    كرم النبي صلى الله عليه وسلم

    من كرمه صلى الله عليه وسلم أنه جاءه رجل يطلب البردة التي هي عليه فأعطاه إياها صلى الله عليه وسلم

    صبر النبي صلى الله عليه وسلم

    كان النبي صلى الله عليه وسلم يصبر على الأذى فيما يتعلق بحق نفسه وأما إذا كان لله تعالى فإنه يمتثل فيه أمر الله من الشدة.. وهذه الشدة مع الكفار والمنتهكين لحدود الله خير رادع لهم وفيها تحقيق للأمن والأمان..

    قال تعالى: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ ) الفتح:29

    ومن صبر النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه عندما اشتد الأذى به جاءه ملك الجبال يقول: يا محمد إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا، والأخشبان: جبلا مكة أبو قبيس وقعيقعان.

    فقد أخرج ابن سعد عن أنس رضي الله عنه قال : [ رأيت إبراهيم وهو يجود بنفسه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : [ تدمع العين ، ويحزن القلب ، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ، والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون ]

    تعاون النبي صلى الله عليه وسلم

    قال عليه الصلاة والسلام ‏:‏ ‏(‏مَنْ اسْتطاع منكم أَنْ يَنْفَعَ أَخاه فَلْيَنْفَعْه‏)‏‏.

    (عن ابن أبي أوفى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يأنف ولا يستكبر أن يمشي مع الأرملة والمسكين والعبد حتى يقضي له حاجته) رواه النسائي والحاكم.

    نصيحة لنفسي ولأخوتي فى الله:

    قال تعالى : (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً *ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليماً ) [سورة النساء:69-70].

    وقال تعالى : ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً)[سورة الأحزاب:21].

    فأكمل المؤمنين إيماناً بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وأعظمهم اتباعا، له وأسعدهم بالاجتماع – معه: المتخلقون بأخلاقه المتمسكون بسنته وهديه،
    قال صلى الله عليه وسلم: ((أنا زعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه)).

    وقال صلى الله عليه وسلم: ((إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا)).

    وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن من خياركم أحسنكم خلقا)).

    قال عليه الصلاة والسلام: ((ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن؛ وإن الله يبغض الفاحش البذيء)). وفي رواية: ((وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة)).
    وقال صلى الله عليه وسلم : ((أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وخياركم خياركم لأهله)). وفي رواية: ((لنسائهم)). وروي عنه صلى الله عليه وسلم قال: ((أحب عباد الله إلى الله أحسنهم خلقا)).

    وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن هذه الأخلاق من الله تعالى؛ فمن أراد الله به خيراً منحه خلقا حسنا)). وروي عنه صلى الله عليه وسلم : ((إن الخلق الحسن يذيب الخطايا كما يذيب الماء الجليد)).


    اللهم بارك بالقرآن العظيم وانفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم وصلوا عباد الله وسلموا على خير البرية وسيد البشرية كما أمركم الله بذلك حيث قال عز من قائل عليماً : إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً[الأحزاب:56]،
    اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين

    اللهم لك الحمد كما ينبغى لجلال وجهك وعظيم سلطانك
    اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم و على آل إبراهيم و بارك على محمد و على آل محمد كما باركت على إبراهيم و على آل إبراهيم فى العالمين إنك حميد مجيد

    اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم صلاة ترضيك وترضيه وترضى بها عنا يارب العالمين

    اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم عدد خلقك ورضاء نفسك وزنة عرشك ومداد كلماتك

    اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم بعدد ما ذكره الذاكرون وغفلَ عن ذكره الغافلون .

    اللهم صل على سيدنا محمد النبي الأمي الحبيب العالي القدر ، العظيم الجاه وعلى آله وصحبه وسلم.






  6. #6
    عضوة فعالة
    الحالة : صراحة غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 10025
    تاريخ التسجيل : Nov 2007 11
    المشاركات : 65
    التقييم : 50

    افتراضي 6- جوانب إعلامية في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم


    - مزايا إعلامية سامية في شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم :
    - عبقرية محمد صلىالله عليه وسلم الإعلامية
    - تقويم عمل الرسول صلى الله عليه وسلم الإعلامي من خلال سيرته :
    - القرآن الكريم كرسالة إعلامية :
    - بعض الخصائص الإعلامية للقرآن الكريم :


    الدارس لسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم من جوانبها الإعلامية لابد له أن يتوقف عند جانبين مهمين وأساسيين في مثل هذه الدراسة .
    الجانب الأول :
    الشخصية القيادية التي تقود الرأي وتمثل محور هذه السيرة ، وهذه الشخصية هي شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومواقفه في الدعوة ونشر الإسلام وتبليغ الوحي تعطي أبلغ الدروس وتؤصل لأعظم النظريات في الإعلام دون أن تحمل اسم الإعلام أو مصطلحاته الحديثة ، وهذه الشخصية المحمدية محورية في إيصال الرسالة الإعلامية الأولى والخالدة للجماهير وهي القرآن الكريم الذي يمثل الجانب الآخر من دراسة السيرة النبوية إعلاميًا ، وسوف نتوسع قليلاً في الحديث عن هذين الجانبين ، ونبدأ أولاً بشخصية الرسول صلى الله عليه وسلم في جانبها الإعلامي مذكرين بأن السيرة النبوية تمثل الآليات العملية التي اتخذها الرسول صلى الله عليه وسلم لإيصال الرسالة الإعلامية الأولى ـ وهي القرآن الكريم ـ إلى الجماهير مع شرحها وبيان ما أجمل منها .
    أولاً : شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم من منظور إعلامي :
    إذا كان علماء النفس والاجتماع وغيرهم قد صنفوا السلوك الإعلامي ( الاتصالي ) إلى ثلاثة مستويات ، فإن الذي يعنينا في دراسة السيرة النبوية من جوانبها الإعلامية هو المستوى الثاني الذي يسمونه مستوى الاتصال الغرضي أو الهادف ـ purposive Commuocatoin ـ الذي يتميز بوجود غرض لدى البادئ بالاتصال في أن يؤثر في سلوك من يستقبل الرسالة ، والسيرة النبوية تحكي الجانب العملي للرسالة التي حملها الرسول صلى الله عليه وسلم للبشرية بغرض الهداية إلى سبيل الله عز وجل والتبشير بالإسلام والدعوة إليه ، وبغرض الإنذار لمن تنكّب صراط الله المستقيم ، وتحذيره وإعلامه بخطورة الإعراض عن رسالة الإسلام والكفر بها وجحدها ، ومن هنا كان من الجوانب المهمة في شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم الجانب الاتصالي ، وهو أول ما يلفت النظر في دراسة تلك الشخصية العظيمة من خلال القرآن الكريم ، ومن خلال السنة المشرفة وجانبها العملي في السيرة النبوية ، ومن خلال شهادات الصحابة رضوان الله عليهم للشخصية المحمدية ووصفهم لها ، وإنا لنجد في سورة الأحزاب وفي غيرها آيات تحدد معالم شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم ، والمهمة التي أرسل من أجلها وسلوكه الاتصالي ( الإعلامي ) في هذه المهمة ،
    قال الله عز وجل ( يا أيها النبيّ إنّا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا * وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا * وبشّر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيرًا * ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ) (الأحزاب 45-48)
    فهو شاهد على المدعوين ومبشر لهم ونذير وداع لهم إلى سبيل الله عز وجل ، وسراج ـ على المستوى السلوكي ـ منير في هذه السبيل . صلى الله عليه وسلم ، بل إننا نذهب أبعد من ذلك إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان هو الشخصية الإعلامية المثلى على مر التاريخ فقد كان قائد الرأي ـ Opinion Leader ـ والمصدر المؤثر في المدعوين وتابعي الرأي ـ Opinion Follower ـ ، وكان يصدر في تأثيره عن وحي سماوي جعله ( لا ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحيٌ يوحى ) ، وجعله يبذل نفسه لنصح الناس ودعوتهم وإرشادهم والسعي إليهم من أجل ذلك واستقبالهم كذلك ، ولقد صور القرآن الكريم حال الرسول صلى الله عليه وسلم في حرصه على دعوة الناس وهدايتهم ،
    قال تعالى ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوفٌ رحيم * فإن تولّوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكّلت وهو رب العرش العظيم ) (التوبة/128- 129) ،
    وقال أيضًا ( فعلك باخعٌ نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا ) (الكهف/6) ،
    وهكذا كان حرص الرسول صلى الله عليه وسلم وديدنه وشغله الشاغل الاتصال بالناس وتبصيرهم وإرشادهم ومحاولة هدايتهم إلى طريق الحق ، وهذه هي الرسالة الحقيقية التي ينبغي أن تكون للإعلام ـ عمومًا ـ ، وللإعلام الإسلامي ـ خصوصًا ـ الذي يشتغل بالحقيقة الصادقة نقلاً وإخبارًا بما يخدم أهداف المجتمع الإسلامي في إطار من الحلال وبعيدًا عن الحرام .

    مزايا إعلامية سامية في شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم :
    والمتتبع لشخصية الرسول صلى الله عليه وسلم في جانبها الإعلامي سوف يجد مزايا إعلامية عالية تتمتع بها هذه الشخصية المعصومة ،
    ويمكن إجمال بعض هذه المزايا فيما يلي :-

    (1) أخلاقه صلى الله عليه وسلم التي بلغت الذروة في الكمال ، وقد شهد له الله عز وجل في القرآن الكريم بعظم خلقه ،
    قال عز وجل ( وإنك لعلى خلق عظيم ) (القلم/4) ، وشهدت له قريش الشهادة ذاتها وهو الذي ولد فيهم وتربى بينهم حتى قالت عنه السيدة خديجة رضي الله عنها في مبدأ الوحي [ أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدًا ، ووالله إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتؤدي الأمانة وتحمل الكلّ وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق ] ، وأما بعد الوحي والرسالة فقد قالت السيدة عائشة رضي الله عنها [ كان خلقه القرآن ] .
    (2) أمانته صلى الله عليه وسلم وقد اشتهر بها منذ نشأته حتى وصفته قريش بالأمين ، وهو ما جعل السيدة خديجة تسعى لتوليته أمر تجارتها من فرط أمانته وسمو أخلاقه ، وقد تقدم من كلامها رضي الله عنها ما يشير إلى أمانته صلى الله عليه وسلم وصدقه .
    (3) صدقه صلى الله عليه وسلم ، وهو الصادق الأمين الذي شهد له قومه بالصدق ، وشهد له القرآن الكريم بالصدق المطلق في ذاته وفي الكتاب الذي أنزل عليه ، قال الله عز وجل ( والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون )(الزمر33)
    وقال أيضًا ( وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحيٌ يوحى ) (النجم/3 -4) .
    (4) استقامته ورجاحة عقله وحلمه ، ولينه ورحمته صلى الله عليه وسلم بحيث أنه لم يعاقر خمرًا ولم يعبد صنمًا ولم يعرف طريقًا إلى الفاحشة كما لم يعرف الخنا إليه سبيلا ،
    قال الله عز وجل ( وإنك لتهدي إلى صراطٍ مستقيم ) (الشورى/52) ،
    وقال عز من قائل ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا ) (الأحزاب/21) ،
    وهذه أعظم شهادة ترفع استقامة النبي ـ بأبي هو وأمي وبالناس أجمعين ـ إلى عليين ، وكفى بها شهادة .
    ومجمل القول في شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه الإنسان المسلم الكامل الذي حباه الله من الصفات الكاملة والحلم ورجاحة العقل والرحمة واللين ما لم يتهيأ لغيره من البشر ،
    قال الله سبحانه وتعالى ( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واسغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله ) (آل عمران/159) ،
    وهذه الآية الجامعة تحدد بعض السلوكيات الإعلامية أو الاتصالية اتي ينبغي أن يكون عليها الإعلامي المثالي ـ الذي كانه رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ حيث ينبغي له أن يكون لين الجانب رحيمًا بأمته وبمن يضع رسالته الإعلامية فيهم وألا يكون فظًا غليظ القلب حتى لا ينفض الجمهور من حوله وأن يعفو عنهم أذاهم وانتقادهم ويغفر لهم ما كان منهم ، وأن يشاورهم مادام يعنيهم برسالته الإعلامية .
    (5) علمه صلى الله عليه وسلم ، وما ظن الناس بعلم رجل يوحى إليه من ربه عز وجل ؟! إنه صلى الله عليه وسم رباني المعرفة ، إلهي العلم ، ولو لم يكن إلا
    قول الله عز وجل فيه ( وعلّمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيمًا ) (النساء/113)
    لكفاه تزكية لعلمه وشهادة على ترفعه صلى الله عليه وسلم .

