إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

إنه قهر غير مسبوق

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • إنه قهر غير مسبوق






    شخصيا، صحوت على الدنيا على هزيمة. أول مشهد تختزنه الذاكرة هو مشهد رحيلنا من مخيم عين السلطان في أريحا نحو الأردن في يونيو عام 67. نمشي بين الجثث، وطائرات العدو تحلق فوقنا، ودبابات عراقية يسيل حديدها مثل الشمع، وبين يدي وأنا ابن الخامسة مذياع كبير يصدح بأغاني الانتصار، بينما تحمل أمي رضيعا تركته أمه جراء الخوف والهلع، لكي تنقذ بقية إخوته.

    بعد ذلك يتوالى مسلسل البؤس والفقر والهزائم بلا توقف، تتخلله بعض الانتصارات الجزئية التي كانت تعيد للروح بعض تماسكها، وكل ذلك نعايشه بنبض أرواحنا في طول هذا العالم العربي والإسلامي وعرضه. نكتب ونصرخ ونرثي الشهداء ونناشد ونتظاهر من أجل الأسرى والمعتقلين والمظلومين.

    كل ذلك مرَّ بقدر أقل من هذا القهر الذي نعيشه منذ عامين ونيف، منذ أن أمعن الطاغية في دمشق قتلا في شعبه، وبعده بشكل أكثر قوة، منذ أن أمعن البعض قتلا في ربيع العرب وأحلامهم في الحرية والتحرر.

    كثيرا ما هجونا المال العربي الذي لا يصب في خدمة قضايا الأمة، بينما يتراكم أرقاما في حسابات الفاسدين المفسدين، لكننا كنا في المقابل نشيد بأبناء الأمة، أغنياء وفقراء، ممن كانوا يتبرعون من أجل نصرة قضاياها، فالغنى ليس عيبا، بل هو جميل حين يصب في الاتجاه الصحيح، وكم من أثرياء كانت لهم أدوار مشهودة في نصرة قضايا الأمة.

    على أن ما جرى خلال العامين الأخيرين كان الأكثر إثارة للقهر على الإطلاق، إذ لم يحدث في تاريخ الأمة أن استخدم بعض أبنائها فائض المال لديهم في قتل أشواقها في الحرية والتحرر كما حدث منذ عامين. دفعوا بلا حساب، ليس من أجل إجهاض الثورات فحسب، بل من أجل تزييف وعي الناس عبر إعلام كاذب فاجر تُضخ فيه المليارات بلا حساب. نعم المليارات وليس فقط الملايين.

    من بلد إلى آخر، يدفع نفر من أبناء الأمة وحكامها المليارات في معركة لا صلة لها بنصرة الأمة، ولا بنصرة قضاياها، بل من أجل تأكيد عبوديتها الداخلية، وتبعيتها للخارج الذي وقف مذهولا أمام مد الشارع التحرري، فلم يجد أفضل منهم كأدوات لوأد أحلام الجماهير.

    بأموال هؤلاء، تحول ربيع العرب من كابوس يقض مضاجع الصهاينة وأعداء الأمة، إلى بقرة حلوب تدر في أفواههم اللبن والعسل، وكل ذلك فقط من أجل ألا يبادر أعداؤه إلى قدر من الإصلاح السياسي الذي تحتاجه شعوبهم كي تشارك في السلطة، وفي الثروة التي وهبها الله لبلادها.

    إنهم يدفعون بلا حساب، ويجنّدون بلا حساب، رجالا وعسكرا وإعلاميين، وكأنهم لا يريدون معاقبة الشعوب التي ثارت على الدكتاتورية والفساد والتبعية للخارج فحسب، بل يريدون تأديب الشعوب التي أيدتها أيضا، ومن يفكرون في تكرار تجاربها كذلك.

    إنهم يحاربون أشباح التغيير التي تقض مضاجعهم، مع أنهم لم يكونوا في حاجة إلى ذلك، ولو بادروا إلى قدر مقبول من الإصلاح لتصالحوا مع شعوبهم ومع قضايا أمتهم، ولكانوا في الجانب الإيجابي من تاريخ يُكتب في هذه المنطقة التي يقتتل العالم عليها وعلى ثرواتها، ويقاتل بعضه من أجل حماية احتلال بغيض سرق أجمل بقعة فيها.

    إننا مثل بقية جماهير الأمة نشعر بقهر غير مسبوق، بخاصة أن بعض قوى التغيير لم تواجه المؤامرة بما يكفي من حنكة وذكاء، وكانت في سلوكها أقرب إلى البساطة منها إلى العمق والذكاء، مع إيماننا بأن حجم المؤامرة كان أكبر من قدراتها، هي التي لا تملك ما يملكه أولئك من إمكانات.

    نشعر بقهر غير مسبوق، ونتساءل: هل يمكن أن يمر كل هذا القهر دون انفجار، انفجار آخر في وجه هؤلاء قبل من دعموهم ويدعمونهم، لأن المعركة تبدو واحدة، وعلى جماهير الأمة من محيطها إلى خليجها أن تتوحد، لأن إرادة تركيعها أيضا موحدة، باستثناءات محدودة لا تكفي لجبر الكسر.

    ما نحن متأكدون منه هو أن ذلك لن يمر دون عقاب، لكننا بشر يصيبنا القهر، ويداهمنا اليأس أحيانا. إنه قهر الرجال على يد الصغار والأنذال. وقد استعاذ نبينا عليه الصلاة والسلام من «قهر الرجال»، ونحن نعوذ بالله من اليأس، ونعوذ به من أن يستمر هذا القهر إلى أمد طويل.


    ياسر الزعاترة
    لا آفة على العلوم وأهلها أضر من الدخلاء فيها وهم من غير أهلها فإنهم يجهلون ويظنون أنهم يعلمون ، ويفسدون
    ويقدرون أنهم يصلحون




    قال شيخ الإسلام رحمه الله وقد أوعبت الأمة في كل فن من فنون العلم إيعاباً، فمن نور الله قلبه هداه بما يبلغه
    من ذلك، ومن أعماه لم تزده كثرة الكتب إلاحيرة وضلالا



  • #2
    رد: إنه قهر غير مسبوق

    التقييم لا يرغب بالتفعيل..مرحبا بك أختي إخلاص لك اشتياق
    مقال ممتاز للثائر الأصيل ياسر الزعاترة
    لي عودة لإكمال القراءة
    أنا ما كتبت الشعر يوما متباهية...وما شدوت بمجد أسلافي أو نسبي أو مالِيةْ
    ولا استجدت كلماتي منّة قوم تذللا ... تعاف نفسي صغارا فما كنت له ساعية
    إنما حرك نبضَ يراع ســــــــاكن ..... مصائبُ حلّت بأمتي متتــــــــــالية










    تعليق

    يعمل...
    X