    عبقرية محمد صلىالله عليه وسلم الإعلامية

    ونكتفي بهذه المزايا التي ذكرنا إذ أنها تكفي لتبرهن على علو كعب صاحبها وعبقريته في الجانب الاتصالي ، ونورد قول الإمام أبي الحسن إبراهيم بن سليمان بن وهب في كتاب " البرهان في وجوه البيان "
    حيث قال ( إن أصحاب الخير ينبغي أن يكونوا من أصح العمال ديانة وأكملهم أمانة وأظهرهم صيانة ، كما أنه ليس ينبغي أن يتقدمهم في الصدق والأمانة غير القضاة ومن جرى مجراهم ، وهم من لا يكون فيهم شيء من الحسد والحدّة والغفلة ،والعجلة ) لندلل به على عدم وجود هذا الإخباري أو الإعلامي في دنيا الناس الآن على الرغم من تفوق القضاة عليه في الصدق والأمانة ، ولكن نموذجًا عبقريًا لهذا الإعلامي المتفوق على كل فئات البشر من قضاة ، وعلماء ، وأئمة ،وأنبياء ، قد وجد في شخص الرسول صلى الله عليه وسلم ـ وإن كنا نجلّه عن أن نصفه بالإعلامي ولكنها ضرورة البحث ـ الذي كملت ديانته وأمانته وصيانته وصدقه وعقله وحلمه صلى الله عليه وسلم .
    وإذا كان الإعلام هو نشر المعلومات بعد جمعها وانتقائها فقد مارس الرسول صلى الله عليه وسلم نشر الأحكام والشرائع والمعلومات الإلهية مع شرحها وبيان تنفيذها وتطبيقها عمليًا .
    أما إذا كان الإعلام يعني الدعوة أو الإصلاح القديم الذي أطلق عليه في القرون الوسطى لفظ (بروبا جاندا ) Propoganda أي النشاط الهادف إلى نشر الدعوة والتبشير بها وكسب المؤمنين بها ، فقد كانت حياة الرسول صلى الله عليه وسلم من بدء البعثة إلى وفاته سلسلة متصلة من الدعوة والنشاط لنشر الدعوة ، وباستعراض يسير لوقائع السيرة النبوية ، يقف القارئ على نوعية هذا النشاط الدعوي للرسول صلى الله عليه وسلم ، إما بقراءة رسالة الإسلام الإعلامية الخالدة ـ أي القرآن - على الناس وتبيانه لهم ، أو إرسال الرسائل إلى الملوك والأمراء لدعوتهم إلى الدخول في الدين الجديد ، أو إيفاد الدعاة إلى القبائل لدعوتها وتبصيرها بالإسلام ، أو الجهاد بالسيف لإعلاء كلمة الله عز وجل وفتح البلاد أمام الدين الجديد ، أو ترتيب البيت المسلم والمجتمع الإسلامي من الداخل ، أو غير ذلك .
    وإذا قلنا إن الإعلام يعني الدبلوماسية المفتوحة أو الدبلوماسية الشعبية والعمل السياسي الخارجي فإن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم قد أصّلت لهذا المعنى وقامت به على أكمل وجه وأمثله سواء كان ذلك في البيعات التي بويعها الرسول صلى الله عليه وسلم من أصحابه ، أو كان في المعاهدات والاتفاقات التي أبرمها صلى الله عليه وسلم مع غير المؤمنين به .

    تقويم عمل الرسول صلى الله عليه وسلم الإعلامي من خلال سيرته :

    لا يمكن بالطبع ـ لأي أحد أن يحكم على عمل الرسول صلى الله عليه وسلم إعلاميًا أو دعويًا او سياسيًا أو غير ذلك لسبب يسير وعظيم في نفس الوقت وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم مؤيد بالوحي صادق لا ينطق عن الهوى وأنه معصوم من الله عز وجل عن أي خطأ أو زلل أو فاحشة والعياذ بالله .
    وحتى لو أعملنا مقاييس الإعلاميين في تقييم العمل الإعلامي التي تقوم على محاور ثلاثة فسوف نجد هذا التقويم يبلغ القمة في بلوغ الغاية والأثر كما يأتي :-

    (1) المحور الأول : القياس الكمي للانتاج الإعلامي ، وطبيعي أن يبلغ هذا الانتاج القمة بأحاديث الرسول التي بلغت مئات الآلاف وشروح وتطبيقات الصحابة إضافة إلى الرسالة الإلهية الخالدة وهي القرآن الكريم
    (2) المحور الثاني : تحديد نوع الاستقبال المحتمل لرسالة الإعلام ، وفي هذا المحور نجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما بعث للناس كافة وأن أمته فوق الأمم وقد جاء هذا في القرآن الكريم في آيات كثيرة ، وجاء في خطابه صلى الله عليه وسلم للأنبياء عند اجتماعه بهم في رحلة الإسراء والمعراج قال [ الحمد لله الذي أرسلني رحمة للعالمين كافة للناس بشيرًا ونذيرًا ، وأنزل عليَّ الفرقان فيه بيان لكل شيء ، وجعل أمتي خير أمةٍ أخرجت للناس ، وجعل أمتي أمة وسطًا ، وجعل أمتي هم الأولون ، وهم الآخرون ،، انظر قصة الإسراء في تفسير الطبري .
    (3) المحور الثالث : تحديد التأثير الممكن للوسائل الإعلامية ، ويكفي هنا أن نقول إن تأثير القرآن الكريم والسنة المشرفة والرسول صلى الله عليه وسلم أنتج دولة قوية مهابة الجانب دوليًا وعالميًا ، خلال ثلاث وعشرين سنة ،وشكّل أمة هي خير الأمم على الإطلاق خلال الفترة نفسها ، وهذا التأثير جعل الباحثين الغربيين - فضلاً عن غيرهم - يضعون صاحبه ـ صلى الله عليه وسلم ـ على قمة هرم العظماء من البشر .

    القرآن الكريم كرسالة إعلامية :

    القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد على مرّ التاريخ الذي أسس دولة إسلامية عظمى أصبحت الدولة الأولى في العالم الجديد على عهد الصحابة ،بعد أن نقل ـ أي القرآن ـ العرب والناس من طور البداوة والتخلف والذلة إلى طور آخر من العزة والمنعة والحضارة والتقدم ، ولأنه موجه إلى البشرية جميعًا فقد حمل بين دفتيه أنجح وأرقى المداخل والأساليب الإعلامية المؤثرة ، كما يقول الدكتور حسن على محمد في كتابه " الإعجاز الإعلامي في القرآن الكريم " جاءت الرسالة القرآنية معجزة في بلاغتها مذهلة في منهجها الإعلامي وفنونها التعبيرية وهذا ما قرره الدكتور إحسان عسكر في كتابه " فنون التبليغ القرآني ونظرياته " فالمتأمل لآي القرآن الكريم يجد فيه المكي والمدني ولعله ما يدرس في معاهد الإعلام ـ الآن ـ تحت عنوان المنطق الإعلامي والمرتكزات الإعلامية بأنواعها ، والثابت أن القرآن الكريم بما له من ذاتية إعلامية قد جمع في وقت واحد بين نمطين من الاتصال ، فهو شخصي الوسيلة جماهيري الخطاب ، فقد قام الرسول صلى الله عليه وسلم بتبليغ القرآن عن طريق الاتصال الشخصي إلا أن هذا الاتصال كان له طابع جماهيري فهو موجه إلى الناس من رب الناس من خلال رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم .

    بعض الخصائص الإعلامية للقرآن الكريم :
    (1) الإيجاز : القرآن الكريم مثال فريد للإيجاز البليغ والإعجاز اللفظي والمعنوي بحيث أن اللفظ الواحد يؤدي معنى تعجز عن أدائه ألفاظ كثيرة ، وقد يرسم اللفظ الواحد صورة ذهنية تغني عن ألفاظ كثيرة ، وقد يؤدي اللفظ الواحد عدة معاني في آن واحد ، وهذا كثير في القرآن الكريم ، ومن الأمثلة على ذلك ما كانت تحدث به العرب من أنهم أتوا بأخصر جملة وأوجزها وهي " القتل أنفى للقتل " فهي ثلاث كلمات وتؤدي معاني كثيرة ، ولكن التكرار فيها لكلمة القتل أخل بها من جهة البلاغة ، فنزل القرآن الكريم بأوجز من هذه العبارة ،
    قال الله عز وجل ( ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب ) (البقرة/179) ،
    فعبارة ( القصاص حياة ) كلمتان فقط وليس فيها تكرار وهي تنفي القتل وتدعو للحياة في ذات الوقت بعكس العبارة العربية التي نفت القتل وفقط ، والأمثلة في القرآن الكريم كثيرة جدًا على مثل هذا .
    (2) النظام الصوتي والجمال اللغوي :
    يقول الزرقاني في مناهل العرفان " النظام الصوتي في القرآن الكريم هو ذلك الاتساق في حركاته وسكناته ومدّاته وغنّاته واتصاله وسكتاته " ، واللغة العربية عمومًا ، ولغة القرآن خاصة لغة جميلة يتوافق فيها النظام الصوتي مع جمالها ، والأصوات الحادثة من التقاء الحروف ببعضها وأدائها على وجهها الصحيح من الصفات والمخارج يأسر الأسماع والقلوب معًا ، فتكرار الصوت يؤدي إلى تكرار المعنى مثل هدهد ، رجرج ، زلزل ، وكل صوت في اللفظ قد يؤدي جزءًا من المعنى مثل " ذلك " حيث ذا للإشارة واللام للبعد والكاف للخطاب ، وهناك علاقة بين الحرف ومخرجه ، فالفاء تدل على الوضوح مثل فتح .. فضح .. فرح ،والضاد تدل على الشدة والكآبة مثل ضرب .. ضجر .. ضيق .. ضنك .. وهكذا ، ومن النظام الصوتي تكرار الأصوات مما يحدث أثرًا قويًا في النفس وخشوعًا في القلب مثل قوله تعالى ( كلاّ إذا دكت الأرض دكّـًا دكّـًا * وجاء ربك والملك صفّـًا صفّـًا ) (الفجر21-22) .
    ومجمل القول أن جمال اللغة في القرآن الكريم قرين النظام الصوتي وهما يشكلان وحدة واحدة تصب في جمال التأثير وقوته .
    (3) عناية القرآن الكريم بالمداخل الإعلامية :
    ومن ذلك المدخل التربوي النفسي ، والمدخل التعريفي الذي يهتم بتعريف الإنسان بنفسه وبربه وبالكون ، والمدخل العقيدي الذي يعّرف بالعقيدة الصحيحة ، والمدخل الاجتماعي الذي يهتم بالأسرة والمجتمع والفرد ، والمدخل الاقتصادي الذي يتعلق بالمال والاقتصاد والإنفاق والربا ، والمدخل العسكري الذي يهتم بشؤون الجهاد والحرب ، وغيرها من المداخل التي أولاها القرآن الكريم رعاية كبيرة ، واستعمل لتقريبها وتوضيحها والاعتبار بها أساليب كثيرة منها الأمثال ، والقصص ، وغير ذلك من أساليب القرآن الكريم .
    وبعد فتلك كانت بعض الكلمات الإعلامية عن عبقرية محمد صلى الله عليه وسلم في الجانب الإعلامي من سيرته الطاهرة ، وتلك أيضًا كانت بعض الكلمات الإعلامية عن القرآن الكريم الذي يعتبر بحق كتاب الحياة الأول بكل ما تعنية كلمة الحياة من جوانب شرعية وعقلية ، دينية ودنيوية وأخروية واجتماعية وثقافية وسياسية واقتصادية وعسكرية وإعلامية ، وقد يعجب المرء من أن القرآن يحوى كل نظريات الإعلام ، ولكن يذهب عجبه حينما يزداد يقينًا بأن منزل الكتاب هو خالق الإعلام ورجاله واساليبه ، وهو سبحانه يعلم من خلق ويعلم حرب الأعداء على كتاب الله وعلى رسوله وقد سجل بعض دعايتهم المضادة
    فقال عز وجل ( وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ) (فصلت/26)
    وقال أيضًا ( ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفًا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم ) (محمد16) ، ومع ذلك فإننا نزعم ختامًا لهذه الكلمات أن القرآن الكريم والسنة النبوية والسيرة النبوية لم يدرسوا الدراسة الإعلامية الجديرة بهم كمصادر لأعظم دين شرع ... والله



    اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم صلاه تصله وتوصلنا به.

    اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم صلاه تفتحُ بيننا وبينه فتحاً مبيناً.

    اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم بعدد حسنات سيدنا محمد .

    اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم صلاة تصرف بها عنا السوء وسوء الفحشاء والمنكر .

    اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم صلاة تجمعنا معه في كل وقت وحين.

    اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم صلاة ترزقنا بها شفاعته وزيارته واتباعَ سنته آمين.

    اللهم صل على سيدنا محمد صلاة تكون لكَ رضاءً ولحقِّه أداء .

    اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ، من الأزلِ إلى الأبدِ على ما تعلقَ بهِ علمُ اللهِ عز وجل .


    سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين
    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين له إلى يوم الدين.
    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .0






  7. #7
    عضوة فعالة
    الحالة : صراحة غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 10025
    تاريخ التسجيل : Nov 2007 11
    المشاركات : 65
    التقييم : 50

    افتراضي 7- منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في الحفاظ على سمعة الإسلام


    د. خالد بن عبد الرحمن الشايع

    من منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في القضايا العامة حرصه على سمعة الإسلام، وتنزيهه عن الأقوال والأفعال التي قد تسبب تشويهه أو وصمه بصفات هو منها بريء.

    وهذا المنهج النبوي واضحٌ وجليٌّ لكل من تأمل في السيرة العطرة.

    والأمثلة على هذا متعددة، ومن النماذج منهج النبي عليه الصلاة والسلام في احتواء المشكلات داخل المدينة المنورة، وتجاوزه عن بعض أفعال المنافقين والزنادقة الذين يتظاهرون بالإسلام ويعيشون في جنبات المدينة النبوية؛ رغم ما كان يصدر عنهم من مواقف الخيانة العظمى، إلى الحد الذي جعل الصحابة يضيقون ذرعا بأولئك الأفراد، ويطالبون النبي عليه الصلاة والسلام بقتلهم في أكثر من مرة، غير أن النبي عليه الصلاة والسلام كان متشبثا بمنهجية الإغضاء، ويعلل ذلك بقوله: «لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه»، رواه البخاري ومسلم.

    وفي واقعة أخرى يحدث جابر بن عبد الله يقول: «لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائم هوازن بين الناس بالجعرانة قام رجل من بني تميم فقال: اعدل يا محمد! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ويلك! ومن يعدل إذا لم أعدل؟! لقد خبت وخسرت إن لم أعدل»، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ألا أقوم فأقتل هذا المنافق؟ قال: «معاذ الله أن تتسامع الأمم أن محمدا يقتل أصحابه»، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن هذا وأصحابا له يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم». رواه أحمد وأصله في صحيح البخاري.

    وفي روايات أو مناسبات أخرى عندما كان الصحابة يرون أن أشخاصا ممن يعيشون في كنف الدولة الإسلامية ارتكبوا أعمالا شنيعة، مما يطلق عليه اليوم في قوانين الدول «الخيانة العظمى» نحو أوطانهم، ويطالب الصحابة ومنهم كبار وزراء ومستشاري النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، بتنفيذ الحكم الحاسم نحوهم، إلا أنه كان يرد عليهم: «أكره أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه»، وبقوله: «فكيف إذا تحدث الناس يا عمر أن محمدا يقتل أصحابه».

    وتوضيحا لهذه السياسة النبوية فإن المجتمع الإنساني آنذاك وهو يشاهد هذا الدين الجديد وهذه الدولة الوليدة على أساسه وتشريعاته فإنهم يرمقون اتجاهات قائدها ويراقبون قراراتها، إلى الحد الذي سبروا معه تاريخ هذا القائد منذ مولده وطبيعة تعاملاته وأخلاقه، بل تاريخ أجداده، كما جاء في الحوار الشهير بين اثنين من أكبر قادة وساسة ذلك العصر، وهما القائد القرشي أبو سفيان والملك الرومي هرقل.

    وفي ضوء ذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يدرك أن الناس من حوله لن يتفهموا سبب الحكم بالإعدام الذي تقضي به الدول نحو من يخونها من رعاياها، فترك ذلك رعاية لمصلحة أعلى، وهي حماية سمعة الرسالة الخاتمة التي كلفه الله بإبلاغها للثقلين.

    منهجية حماية سمعة الإسلام
    ولم يزل النبي صلى الله عليه وسلم محافظا على منهجية حماية سمعة الإسلام، وبخاصة لدى التعامل مع الدول وأهل الملل الأخرى، عملا بالتوجيهات الربانية، كما في قوله سبحانه: "وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ" [الأنفال : 58].

    ويوضح هذه الآية الكريمة ما رواه سليم بن عامر قال: كان بين معاوية وبين الروم عهد، وكان يسير نحو بلادهم، حتى إذا انقضى العهد غزاهم، وفي رواية: فأراد أن يدنو منهم فإذا انقضى الأمد غزاهم، فجاء رجل على فرس أو برذون وهو يقول: الله أكبر الله أكبر، وفاء لا غدر. فنظروا فإذا عمرو بن عبسة رضي الله عنه، فأرسل إليه معاوية فسأله؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقدة ولا يحلها حتى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء»، فرجع معاوية بالناس. رواه أحمد وأبو داود والترمذي.
    وكان النبي صلى الله عليه وسلم يوصي من يعينهم من القادة والسفراء ومن يتفاوض مع غير المسلمين ويقول لهم: «إذا أرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم أن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله»، رواه مسلم.

    قال العلماء: الذمة هنا: العهد، ومعنى: تخفروا، أي نقض عهدهم، والمعنى لا تجعلوا العهد منسوبا إلى الله أو إلى نبيه فإنه قد ينقضه من لا يعرف حقه، وينتهك حرمته بعض الأفراد. ولكن يكون العهد باسم القائد حتى يكون مسئولا عنه هو.
    وعند النظر في الحملات الجائرة لتشويه تراث الأمة وتاريخها والتي يتبناها اليوم أقوام جعلوا هدفهم الأكبر الصد عن دين الإسلام ومنع الناس من تقبله، وسلكوا في سبيل ذلك مسلك التشويه والافتراء، مستغلين أخطاء بعض من ينتسبون للإسلام، فراحوا يضخمونها ويسخرون لها وسائل الإعلام والاتصالات ليؤكدوا للعالم مزاعمهم ضد الإسلام وضد نبي الرحمة عليه الصلاة والسلام، على غرار ما تابعناه في الفترة الأخيرة من حملات محاولة الإساءة للنبي الكريم عليه الصلاة والسلام.
    إن ذلك كله ليفرض علينا - أهل الإسلام - أن نجعل من أولويات التعامل مع غير المسلمين مبدأ
    (حماية سمعة الإسلام)
    و(حماية سمعة النبي صلى الله عليه وسلم)
    وأن نوضح الصورة الحقيقية للإسلام وأن نعرف بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال الله عنه: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَة لِّلْعَالَمِينَ». [الأنبياء:107].


    اللهم وفقنا لخدمة دينك وأعنا على فعل الخير وسدد بالحق طريقنا وألهمنا رشدنا إنك ولي ذلك والقادر عليه اللهم من اعتز بك فلن يذل، ومن اهتدى بك فلن يضل، ومن استكثر بك فلن يقل، ومن استقوى بك فلن يضعف، ومن استغنى بك فلن يفتقر،ومن استنصر بك فلن يخذل، ومن استعان بك فلن يغلب،ومن توكل عليك فلن يخيب، ومن جعلك ملاذه فلن يضيع، ومن اعتصم بك فقد هُدي إلى صراط مستقيم، اللهم فكن لنا وليا ونصيرا، وكن لنا معينا ومجيرا وارزقنا الإخلاص وتقبل منا يا أكرم مسئول






  8. #8
    عضوة فعالة
    الحالة : صراحة غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 10025
    تاريخ التسجيل : Nov 2007 11
    المشاركات : 65
    التقييم : 50

    افتراضي 8- الرحمة النبوية.. منهج إنساني نادر*


    - الرحمة النبوية.. منهج إنساني نادر*
    - الإفراط والتفريط في الرحمة
    - خدعة "الإنسانية"(Humanizm)
    - كان ذروة في كل شيء
    - الرحمة العالمية
    - الشفقة مع الأطفال
    - رحمة بالحيوانات.. أيضًا
    لقد كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو الممثل الوحيد لتجلي صفة الرحمة والرحمانية لله تعالى في الأرض. واستعمل هذه الصفة كإكسير شاف لفتح القلوب والتربع على عروشها.

    فصفة الشفقة والرأفة واللين في الإنسان هي العامل الثاني في جذب الناس وفتح قلوبها بعد صفة الإخلاص والتجرد الحقيقي.
    لقد كانت رقة وجمال العالم الداخلي للرسول صلى الله عليه وسلم وقابليته غير الاعتيادية ورحمته وشفقته -اللتان كانتا بُعدًا آخر من أبعاد فطنته- من عوامل نجاحه التي استعملها واستغلها، ومن دلائل نبوته كذلك.

    أجل؛ لقد أرسله الله تعالى رحمة للعالمين. لقد كان مرآة مجلوة تعكس رحمة الله تعالى. كأنه كان نبعًا وسط الصحارى أو حوض كوثر تقاطر عليه الجميع وفي يد كل منهم وعاؤه، يشرب حتى يطفئ ظمأه ويروي غلته ويملأ وعاءه. إنه بسرّ بُعد الرحمة المتجلية فيه مثل حوض كوثر للجميع، لمن أراد واستطاع الاستفادة منه.

    غير أنه بفطنته الرائعة جعل الرحمة الموجودة في فطرته شِبَاك رحمة لصيد القلوب، فمن وجد نفسه في ذلك الجو الساحر وجد نفسه في طريق الجنة، وفي قمة الوجد. هكذا كانت "الرحمة" في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم مفتاحًا سحريًّا. وبهذا المفتاح فتح مغاليق أقفال صدئة لم يكن أحد يتوقع فتحها بأي مفتاح، وأشعل شعلة الإيمان في القلوب.. أجل، لقد سلّم هذا المفتاح الذهبي إلى محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان أليق الناس به، والله تعالى دائمًا يسلم الأمانة لمن هو أهل لها.
    لذا، سلّم مفتاح القلوب التي أعطاها أمانة للناس إلى من هو أكثر أهلية له من بين كل الناس وكل البشر؛ إلى محمد صلى الله عليه وسلم. لقد أرسله الله رحمة للعالمين، فقام صلى الله عليه وسلم بتقييم هذه الرحمة بشكل متوازن جدًّا؛ لأن التوازن شيء مهم في موضوع الرحمة.
    الإفراط والتفريط في الرحمة

    هناك إفراط وتفريط في مسألة الرحمة كما في المسائل الأخرى. ويمكن مشاهدة أفضل مثل على سوء استعمال الرحمة في فكر وتصرفات الماسونيين، فهم مع كونهم يتحدثون بمبالغة عن الحب وعن الإنسانية، نراهم لا يستطيعون إقامة أي علاقة حميمة مع أي شخص متدين، بل لو كان في مقدروهم أن يقتلوا كل شخص متدين ومسلم لفعلوا.
    فالحب الذي يتحدثون عنه مقتصر عليهم وعلى من يفكر مثلهم، وهذا الحب في الحقيقة ليس الحب الخالص الذي نعرفه نحن، بل هو حب قائم على المنافع وعلى المصالح؛ بينما كانت رحمة سيد المرسلين رحمة متوازنة شاملة، لم تشمل الناس فقط، بل شملت الوجود بأجمعه.
    يستطيع المؤمنون الاستفادة من الرحمة التي كان يمثلها النبي صلى الله عليه وسلم؛ ذلك
    لأنه: {... بالمؤمنين رءوف رحيم} (التوبة: 128). ويستطيع الكافرون والمنافقون أيضًا -إلى جانب المؤمنين- الاستفادة من هذه الرحمة كذلك. حتى إن لجبريل حصة من هذه الرحمة.[ الشفاء، للقاضي عياض 1/17.]
    انظروا وتأملوا مدى شمولية وسعة هذه الرحمة؛ بحيث إن الشيطان نفسه بعدما شاهد هذه الرحمة انبعث فيه بعض الأمل فيها.[ مجمع الزوائد، للهيثمي 10/216؛ "كنز العمال" للهندي 4/244]
    الرحمة التي يمثلها غير مقتصرة على أناس معينين ولا على جماعات معينة، ولم يقم أبدًا باستغلال هذه الرحمة كما فعل البعض.

    خدعة "الإنسانية"(Humanizm)
    في أيامنا الحالية تيارات اتخذت من فكرة "الإنسانية" ستارًا لخداع الإنسان. وأنا أتساءل: ما الفرق بين هذا التصرف وبين تصرف العقارب والثعابين التي تقترب من الإنسان لتلدغه؟ إن الحب الذي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يمثله لم يكن من هذا النوع أبدًا، ويجب ألا يخلط به.
    إن مفهوم الحب في الإسلام حب متوازن يضم في إطاره الدنيا والآخرة كما هو شأنه في الأمور الأخرى كذلك. لقد احتضن محمد صلى الله عليه وسلم برسالته الإنسانية كلها، بل الوجود كله بالحب، غير أن حبه الواسع وشفقته الشاملة لم تبق في إطار الكلام أو في بطون الكتب كما فعل الآخرون، بل سرعان ما انعكست في الحياة العملية وبكل معانيها العميقة وأبعادها الشاملة. علمًا بأنه ما من فكر من أفكاره صلى الله عليه وسلم أو عمل من أعماله إلا وأخذ طريقه إلى التطبيق العملي؛ ذلك لأنه كان رجل فكر وحركة وعمل.
    إن الرحمة الواسعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم التي ضمت الوجود كله بإخلاص؛ وجدت طريقها إلى التطبيق؛ لأنها كانت معنى منبعثًا بكل تجرد وإخلاص من قلب الوجود كله. فمثلاً نراه يعبر عن شفقته على الحيوان بمثالين حيين:
    عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أن امرأة بغيًّا رأت كلبًا في يوم حارٍّ يُطِيف ببئرٍ، قد أَدْلَعَ لسانَه من العطَش، فنَزَعَتْ له بِـمُوقِها فغُفِر لها".[ البخاري، الأنبياء، 54؛ مسلم، السلام، 154]
    ثم يروي صلى الله عليه وسلم حادثة مقابلة لذلك: "عُذِّبتْ امرأةٌ في هرّة سجنتْها حتى ماتت فدخلت فيها النارَ، لا هي أطعمتْها ولا سقتْها إذ حبستْها، ولا هي تركتْها تأكل من خَشَاش الأرض".[ البخاري، المساقاة، 9؛ مسلم، السلام، 151؛ الدارمي، الرقاق، 93؛ "المسند" للإمام أحمد 2/507

    كان ذروة في كل شيء

    لقد جاء رسول الله ليبلغ رسالة الرحمة هذه، فقد كان المنهل العذب المورود. فمن جاءه وجد الرحمة عنده، ومن شرب ماء الحياة من يده فقد حصل ووصل إلى الخلود المعنوي. فيا ليت الذين سيقفون أمام حوض الكوثر بقدَر ولطف من الله تعالى يعلمون قدره وفضله صلى الله عليه وسلم حق العلم.

    ولكي لا يبقى ما قلناه مفهومًا مجردًا؛ فإنني أود تقديم أمثلة ملموسة، غير أنني أود قبل هذا لفت انتباهكم إلى أنه كان ذروة في كل شيء. فهناك أناس يتقدمون الصفوف في بعض المسائل، ولكنا نجدهم في أواخر صفوف مسائل ومجالات أخرى.

    مثلاً نرى القائد الموفق في ساحات القتال وفي فنون الحرب مهما بلغ في مهارته هذه، فإنه لا يكاد يبلغ درجة راعٍ بسيط في ساحات أخرى في الشفقة ورقة العاطفة والفهم، بل لكونه معتادًا على القتل، فلن يكون إنسانًا رحيمًا في معظم الأحوال. ذلك لأن عواطفه وأحاسيسه قد فقدت حساسيتها ورقتها من كثرة ما اقترف من أعمال القتل، فلا يشعر بأدنى عاطفة وهو يقوم بقتل إنسان.
    وقد يكون هناك سياسي ناجح في ميدان السياسة، ولكنك قد تراه مبتعدًا عن الصدق بنسبة نجاحه هذا، وقد لا يحترم حقوق الناس. أي أن ابتعاده عن الصدق وعن المروءة بنسبة نجاحه في ميدان السياسة يكون أمرًا واردًا. وهذا يعني أن ارتفاعًا في ميدان ما قد يستتبعه هبوط في ميدان آخر.
    كما تستطيع مشاهدة الإنسان الذي افتتن بتيار الوضعية (Positivism)؛ وهو يجري وراء إجراء التجارب على كل شيء. وكيف أن الحياة الروحية والقلبية لمثل هذا الرجل لا تتجاوز خط الصفر.
    بل هناك أشخاص وصلوا بعقولهم إلى "قمة إفرست". ولكنهم في حياتهم القلبية والروحية هابطين إلى مستوى "البحر الميت" "بحيرة لوط". فكم من شخص انساب عقلُه إلى عينيه فلا يرى شيئًا سوى المادة، يقف ذاهلاً أحمق أمام منطق الوحي، قد عميت عيناه عن رؤية الحقيقة.

    من هذا الشرح القصير نعرف أن هناك أشخاصاً ينجحون في ساحات وميادين معينة، ولكنهم يفشلون في ساحات وميادين أخرى أكثر أهمية. أي أن الصفات المتناقضة الموجودة في الإنسان تعمل إحداها ضد الأخرى. فعندما تتوسع صفة ما وتقوى يكن هذا ضد صفات أخرى، وعندما تنمو إحداها وتقوى تضمر الأخرى وتضعف.

    ولكن هذا الأمر غير وارد بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو إلى جانب كونه محاربًا كان صاحب شفقة عظيمة. كان سياسيًّا ولكنه في الوقت نفسه صاحب مروءة كبيرة وقلب كبير.

    وبينما كان يعطي أهمية للأمور الملموسة وللتجارب، فإنه كان ذروة في حياة الروح وفي حياة القلب. ويمكن العثور على أمثلة كثيرة بهذا الصدد في غزوة أُحد. ففي تلك الغزوة استشهد عمه حمزة رضي الله عنه الذي كان يراه شقيق نفسه. لم يُستشهد فقط، بل مُزّق جسده تمزيقاً.[ البخاري، المغازي، 23]
    كما مُزّق جسد ابن عمته عبد الله بن جحش تمزيقاً.[ السيرة النبوية، لابن هشام 3/103] وشج رأسه المبارك، وكسرت أسنانه وغطى الدم جسده الشريف؛[ البخاري، المغازي، 24؛ مسلم، الجهاد، 100، 101]
    وبينما كثّف أعداؤه الهجوم عليه جاهدين الوصول إليه لقتله كان هذا الإنسان العظيم فوق كل عظمة فاتحاً يديه يبتهل إلى الله تعالى قائلاً: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون".[ البخاري، الأنبياء، 54؛ مسلم، الجهاد، 104، 105]
    فما أعظم وما أروع هذه الشفقة من شخص يحاول أعداؤه قتله فلا يدعو عليهم، بل يبتهل لله تعالى أن يغفر لهم.

    حتى فتح مكة لم يبق في يد أعدائه أيُّ وسيلة للإيذاء لم يجربوها معه ولم يوجهوها نحوه. تأملوا معي كيف أنهم أخرجوه هو ومن يقف معه من بيوتهم إلى منطقة صحراوية معلنين عليهم المقاطعة، ومعلقين بنود هذه المقاطعة الشريرة على جدار الكعبة، وكانت تقضي بعدم التعامل معهم بيعًا وشراء وعدم التزوج من بناتهم أو تزويج بناتهم لهم.

    وقد دامت هذه المقاطعة ثلاث سنوات بحيث اضطروا إلى أكل العشب والجذور وأوراق الأشجار، حتى هلك منهم الأطفال والشيوخ من الجوع دون أن تهتز منهم شعرة، أو تتحرك عندهم عاطفة رحمة. ولم يكتفوا بهذا، بل اضطروهم لترك بيوتهم وأوطانهم والهجرة إلى أماكن أخرى بعيدة. ولم يدعوهم في راحة هناك فبدسائسهم المختلفة سلبوا منهم طعم الراحة والاطمئنان.

    وفي غزوات بدر وأُحد والخندق اشتبكوا معهم في معارك ضارية، وحرموهم حتى من أبسط حقوقهم كزيارة الكعبة، وأرجعوهم إلى ديارهم بعد إبرام معاهدة ذات شروط قاسية. ولكن الله تعالى أنعم عليهم ففتحوا مكة ودخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأس جيش عظيم.
    فكيف كانت معاملته لأهل مكة بعد كل هذا التاريخ المملوء عداوة وبغضًا؟ لقد قال لهم: "اذهبوا فأنتم الطُلَقاء". ولولا أنني أخذت هذا الدرس منه لما كنت قد تصرفت هكذا لو كنت في موقعه، ولا أشك أنكم تشاطرونني رأيي هذا.

    ويدخل مكة على مركبه والدرع على صدره والمغفر على رأسه والسيف في يده والنبال على ظهره. ولكنه مع كل مظاهر لباس الحرب هذه كان أنموذجًا للشفقة والرأفة. سأل أهل مكة: "ما ترون أني فاعل بكم؟" فأجابوه: "خيرًا.. أخٌ كريمٌ وابن أخ كريم". فقال لهم ما قاله يوسف عليه السلام لإخوته: {لا تثريبَ عليكم اليوم يَغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين} (يوسف: 29)
    [السيرة النبوية، لابن هشام 4/55؛ "البداية والنهاية" لابن كثير 4/344].
    لم يقصر في حياته أبداً من ناحية اتخاذ الحيطة. وليس هناك من استطاع مثله الجمع بقوة بين اتخاذ التدبير والتوكل. عندما خرج بأصحابه إلى بدر امتحنهم. كان كل منهم كالطود الشامخ لا يخاف الوقوف وحده أمام جيش بكامله، وعندما قال له سعد بن معاذ -وفي رواية سعد بن عبادة-: "يا رسول الله! والذي نفسي بيده لو أمرتَنا أن نخيضها البحار لأخضناها ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى بَرْكِ الغِمَاد لفعلنا ما تخلَّف منا أحد" [البداية والنهاية، لابن كثير 3/321، 322؛ "السيرة النبوية" لابن هشام 2/266

    فإنه كان يعطي أنموذجًا لهؤلاء، ثم ما أكثر المعاني التي يحملها قوله للرسول صلى الله عليه وسلم: "فصِلْ حِبال من شئتَ واقطعْ حبال من شئت وعادِ من شئت وسالِمْ من شئت وخذ من أموالنا ما شئت". [البداية والنهاية، لابن كثير 3/322].

    كان المقاتلون متهيئين فكأن كل واحد منهم سعد بن معاذ، ومع ذلك لم يقصر رسول الله صلى الله عليه وسلم في اتخاذ التدابير، بل كان يهيئ كل الوسائل والأمور الضرورية للحرب. وبعد هذا الدعاء الفعلي -لأن اتخاذ الوسائل دعاء فعلي- رفع يديه إلى السماء مبتهلاً إلى الله من كل قلبه ضارعاً وملتجئاً إليه.

    واندمج في دعائه بحيث كان رداؤه يسقط دون أن يشعر بذلك ولم يتحمل أبو بكر الذي كان يراقب هذا المنظر، فكان يعيد عليه رداءه ويقول: "يا نبيّ الله! كفاك مناشدتك ربك، فإن الله منجز لك ما وعدك".[ مسلم، الجهاد، 58؛ الترمذي، تفسير سورة (8) 3؛ "المسند" للإمام أحمد 1/32؛ "السيرة النبوية" لابن هشام 2/279؛ "البداية والنهاية" لابن كثير 3/332]
    فمثل هذا المستوى الرفيع من التوكل على رب العالمين بعد اتخاذ كل هذه التدابير صفة تميز بها ذلك الإنسان.. إنسان الذروة صلى الله عليه وسلم.

    الرحمة العالمية
    لقد ذكرت في بداية هذا الموضوع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مثال الرحمة التي استفاد منها الكل؛ المؤمن والكافر والمنافق. يستفيد المؤمن من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يقول بأنه أقرب للمؤمنين من أنفسهم.

    صحيح أن المفسرين يقولون إن الرسول صلى الله عليه وسلم يجب أن يكون أعز وأحب إلى المؤمنين من أنفسهم،
    استناداً إلى الآية الكريمة: {النبي أَوْلَى بالمؤمنين من أنفسهم} (الأحزاب: 6).
    ولكن الحقيقة أن المعنيين متقاربان من بعضهما، فنحن نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من أنفسنا، والرسول صلى الله عليه وسلم يحب من يحمل له هذه العاطفة بالحب نفسه؛ ذلك لأنه رجل مروءة كبير.

    هذا حب عقلي ومنطقي، ومع أن لهذا الحب جانبه العاطفي إلا أن بُعد المعرفة وعمق المنطق يشكلان الجانب الأساسي فيه. ولو تم بحث هذا الموضوع وتسليط الأضواء عليه، تجذر هذا الحب عند الإنسان وقوي إلى درجة أن يسير وراء ذكره كما سار "قيس" وراء ليلاه، وكلما ذكر اسمه أحس كأن دخاناً يخرج من أنفه، ويُعِدّ حياته التي انقضت دون رؤيته كأنها حياة منفى وهجر.

    أجل، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرب إلينا من أنفسنا. كيف لا ونحن نرى الكثير من الشرور والآثام من أنفسنا، بينما لم نرَ منه سوى الكرم والرحمة والخير والشفقة والمروءة، فهو يمثل الرحمة الإلهية؛ لذا فلا شك أنه أقرب إلينا من أنفسنا.

    وعندما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه أقرب إلى المؤمنين من أنفسهم فقد صدق،
    فالله تعالى يقول {النبي أَوْلَى بالمؤمنين من أنفسهم} (الأحزاب: 6).
    ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفِّي وعليه ديْن فعليّ قضاؤه، ومن ترك مالاً فهو لورثته".[ البخاري، الكفالة، 4؛ مسلم، الفرائض، 14
    وبداية هذا الحديث:... عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بالرجل الميت عليه الدين، فيسأل: "هل ترك لدينه من قضاء؟"، فإن حدث أنه ترك وفاء صلَّى عليه، وإلا قال: "صلّوا على صاحبكم". فلما فتح الله عليه الفتوح، قال: "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفِّي وعليه دين فعليّ قضاؤه، ومن ترك مالاً فهو لورثته".[ البخاري، الاستقراض، 11؛ مسلم، الفرائض، 14؛ "المسند" للإمام أحمد 3/311
    وكون الرسول صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمنين من أنفسهم في الدنيا والآخرة يُعَدّ رحمة، وناحية الرحمة هذه مستمرة إلى الأبد.

    كان رحمة للمنافقين أيضًا. فبسبب هذه الرحمة الواسعة لم يرَ المنافقون العذاب في الحياة الدنيا. فقد حضروا إلى المسجد واختلطوا بالمسلمين واستفادوا من كل الحقوق التي تمتع بها المسلمون. ولم يقم رسول الله صلى الله عليه وسلم بفضحهم وإفشاء أسرار نفاقهم أبداً مع أنه كان يعرف دخائل نفوسهم ونفاقهم، حتى إنه أخبر حُذيفة رضي الله عنه بذلك [البخاري، فضائل أصحاب النبي، 20؛ "أسد الغابة" لابن الأثير 1/468].
    لذا، كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يراقب حُذيفة، فإن رآه لا يصلي على جنازة لم يصلها هو كذلك.[ أسد الغابة، لابن الأثير 1/468]

    ومع ذلك فلم يهتك الإسلام سرهم، فبقوا بين المؤمنين، وانقلب كفرهم المطلق إلى ريبة وشك على الأقل، فلم يحرموا من لذائذ الدنيا؛ لأن الإنسان الذي يعتقد أنه سيفنى ويذهب إلى العدم لا يمكن أن يهنأ في عيشه، ولكن إن انقلب كفره إلى شك وشبهة فإنه يقول في نفسه: "ربما توجد هناك حياة أخروية"، عندئذ لن تكفهر حياته تمام الاكفهرار. ومن هذا المنطلق كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمة لهم بهذا المعنى.

    كما استفاد الكفار من رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله تعالى كان يهلك من قبل الأمم الكافرة بسبب كفرها وعصيانها هلاكاً جماعياًّ، بينما رفع الله تعالى بعد بعثة نبينا هذا الهلاك الجماعي، فاستفاد الناس من خلاصهم من مثل هذا العذاب، فكان ذلك نعمة دنيوية بالنسبة للكفار. يخاطب الله تعالى نبيه في هذا الخصوص فيقول: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} (الأنفال: 33).

    أجل، فمن أجل حرمة النبي صلى الله عليه وسلم رفع الله تعالى العذاب والهلاك الجماعي.
    وبينما كان النبي عيسى عليه السلام يقول لله تعالى: {إن تعذبهم فإنهم عبادك} (المائدة: 118).
    نرى أن الله تعالى يقول لنبيه: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم}.

    فتأمل قدر النبي صلى الله عليه وسلم ومنزلته عند الله، أي طالما أنت تعيش بينهم فلن يعذبهم الله. طالما أن ذكرك موجود، وتلهج به الألسنة، وطالما أن الناس يتبعون طريقك فلن يعذبهم الله ولن يهلكهم.

    وإحدى الجهات التي استفاد الكفار من رسول الله صلى الله عليه وسلم
    هو أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "إني لم أُبعث لعّاناً، وإنما بُعثت رحمة".[ مسلم، البر، 87

    أي إنني بعثت رحمة من قبل الله تعالى للناس أجمعين، ولم أبعث لكي أستمطر اللعنة والبلايا والمصائب على الناس. ولهذا تمنى رسول الله صلى الله عليه وسلم اهتداء ألدّ أعداء الإسلام، وبذل كل جهوده ومساعيه لتحقيق هذا.

    حتى جبريل عليه السلام قد استفاد من النور الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً وهو يشير إلى القرآن: "هل أصابك من هذه الرحمة شيء؟" قال: "نعم، كنت أخشى العاقبة، فأمنت لثناء الله عز وجل عليّ بقوله: {ذي قوة عند ذي العرش مكين * مُطاعٍ ثَمّ أمين} (التكوير: 20-21)" [الشفاء، للقاضي عياض 1/17].
    ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: "أنا محمد وأحمد والمقفَّى[المقفَّي: أي خاتم الأنبياء. (المترجم)]،
    وأنا الحاشر[الحاشر: أي ليس بينه وبين الحشر نبي آخر في معنى، وفي معنى آخر أن الله سيحشر الناس أمامه يوم القيامة. (المترجم)
    ونبي التوبة ونبي الرحمة".[ مسلم، الفضائل، 126؛ "المسند" للإمام أحمد 4/395]
    وباب التوبة مفتوح حتى يوم القيامة؛ لأن رسول الله نبيُّ الرحمة والتوبة، ونبوته وحكمه ماض إلى يوم القيامة.

    كان إذا رأى طفلاً أو صبيًّا يبكي جلس وبكى معه؛ إذ يشعر في وجدانه ألم الأم وعذابها. ففي الحديث الذي يرويه أبو هريرة رضي الله عنه نجد نموذج هذه الرحمة، وهذه الشفقة التي لهجت بها الألسن؛
    إذ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لأدخل الصلاة أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي فأخفف من شدة وَجْد أمه به".[ البخاري، الأذان، 65؛ مسلم، الصلاة، 192]

    كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلة، ولا سيما النوافل منها؛ إذ كانت تتجاوز طاقة الصحابة، ولكنه عندما يقف للصلاة يريد إطالتها ويسمع بكاء طفل في أثنائها؛ إذ به يخفف صلاته ويتَجوَّز فيها؛ ذلك لأن النساء كن يقفن للصلاة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم أي يشتركن في أداء صلاة الجماعة خلفه، فخوفاً من أن تكون أم ذلك الطفل موجودة بين المصليات فإنه كان يخفف صلاته، ويسرع بها لكي يريح قلب تلك الأم.

    كان في كل مسألة نموذجًا للشفقة؛ فبكاء طفل كان يؤلمه، بل كان يبكيه. ولكن المهم هو أنه بكل شفقته الواسعة الباهرة، ورحمته كان متوازنًا، فمثلاً رحمته الواسعة هذه لم تكن حائلة أمامه في تطبيق الحدود الشرعية؛ مهما كان شكل هذه الحدود وكيفيتها.

    جاءه أحد الصحابة وهو ماعز رضي الله عنه قائلاً له: "طهِّرْني يا رسول الله". فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً له: "ويحك، اِرْجِعْ فاستغفر الله وتب إليه". إلا أن ماعزاً كان يُصِرّ على التطهر ويطلبه. وعندما كرّر طلبه للمرة الرابعة سأله الرسول صلى الله عليه وسلم: "فيم أطهرك؟"، فقال ماعز: من الزنى يا رسول الله.

    كان ماعز متزوجًا، أي محصنًا، وعقاب الزنى للمحصن هو القتل رجماً. ولكي يبقى هذا الأمر منقوشاً في الأذهان حتى يوم القيامة فقد التفت إلى من حوله سائلاً: "أبه جنون؟" فأُخبر أنه ليس بمجنون. وفي رواية: ما نعلمه إلا وفيّ العقل، من صالحينا فيما نرى.

    فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أشَرب خمراً؟" فقام رجل فاستنكهه، فلم يجد منه ريح خمر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لماعز: "أزَنيت؟" فقال: نعم. فأمر برجمه، فسيق ماعز إلى المصلى لرجمه، فلما أصابته الحجارة أدبر يشتد، فلقيه رجل بيده لحي جمل فضربه فصرعه، فذُكر للنبي صلى الله عليه وسلم فراره. فقال: "فهلاَّ تركتموه".

    فكان الناس فيه فرقتين، فقائل يقول: لقد هلك، لقد أحاطت به خطيئة، وقائل يقول: ما توبة أفضل من توبة ماعز، إنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده في يده، ثم قال: اقتلني بالحجارة. فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة، ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم جلوس، فسلّم ثم جلس فقال: "استغفروا لماعز بن مالك" فقالوا: غفر الله لماعز بن مالك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد تاب توبة لو قُسِّمت بين أمة لَوَسِعتهم"[ مسلم، الحدود، 17-23؛ البخاري، الحدود، 28؛ "المسند" للإمام أحمد 1/238، 2/450].
    كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل موازنة، ولو فرضنا المستحيل وقلنا إن ماعزًا عاد للحياة، واقترف الذنب نفسه لكرر الرسول صلى الله عليه وسلم العقاب نفسه.
    كان لدى بني مقرّن خادمة، فلطمها أحدهم، فجاءت تشتكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم باكية، فاستدعى الرسول صلى الله عليه وسلم مالكها قائلاً له: "أَعتِقوها"، فقالوا: ليس لهم خادم غيرها. قال: "فليستخدموها، فإذا استغنوا عنها، فليخلّوا سبيلها". [مسلم، الأَيْمان، 31، 33؛ أبو داود، الأدب، 123؛ "المسند" للإمام أحمد 3/447
    ] أجل، فلو بقي إثم هذه اللطمة الظالمة ليوم الحساب لكانت اللطمات هناك أشد وأقسى؛ لذا كان العتق هو بديل هذه اللطمة لكي تكن ديتها يوم القيامة عن عذاب جهنم[مسلم، الأَيْمان، 30].

    الشفقة مع الأطفال

    أما شفقته على أطفاله فكان أمراً مختلفاً تماماً، فكثيراً ما ذهب إلى الأسرة التي ترضع ابنه إبراهيم، حيث يأخذه في حجره طويلاً، ويقبله ويعطف عليه[المسند، للإمام أحمد 3/112].
    وعندما رأى الأقرع بن حابِس التميمي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقبل الحسن والحسين رضي الله عنه ويأخذهما في حضنه، قال: "إن لي عشرة من الولد، ما قبَّلتُ منهم أحداً"، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: "من لا يَرْحم لا يُرحم" [البخاري، الأدب، 18؛ مسلم، الفضائل، 65].
    وفي حديث آخر: "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء".[ الترمذي، البر، 16؛ أبو داود، الأدب، 58]
    وجاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: تقبّلون الصبيان؟ فما نقبّلهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أوَ أملك لك إن نَزَع الله من قلبك الرحمة"[ البخاري، الأدب، 18؛ مسلم، الفضائل، 64؛ ابن ماجه، الأدب، 3؛ "المسند" للإمام أحمد 6/56].
    وكما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطف على أقربائه، فإنه كان يعطف كذلك على أصدقائه القريبين منه أو البعيدين عنه.
    وفي رواية لابن عمر رضي الله عنه قال: اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم جميعًا، فلما دخل عليه فوجده في غاشية أهله فقال: "قد قضى؟". قالوا: لا يا رسول الله. فبكى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رأى القوم بكاء النبي صلى الله عليه وسلم بكوا. فقال: "ألا تسمعون، إن الله لا يعذِّب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا"، وأشار إلى لسانه[البخاري، الجنائز، 45؛ مسلم، الجنائز، 12].
    أجل، إن الله لا يعذب بسبب دمع العين، على العكس من ذلك فهناك دموع يرفع الله بسببها العذاب، ففي حديث آخر يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرُس في سبيل الله". [الترمذي، فضائل الجهاد، 12]
    إحدى العينين عين الرهبان، والأخرى عين الفرسان.
    ففي الليل كانوا رهباناً يذرفون الدموع في عبادتهم وسجودهم. وفي النهار كانوا فرساناً يصولون ويجولون ويهاجمون الأعداء كالأسود. دموع هؤلاء كانت دموع المؤمنين الحقيقيين، والصحابة كانوا من هذا النوع من المؤمنين: رهبان في الليل فرسان في النهار.
    عندما أُخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بوفاة عثمان بن مظعون رضي الله عنه أسرع إلى بيته، فقد كان عثمان رضي الله عنه من الصحابة القريبين إلى قلبه. فبكى النبي صلى الله عليه وسلم عليه بكاء كثيراً. ولكن عندما قالت زوجة عثمان رضي الله عنه: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله. فقال النبي صلى الله عليه سلم: "وما يدريك أن الله أكرمه؟ والله ما أدري وأنا رسول الله ما يُفعل بي"[ البخاري، الجنائز، 3].
    أجل، لقد كان رجل توازن. فشفقته وبكاؤه لم يكن يمنعه من تصحيح خطأ. فالدموع التي سكبها على أحد أصحابه الأحبة؛ ما كانت لتحول بينه وبين تصحيح كلام مبالغ فيه أو خاطئ. فالوفاء شيء والحق شيء آخر. كان يزور شهداء أحد كل أسبوع[البخاري، المغازي، 27؛ مسلم، الفضائل، 30؛ النسائي، الجنائز، 103؛ "الطبقات الكبرى" لابن سعد 2/205؛ "السيرة النبوية" لابن هشام 4/300
    ولكنه لم يكن يقول: لقد طِرتم إلى الجنة. ولا يقولن أحد منا: إن لم يذهب هؤلاء إلى الجنة؟! نعم هذا هو الأمر.

    ثم ألا تكفي الرتبة والمقام الذي أعطاه لكافل اليتيم دليلاً على شفقته الواسعة؟ انظروا ماذا يقول صلى الله عليه وسلم: "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا"، ثم أشار بالسبابة والوسطى، وفرّج بينهما شيئاً.[ البخاري، الطلاق، 25، الأدب، 24؛ مسلم، الزهد، 42

    فكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يقول بأنه لن يدخل أحد بيني وبين كافل اليتيم في الجنة.

    رحمة بالحيوانات.. أيضاً

    كانت شفقته تشمل الحيوانات أيضاً، فقد مرّ سابقاً كيف أن امرأة دخلت النار بسبب هرة، وكيف أن بغياًّ دخلت الجنة بسبب سقيها الماء لكلب ظامئ. وهنا أنقل لكم حادثة أخرى بهذا الخصوص كخاتمة للموضوع:

    عن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فانطلق لحاجته. فرأينا حُمَّرَة معها فرخان، فأخذْنا فرخيْها، فجاءت الحُمَّرَة فجعلت تَفْرُش، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "من فَجَع هذه بولدها؟ رُدُّوا ولدها إليها"[ أبو داود، الأدب، 164، الجهاد، 112؛ "المسند" للإمام أحمد 1/404].
    أجل، لقد كانت شفقته تحتضن الحيوانات أيضًا. ثم ألا نتذكر أن الله تعالى عاتب أحد أنبيائه السابقين بسبب بيت نمل؟ إذ قام هذا النبي عن قصد أم عن دون قصد بحرق بيت نمل، فما لبث أن جاءه تأنيب من الله تعالى[البخاري، الجهاد، 153؛ مسلم، السلام، 148].

    ونبينا الذي نقل لنا هذه الحادثة وأمثالها من الحوادث الأخرى أيمكن أن يتصرف إلا هكذا..؟ وظهر فيما بعد في أمته أشخاص عندما يُمدحون يقال عنهم: إنه لا يؤذي حتى نملة. هؤلاء الأشخاص كانوا يعلقون أجراساً صغيرة على أقدامهم لكي تبتعد الحشرات عن طريقهم عند سماعها لصوت الأجراس، ولا تنسحق تحت الأقدام... يا إلهي..! ما هذه الشفقة العميقة والشاملة!! وما هذا الأ نموذج الرائع للرحمة..!.

    أجل، حتى النمل لم تخرج عن دائرة رحمته صلى الله عليه وسلم ولم تستثنَ منها. وهل يكون في مقدور إنسان يتحرج عن سحق نملة القيام بظلم الناس الآخرين؟ كلا، لا يستطيع هذا عن علم وعن قصد أبداً.

    عندما كان صلى الله عليه وسلم في "مِنًى" خرجت حية من بين بعض الصخور، فأسرع بعض الصحابة لقتلها، غير أنها استطاعت أن تنسلّ بين شقوق الصخور، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يراقب المنظر عن بُعد: "وقاها الله شرّكم، ووقاكم شرّها"[ البخاري، جزاء الصيد، 7؛ مسلم، السلام، 137؛ النسائي، الحج، 114؛ "المسند" للإمام أحمد 1/385].
    فالرسول كان يرى فيما هم به الصحابة شراًّ، والمقتول وإن كان حية إلا أن لها مكانًا أيضاً في نظام هذه الدنيا. فأي قتل غير ضروري سيضر بالتوازن البيئي، ويؤدي إلى أضرار لا يمكن تلافيها. والحقيقة أن إعلان الحرب على الحشرات باسم الزراعة والمحافظة عليها، يُعَدّ جريمة بالنسبة للتوازن البيئي، والغريب أن هذه الجرائم ترتكب اليوم باسم العلم.

    يروي ابن عباس رضي الله عنه: أن رجلاً أضجع شاة يريد أن يذبحها، وهو يحد شفرته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "هلاَّ حددتَ شفرتك قبل أن تضجعها".[ المستدرك، للحاكم 4/231، 233] كان هذا بمثابة عتاب لذلك الشخص.

    يروي عبد الله بن جعفر رضي الله عنه: جاء بعير يشتد حتى سجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قام بين يديه، فذرفت عيناه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صاحب هذا البعير؟" قالوا: فلان. فقال "ادعوه، فأتوا به"، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "يشكوك" فقال: يا رسول الله، هذا البعير كنا نسنو عليه منذ عشرين سنة، ثم أردنا نحره.

    فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "شكا ذلك، بئسما جازيتموه، استعملتموه عشرين سنة حتى إذا أرق عظمه، ورق جلده أردتم نحره بعينه" قال: بل هو لك يا رسول الله. فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجه نحو الظهر، أي الإبل[مجمع الزوائد، للهيثمي 9/9؛ "الخصائص الكبرى" للسيوطي 2/95

    لقد كانت رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وشفقته تتجاوز بكثير الرحمة المدعاة من قبل ما يطلق عليهم اليوم اسم "أنصار الإنسانية"، ولكنه استطاع أن يصون رحمته الواسعة من الإفراط ومن التفريط أيضاً، بفضل فطنته الكبيرة.

    أجل، لم يتهاون أبداً مع أي شر أو إثم تحت اسم المرونة أو الرحمة أو المسامحة، ولم يدعْ له فرصة لوضع بنيانه ومد جذوره؛ لأنه كان يعرف جيداً أن أي مسامحة لمجرم أثيم ذي روح متوحش تعني الاعتداء على حقوق آلاف من الأبرياء.

    ونعترف بكل أسى أن أيامنا الحالية مملوءة بمثل هذه الاعتداءات أكثر من أي عهد مضى. فقد رأينا بأم أعيننا إلى أي حال جرّنا هذا التسامح مع الفوضويين ومع أعداء عقائدنا وتراثنا وماضينا. ولا نزال نرى ذلك ونشاهده، وقلوبنا تتفطر ألـماً.

    فإن لم تستخدم الرحمة والشفقة بشكل متوازن أدى ذلك إلى نتائج وخيمة جداًّ في مستوى الفرد، وفي مستوى المجتمع ككل. بينما لا يمكن الإشارة إلى أي مثال على هذا الاستعمال السلبي للرحمة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    أجل، لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الناس إلى درجة يكاد يتلف فيها نفسه، والقرآن الكريم يشير إلى هذا الأمر في بعض المواضع؛ إذ يقول:
    {فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً} (الكهف: 6).
    [باخع نفسك: قاتلها ومهلكها من شدة الغم (المترجم).]
    هذا علماً بأنه عندما اقتربت منه نسائم النبوة كان معتكفاً في مغارة، وجاءه الوحي لأول مرة هناك. إذن، فقد كان يحب الناس، ونذر نفسه من أجل هذه الغاية.

    اللهم اجمع للأمة نواصيها.. وذكر بالقرآن ناسيها.. وزدها في السنة تفقيهًا.. وسدد جُندها وراميها.. وثبت عالمها وهاديها.. وأنزل الملائكة تحميها.. واهد مُذنبها وعاصيها.. ووفق عاملها وراعيها.. ورد عنها كيد أعاديها.. واصرف عنها مكر أفاعيها.. وأسبغ عليها نعمًا لا نُحصيها.. برحمتك يا أرحم الراحمين.. يا خير الغافرين.

    واجعل جمعنا هذا جمعًا مرحومًا.. وتفرقنا من بعده تفرُقا معصوما.. لا تجعل فينا ولا منا ولا معنا شقيًا ولا محرومًا.. برحمتك يا أرحم الراحمين.






  9. #9
    عضوة فعالة
    الحالة : صراحة غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 10025
    تاريخ التسجيل : Nov 2007 11
    المشاركات : 65
    التقييم : 50

    افتراضي 9- ملامح العظمة في شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم


    من العظماء، من إذا استغرقت في عناصر شخصيته فإنَّك تلتقي بذاته في نطاق الدائرة المحدودة من تلك العناصر التي جعلت منه إنساناً عظيماً صاحب فكرٍ أو صاحب قوّةٍ وما إلى ذلك، ما يمنح شخصيته ضخامتها الذاتية التي لا تمتد إلى أبعد من ذلك. ومن العظماء من إذا استغرقت في داخل شخصيته فإنَّك تنفتح على العالـم كلّه، ذلك هو الفرق بين عظيم يجمّع عناصر عظمته من أجل أن يؤكّد ذاته وبين عظيم يجمّع هذه العناصر من أجل أن يعطي الحياة عظمة ويتجه بالإنسان إلى مواقع العظمة حتى تكون عظمته حركة في الحياة، حركة في الإنسان، ويجتمع الإنسان والحياة وينطلقا ليعيشا مع أجواء العظمة في اللّه العليّ العظيم.

    من أولئك أنبياء اللّه الذين عاشوا للّه، فاكتشفوا الحياة من خلاله لأن الحياة هبة الله ، واكتشفوا الإنسان من خلال معرفتهم بالله، لأنَّ الإنسان خلق الله . وبذلك، فإنَّهم لـم يعيشوا مع اللّه ـ سبحانه وتعالى ـ استغراقاً في ذاته بالمعنى العاطفي للكلمة، لتكون كلّ حياتهم مجرّد تأوّهات وتنهّدات وحسرات وما إلى ذلك، ولكنَّهم رأوا بأنَّهم عندما ينقذون الإنسان من جهله، إنَّما بذلك يعبدون اللّه، فقد ارتفعوا إلى اللّه من خلال رفعهم للإنسان إلى مستوى المسؤولية عن الحياة من خلال تعاليم اللّه، عاشوا الآلام والحسرات مع اللّه من خلال حملهم لآلام الإنسان وتنهّداته من أجل أن تنطلق روحانيتهم في قلب مسؤوليتهم.
    ولذلك فالأنبياء ليسوا شخصياتٍ عظيمةً تعيش في المجال الطبقي الذي يصنعه النّاس لعظمائهم، ولكنَّ الأنبياء كانوا يعيشون مع النّاس، كانوا فيهم كأحدهم، يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، يفتحون قلوبهم لإنسان يعيش ألماً من أجل أن يفسحوا المجال للفرح حتّى يطرد ذلك الألـم، يتواضعون للنّاس، يستمعون إلى آلامهم، يشاركونهم، يعيشون معهم، لا يتحسّسون في أنفسهم أيّة حالة علوّ وهم في المراتب العليا، وممّا تنقله لنا السيرة »بأنَّ رسول اللّه كان ذات يوم يسير ورأته امرأة فارتعدت هيبةً له فقال (صلى الله عليه وسلم): ما عليك إنَّما أنا ابن امرأة مثلك كانت تأكل القديد«.
    إنَّه لـم ينفتح على ما عاشته من هيبته لتكون هيبته فاصلاً بينها وبين إحساسها الإنساني به وإحساسه الإنساني بها، لـم يرد للعظمة أن تكون حاجزاً بين إنسان وإنسان كما يفعل الكثيرون ممن يتخيّلون أنفسهم خطباء أو يرفعهم النّاس إلى صفوف العظماء فإذا بك تجد بينهم وبين النّاس حواجز وحواجز لا يعيشون التفاعل مع النّاس، وبذلك سقطت عظمتهم من خلال ما كانوا يؤكدونه من عظمتهم.

    سرّ الإنسانية في النبوّة:

    أمّا رسول اللّه فقد ارتفع إلى أعلى درجات العظمة عندما عاش حياة الإنسان، محتضناً له، ليرحمه وليرأف به، فلأنَّ سرّ إنسانيته في سرّ نبوته، في سرّ حركته في الحياة. لذلك قد نجد أنَّ بعض النّاس يتحدّثون في أشعارهم عن جمال الرسول (صلى الله عليه وسلم) وعن لون عينيه وعن جمال وجهه ويتغزّلون به من خلال ذلك، في الوقت الذي نرى أنَّ اللّه لـم يتحدّث عن كلّ ذلك، والسبب في ذلك أنَّ اللّه أراد أن يقول لنا بأنَّ الأنبياء الذين هم رسل اللّه إلى النّاس، انطلقوا مع الإنسان في صفاته الإنسانية التي تلتقي بالإنسان الآخر، أن تكون أيّ شيء في جمالك، أن تكون أيّ شيء في خصائص جسدك ذاك شيء يخصك لا علاقة له بالنّاس، لكن ما هي أخلاقك، ما هي انفعالاتك بالنّاس، ما هو احتضانك لحياة النّاس، ما هي طبيعة أحاسيسك، هل هي أحاسيس ذاتية تعيشها في ذاتك أو هي أحاسيس إنسانية تحتضن بها أحاسيس النّاس؟ كيف قدّمه اللّه إلينا؟

    لـم يذكر لنا نسبه، ونحن دائماً نصرّ على العائلية في الحديث، فلـم يتحدّث لنا عن هاشميته ولا عن قرشيته ولا عن مكيته، لـم يحدّثنا عن اسم أبيه، عن اسم أمّه، ولكن حدّثنا عنه بصفته الرسولية الرسالية:
    {لقد جاءكم رسول من أنفسكم}،
    لـم يأتِ من فوق ليطلّ عليكم من علياء العظمة، ولد بينكم، عاش معكم، تألَّـم كما تتألمون، وعاش الجوع كما تعيشون، وعاش اليُتم كما تعيشون اليُتم عندمـا تكونون أيتاماً، {من أنفسكم} وكلمة من أنفسكم تحمل في داخلها عمق المعنـى الإنسانـي الذي يجعل النبيّ في الصورة القرآنية إنساناً مندمجاً بالنّاس الآخرين، يعيش معهم، من داخل حياتهم، من داخل آلامهم، من داخل أحلامهم، من داخل قضاياهم، بحيث لا يوجد بينهم وبينه أيّ فاصل، إنَّه يتابعكم وأنتم تتألمون، يتابعكم وأنتم تتعبون، يتابعكم وأنتم تواجهون مشاكل الحياة التي تثقلكم، يعزّ عليه ذلك ويؤلمه ويثقله، لأنَّه يعيش دائماً في حالة نفسية متحفزة تراقب وترصد كلّ متاعبكم ومشاقكم {حريص عليكم} وكلمة حريص هنا تختزن في داخلها الكثير من الحنان، من الأبوة، من الاحتضان، من العاطفة.. يحرص عليكم فيضمّكم إليه، فتعيشون في قلبه، يقدّم لكم حلولاً لمشاكل حياتكم، عن كلّ تعقيداتكم، يحرص عليكم فيوحّدكم، ويجمع شملكم تماماً كما يحرص الأب على أبنائه والأم على أولادها، حريصٌ عليكم يخاف أن تضيعوا، يخاف أن تسقطوا، يخاف أن تـموتوا، وهو
    {بالمؤمنين رؤوف رحيم} (التوبة:128)
    الرأفة كلّها والرحمة كلّها، والرحمة في القرآن الكريـم ليست مجرّد حالة عاطفية، نبضة قلب وخفقة إحساس، بل الرحمة هي حركة الإنسان فيما يمكن له أن يحمي الإنسان، من نفسه، ومن غيره، من أجل الانطلاق بالإنسان.

    رسول الرحمة:

    ألـم نقرأ الآية الثانية وهي تحدّثنا عنه
    {فبما رحمةٍ من اللّه لنت لهم}، (آل عمران:159)،
    هذه الرحمة الإلهية التي أنزلها اللّه على النّاس من خلال تجسّدها في النبيّ، بحيث بعث إليهم رسولاً يعيش وعي الواقع ويواجه كلّ التحجّر، تحجّر التقاليد، والعادات والعقائد، والتعقيدات، وما إلى ذلك، فيواجه ذلك وهو يرى أنَّ هذا التحجّر يمكن أن يتحوّل إلى حجارة ترميه تماماً كما كانت الحجارة تدمي رجليه وهو في الطائف، وكما كانت حجارة القذارات تثقل جسده وهو عائد من البيت الحرام أو ساجد بين يديّ ربِّه. كان يعرف أنَّ هناك تحجّراً، وأنَّ الذي يريد أن يبعث الينابيع في قلوب النّاس لا بُدَّ له أن يكتشف في الحجارة شيئاً من الينبوع، لأنَّ اللّه حدّثنا أنَّ من الحجارة لما يتفجر منه الماء، إنَّ هناك ينابيع في قلب الحجارة، لذلك لا تنظر إلى حجرية الحجارة ولكن انفذ إلى أعماقها.

    لذلك لا تنفذ إلى النّاس المتحجّرين لتقول إنَّ هؤلاء لا ينفع معهم كلام ولا يمكن أن ينطلقوا إلى الحوار، اصبر جيّداً، انطلق بالينبوع من قلبك، ليكن قلبك ولسانك لينين، فإنَّ لين القلب ينفذ إلى أعماق الحجارة ليخرج منها الماء، ولين الكلمة تنفذ إلى حجارة العقل من أجل أن تفتح فيها أكثر من ثغرة
    {فبما رحمة من اللّه لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضّوا من حولك} (آل عمران:159)،
    قال ذلك لكلّ إنسان يحمل مسؤولية فكر يريد أن يُقنع به إنساناً، أو يحمل مسؤولية عاطفة يريد أن يفتح عليها قلب إنسان، قال: أيُّها الإنسان المسؤول: المسؤولية تعني وعي إنسانية الآخر والصبر عليه، إن كنت مسؤولاً لا تصبر ابتعد عن المسؤولية، لأنَّك سوف تثقل النّاس فيما تعتبره مسؤوليتك، وإن لـم تعِ أمور النّاس، ولا تفهم حركية عقولهم وقلوبهم وأوضاعهم الحياتية فكيف يمكن أن تخاطب النّاس؟ فتِّش عن مفتاح الشخصية، وهو مفتاحٌ لا تصنعه عند صانع المفاتيح ولكن تصنعه وتأخذه من خلال خالق المفاتيح
    {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلاَّ هو} (الأنعام:59).

    ومن مفاتيح الغيب تنطلق مفاتيح الرسالة، ومن مفاتيح الرسالة تنطلق مفاتيح الوعي وتنفتح الحياة كلّها، صفاته هي رسالته، ولذلك إذا أردت أن تتحدّث عن صاحب أيّ فكرة فلا بُدَّ أن تتحدّث عن أخلاقيته في حركة الفكرة، لأنَّ ذلك هو الرابط الأساسي له بالنّاس.
    اللهم املأ بالإيمان قلوبنا.. وباليقين صدورنا.. وبالنور وجوهنا.. وبالحكمة عقولنا.. وبالحياء أبداننا.. واجعل القرآن شعارنا.. والسنة طريقنا..
    اللهم اغفر لي جدي وهزلي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي
    أفضل الكلام لا إله إلا الله وأفضل الذكر الحمد لله
    أشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله






  10. #10
    عضوة فعالة
    الحالة : صراحة غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 10025
    تاريخ التسجيل : Nov 2007 11
    المشاركات : 65
    التقييم : 50

    افتراضي 10- بناء الرسول للجانب الاقتصادي في دولة المدينة


    من المعروف أن المهاجرين عندما وفدوا إلى المدينة استقبلهم إخوانهم الأنصار انطلاقا من قاعدة المؤاخاة بحب وإيثار لم يعرف تاريخ البشرية مثلهما، لدرجة أن الأنصار استحقوا أن يقول الله فيهم في كتابه الكريم: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الحشر: 9).

    وكان مما عرضه الأنصار على المهاجرين أن يقسموا بينهم أموالهم وأرضهم ودورهم، ولكن المهاجرين شكروا لهم كرمهم، وعملوا في شتى مناشط الحياة مع إخوانهم الأنصار.

    وكان الأنصار أصحاب مزارع فقالوا للرسول : "‏اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل، فقال: لا، فقالوا:‏ ‏تكفونا المئونة ونشرككم في الثمرة، قالوا: سمعنا وأطعنا"‏ رواه البخاري.

    إحياء للأرض

    وقد بدأت عملية مزارعة كبرى في المدينة أعقبتها حركة إحياء للأرض الزراعية المهملة وفقا للقاعدة الشرعية التي وضعها الرسول صلى الله عليه وسلم "من أحيا أرضا مواتا فهي له" رواه البخاري.

    وقد أقطع الرسول صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب عيونا بينبع اشتهرت فيما بعد بكثرة إنتاجها، وعمل فيها علي رضي الله عنه بنفسه.

    كما أقطع الزبير بن العوام أرضا بالمدينة استثمرها في الزراعة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم

    وقد اشتهرت الكثير من الأودية التي انتشرت الزارعة بها في عصر الرسول، منها وادي "العقيق" الذي هو أهم أودية المدينة وفيه أموال أهل المدينة ومزارعهم.

    كذلك من الأودية المهمة التي استخدمت للزراعة في المدينة وادي "بطحان" وكانت به مزارع بني النضير وأموالهم، كذلك وادي "مهزوز" كانت به أموال قريظة، ووادي "قناة" وهو ثالث أودية المدينة، ووادي "رانونا".

    كذلك من الأودية التي استفيد من أرضها بالزراعة "وادي القرى"، كذلك عرف في الطائف الكثير من الأودية التي استفيد منها بالزراعة، أهمها وادي "وج"، ويقع غرب الطائف، وفيه الكثير من المزارع والبساتين وترفده بعض الأودية الأخرى، كذلك وادي "ليه" ويقع شرق الطائف وبالقرب منها.

    نهضة زراعية

    ولم يكن المهاجرون والأنصار وحدهم الذين أقاموا النهضة الزراعية في المدينة المنورة، بل كان ضمن العاملين بالزراعة في المدنية المنورة، (وغيرها من مدن الحجاز) شباب آخرون من الأجانب الذين أسلموا والتحقوا بالمدينة، سوريون أو مصريون أو رومانيون أو عراقيون.

    ومما يدل على كثرة الموالي، أن الرسول حينما حاصر الطائف وأعلن عتق من ينزل إليه من الموالي، نزل إليه ثلاثة وعشرون عبدا من الطائف.

    وكانت هناك مجموعة كبيرة من الموالي الأحباش يعملون في المدينة في حقول الأنصار، ويدل على وجودهم الملموس أنهم حين قدم الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة يوم الهجرة خرج هؤلاء الأحباش واجتمعوا ولعبوا بحرابهم فرحا بقدوم النبي إلى المدينة.

    وكانت لهذه الطوائف الشابة تأثيرها الذي لا ينكر في تنمية الزراعة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.

    وقد حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على أن يكون للمدينة كيانها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي المستقل؛ اعتمادا على التشابك القائم بين مجموعة النظم في إقامة كيان الدولة وتحقيق هيبتها الداخلية والخارجية.

    كفالة المهاجرين

    وعندما دخل الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة وأقام سبعة أشهر في بيت أبي أيوب الأنصاري، قام الأنصار بالتنازل لرسول الله عن كل فضل كان في خططهم.. حتى يتمكن من تنظيم المدينة تنظيما يسمح بكفالة إخوانهم المهاجرين، بل إنهم -رضي الله عنهم- قالوا للرسول: يا نبي الله: إن شئت فخذ منازلنا.. فشكر الرسول لهم قولهم.

    وقد سأل الرسول أسعد بن زرارة (نقيب النقباء) أن يبيعه أرضا متصلة بالمسجد الذي كان أسعد قد بناه لنفسه، فعرض عليه أسعد أن يأخذها الرسول هبة منه، لكنه رفض، ليقيم الموازين القانونية في التعامل، ودفع ثمنها عشرة دنانير أداها من مال أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

    ثم أمر الرسول باتخاذ "اللّبِن" فاتخذ، وبني به المسجد (مسجد الرسول) ورفع أساسه بالحجارة، وسقف بالجريد، وجعلت عمده جذوعا، وبهذا وضع الرسول القاعدة الدينية والأساسية في بناء دولة المدينة نظرا لتعدد الوظائف التي كان يقوم بها مسجده الشريف، والتي يجب أن يقوم بها كل مسجد.

    تنظيم الري

    واعتمادا على تفويض الأنصار -رضي الله عنهم- للرسول في تنظيم أرض المدينة واقتصادها، بحيث يتحقق نسيج جديد إسلامي (إخائي) للمجتمع الجديد، قام الرسول بتوجيه التعامل مع "الماء والزرع" تعاملا يكفل أقصى الفعالية.

    فعندما قال له بنو حارثة من الأنصار: "يا رسول الله ها هنا مسارح إبلنا ومرعى غنمنا ومخرج نسائنا -يعنون موضع السقاية- قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم: من قطع شجرة فليغرس مكانها، فغرسنا الغابة".

    وقد قضى رسول الله في وادي مهزور أن يحبس الماء في الأرض إلى الكعبين ثم يرسل إلى الأخرى، لا يمنع الأعلى الأسفل، (وهي عملية داخلة في باب تنظيم المياه بالنسبة للزراعة) وفي هذا لإطار ورد -أيضا- عن عبد الرحمن بن الحارث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في سيل مهزور أن الأعلى يمسك على من أسفل منه، حتى يبلغ الكعبين ثم يرسله على من أسفل منه.

    وحدثنا حفص بن غياث عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: قضى رسول الله في سيل مهزور أن لأهل النخل إلى العقبين، ولأهل الزرع إلى الشراكين، ثم يرسلون الماء إلى من هو أسفل منهم.

    وعن ابن جعدبة وغيره قالوا: أشرفت المدينة على الغرق في خلافة عثمان من سيل مهزور حتى اتخذ له عثمان ردما.

    وفيما يتعلق بالأرض ومعادنها أو زراعتها قام الرسول بتوزيع الأرض المتروكة في المدينة على الصحابة، فأقطع عليه السلام بلال بن الحارث معادن بناحية الفروع، أي أرضا فيها معادن.

    وعن جعفر بن محمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطع عليا رضي الله عنه أربع أرضين: الفقيرين، وبئر قيس، والشجرة.

    وعن أبي عكرمة مولى بلال بن الحارث المزني قال: أقطع رسول الله بلالا أرضا فيها جبل ومعدن، فباع بنو بلال عمر بن عبد العزيز أرضا منها، فظهر فيها معدن أو قال معدنان، فقالوا: إنما بعناك أرض حرث، ولم نبعك المعادن.

    وجاءوا بكتاب النبي لهم في جريدة، فقبلها عمر، ومسح بها عينه، وقال لقيمه: انظر ما خرج منها وما أنفقت وقاصهم بالنفقة ورد عليهم الفضل.

    وهكذا قام الرسول كنبي وقائد دولة بتنظيم المياه والأرض، والأسواق، وتشجيع الزراعات والمهن والحرف، بحيث تحقق لدولة المدينة كيان اقتصادي يواجه المسلمون من خلاله اليهود الذين كانوا يريدون احتكار عصب الاقتصاد في الداخل، ويواجهون -كذلك- الكيانات الاقتصادية الخارجية.



    اللهم طهّر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وأعيننا من الخيانة، وألسنتنا من الكذب. اللهم اجعل بلاد المسلمين آمنةً مطمئنةً! اللهم عُمّ بالخير المسلمين، يا أكرم الأكرمين! اللهم أدم الأمن والاستقرار في بلاد المسلمين، يا رب العالمين!رخاءً سخاءً، يا ربّ العالمين اللهم امنحنا رضاك. اللهم آنا نسألك الجنة ونعيمها وما قرّب إليها من قولٍ أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرّب إليها من قولٍ وعمل، برحمتك يا أرحم الراحمين







صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. أختي الحبيبة هكذا ننصر رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم
    بواسطة بنور الله أنير حياتي في المنتدى المنتدى النبوي
    مشاركات: 11
    آخر مشاركة: 29-09-2012, 22:45
  2. مقتضيات لا اله الاالله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم
    بواسطة فتاة التنوير في المنتدى المنتدى الاسلامي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 20-02-2011, 12:33
  3. موقع محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم
    بواسطة المحبة أم ضحى في المنتدى ::ارشيف مواضيع المنتدى::
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 01-02-2011, 20:17
  4. الفلاشات الرائعه لنصرت سيدنا ونبينا محمد رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
    بواسطة ملكة باخلاقي في المنتدى قسم الأناشيد والفلاشات الإسلامية
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 29-03-2008, 18:10

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •